* مسألة: وأنه لو باع على صورة العُمرى والرقبى فقال: "ملكتكها بعشرة عمرك" = لم يصح، وهو قول ابن سُرَيج وأبي علي الطبري، وقال ابن كج: «لا يَبعُد عندي جوازه تفريعًا على الجديد»، ووافقه ابن خيران، حكى الرافعي الخلاف في «باب الهبة» (^١).
*مسألة: وأنَّ الإقدام على العقود الفاسدة حرام متى قصد تحقيق المعنى الشرعي، أو التلاعب به، وإن قصد تلاعب يجوز - كملاعبة الزوجة ونحوه - فليس بحرام، قال: «وليس هو بعقد على الحقيقة، إنما العقد ما قصد به تحقيق معناه، فلا حرج إذا أطلقنا قولنا: الإقدام على العقود الفاسدة حرام». ذكره في مواضع منها في «كتاب النكاح» عند الجمع بين الأختين، ومن ثَمَّ أطلق في «باب القرض» من «تكملة شرح المهذب» تحريمه، وما ذهب إليه هو رأي الغزالي، وابن الرفعة (^٢).
*مسألة: وأنا إذا جوزنا تبايع الغائبين بالكتابة، فتبايع حاضران بها صح، وفي المسألة وجهان: هنا، وفي «النكاح»، فقال هنا: «ينبغي أن يكون أصحهما الصحة»، وفي (النكاح): «ينبغي أن يكون أصحهما البطلان»، ولا تناقض منه فيه؛ لأنَّ الصحيح بطلان النكاح بالكتابة، وصحة البيع.
*مسألة: وأن امتناع بيع المبيع قبل قبضه إنما هو تعبد، ومستنده الخبر.
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٣١٥، ٣١٤)، روضة الطالبين: (٥/ ٣٧٢)، كفاية النبيه: (١٢/ ٩٦).
(٢) انظر: المهمات: (٨/ ٤١٩).
[ ٤٠٧ ]
الوارد فيه (^١)، وهذا ما أشار الرافعي إلى اختياره، وارتضاه الإمام (^٢)، وحكى الرافعي اختلافا للأصحاب في أنه هل يُعلَّل بضعف الملك أو بتوالي الضمان، وحذف النووي في «الروضة» ذلك كله، وفي «شرح المهذب» حكى اختلاف الأصحاب في العلتين، ولم يذكر كونه تعبدًا بالكليَّة، وإنما قال: «دليله الحديث، واختلف في تعليله»، وذكر الخلاف مجردًا عن ترجيح، وقد تكلمت عليه مبسوطا في الأشباه والنظائر (^٣)، وذكره الشيخ الإمام في «باب الرهن» من «شرح المهذب».
*مسألة: وأنه إذا وهب المبيع أو رهنه قبل القبض - وذلك صحيح عنده، خلافًا لهما كما تقدم - فإن قال للمتهب أو المرتهن: "اقبض"؛ صح، وإذا قبض تم البيع والهبة أو الرهن بعده، وهو رأي صاحب «التهذيب» (^٤)، وهو الذي استقر عليه رأي الشيخ الإمام في «شرح المهذب»، ذكَرَه في «باب الرهن» وإن كان فَصَّل في «شرح المنهاج» تفصيلا، فقد رجع عنه في «شرح المهذب»، و«شرح المهذب» في هذا المكان بعد (شرح المنهاج) فيه.
وقال الماوردي (^٥): «لا يكفي في البيع وما بعده، ولكن إن قصد قبضه للمشتري صح، واستأنف قبضا للهبة والرهن، ولا يجوز أن يأذن له في قبضه لنفسه من نفسه، وإن قصد قبضه لنفسه لم يصح للبيع ولا للهبة أو الرهن».
_________________
(١) يشير إلى حديث: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى» رواه مسلم (١٥٢٨).
(٢) انظر: نهاية المطلب: (٥/ ١٧٣)، الشرح الكبير: (٤/ ٢٩٦).
(٣) انظر: الأشباه والنظائر للسبكي: (١/ ٣٠٠).
(٤) انظر: التهذيب: (٣/ ٣١٢).
(٥) انظر: الحاوي: (٥/ ٢٢٣) و(٦/ ١٠).
[ ٤٠٨ ]
*مسألة: وأن الصدقة به قبل القبض إذا اتصلت بالقبض وكانت بإذن البائع، أو حيث لم يبق له حق الحبس، أو تلفت في يد المتصدق عليه = فهي كالوقف، وأطلق الماوردي أنَّ الصدقة كالوقف (^١)، قال الشيخ الإمام: «وإباحةُ الطعام للفقراء (^٢) كالصدقة».
قلت: فأفهم قوله: «كالصدقة» اختصاص مسألة الماوردي بالصدقة على الفقراء، وهو محتمل، ويحتمل أن يقال: إذا كان من أصلنا جواز (^٣) الصدقة على الغني؛ فلا فرق، فهي كالوقف عليه، فينبغي أن تُطلق إباحة الطعام، فإنَّ إطعام الطعام من حيث هو قُربةٌ كالهبة والرهن، كذا ذكر هنا.
*مسألة: وأنَّ التفرقة بين والدة وولدها في الرد بالعيب حرام، وأنكر دعوى شيخه ابن الرفعة أنَّ المذهب الجواز (^٤)، وصورتها: أن تحمل عنده ثم يعلم بالعيب قبل سن التفريق.
*مسألة: وأنه يكفي في بيع القطن في العدل رؤية أعلاه كقَوصَرَةِ التمر، ولا يشترط رؤية جميعه، وهو ما قال الصيمري: «إنه الأشبه» (^٥).
*مسألة: وأنه يجوز الاعتياض عن ثمن المبيع المؤجل إن كان نقدًا، وكذا إن كان طعاما وباعه بغير طعام وتقابضا وفاقًا للقاضي الحسين فيهما، قال الشيخ الإمام: «وهو المنصوص»، قال: «والنقد ينبغي أن يكون كالطعام»، وجوز
_________________
(١) انظر: الحاوي: (٧/ ٥١٥).
(٢) قوله: (للفقراء) زيادة من ظ ٢، ز، ك، ص.
(٣) قوله: (جواز) من ظ ٢، وليس في سائر النسخ.
(٤) انظر: كفاية النبيه: (٩/ ٩٠، ٨٩).
(٥) انظر: الشرح الكبير: (٤/ ٥٦).
[ ٤٠٩ ]
الشيخ أبو حامد الاعتياض عن ثمن المبيع المؤجل مطلقا، ومنعه الماوردي، ووقع لابن الرفعة أنَّ كلام القاضي مفروض في الطعام بالطعام من جنسه، وليس كذلك، نبه عليه الوالد ﵀.
*مسألة: وأنه لو اشترى مبيعًا لم يره جُملةً ورآه تفصيلا، كما لو رأى أرضا وطينا واجرا بني بهما فيها حمَّامٌ، اشترى الحمَّام ولم يره = لم يصح، وهو أحد احتمالي الروياني (^١).
*مسألة: وأنَّ البائع إذا قبض الثمن عما في الذمة، ثم رُدَّ عليه المبيع والثمن باق في يده؛ تعيَّنَ ردُّه بعينه للمشتري، ولم يجز له إبداله، ذكره في مواضع منها في كتاب الزكاة في مسألة كراء الدار، وفي «باب الرد بالعيب»، وفي هذا الباب ذكر الرافعي المسألة.
*مسألة: وأنَّ المقبوض بالبيع الفاسد إذا تَلِفَ وكان مثليًّا يُضمن بمثله، وصحح الماوردي أنه يُضمن بالقيمة (^٢)، وهو قضيَّةُ إطلاق الأكثر، وكذا المقبوض بالسوم والتحالف بعد هلاك المبيع، وكلّ عقد مفسوخ، وسنذكر المسألة مبسوطةً في خاتمة هذا الباب إن شاء الله.
*مسألة: وأنه إذا باع صاعين بصاعين من تمر، وكلّ منهما مشتمل على صغار وكبار غير متميز بعضُه عن بعض = صح، وفي المسألة وجهان:
أحدهما: إن ظهرت الصغار من الكبار للناظر من غير تأمل لم يصح، وإلا صح.
_________________
(١) انظر: المجموع: (٩/ ٢٩٩).
(٢) انظر: الحاوي: (٥/ ٦٤)، الشرح الكبير: (٤/ ١٢٣).
[ ٤١٠ ]
والثاني: إن كان بين أحد العوضين تفاوت لم يصح.
قال الشيخ الإمام: «الوجهان ضعيفان، والصواب الصحة مطلقا، أما إذا ميَّز وباع صاعًا من الصغار وصاعًا من الكبار بصاع من الصغار وصاع من الكبار، فالحكم كما لو باع درهما ودينارا بدرهم ودينار، وهما من ضرب واحد».
*مسألة: وأنهما إذا اختلفا في عين المبيع، والثمن في الذمة تحالفا، وهو الذي قال الرافعي في «الشرح الصغير»: «إنه الأظهر»، واقتصر في «الكبير» بعد حكاية الوجهين على أن كلا منهما رجحه مرجحون (^١).
*مسألة: وأنه إذا فُسِخَ العقد بعد التحالف ارتفع باطنا كما يرتفع ظاهرًا من المحقِّ أو الحاكم دون غيرهما، وفي المسألة أوجه، ثالثها: إن كان البائع صادقا ارتفع؛ لتعذر الثمن، فيرتفع ليصل إلى حقه كالمفلس، وإن كان كاذبًا فلا؛ لتمكنه بالصدق من حقه، قال الشيخ الإمام: «المختار أنه يرتفع باطنا وإن قلنا بالانفساخ، وإن قلنا بالفسخ دون الانفساخ ــ وهو الصحيح ــ نفَذ باطنًا من المحق أو الحاكم دون غيرهما».
قلت: والأرجح عنده - كما تقدَّم - أنَّ الفاسخ هو الحاكم، فحينئذ يرتفع باطنا، غير أنَّ الحاكم إنما بنى على تحالفهما، وبتقدير صدق المشتري لا يكون الحكم حقًا فلينظر، أو يُخرَّج على أنَّ حكم الحاكم عند الاشتباه يزيل ما في نفس الأمر، وليس ذلك رأيا له.
*مسألة: وأنَّ البيع إذا فُسِخ بالتحالف، وكانت العين مستأجرةً، فهي
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٤/ ٣٧٦).
[ ٤١١ ]
كالآبق، وبه قال القاضي الحسين، لا كالمرهون، وهو احتمال للإمام (^١).
*مسألة: وأنَّ دَين تجارة المأذون إذا حُجر عليه يؤدى من الأكساب المتجددة بعد الحجر، وهو الأصح عند الإمام، وصحح البغوي خلافه (^٢).
*مسألة: وأنه إذا حدث عند المشتري عيب، ثم اطلع على عيب قديم؛ يَضُمُّ (^٣) إلى الحادِثِ الأرش ورَدَّ المبيع، فالأرش أقيم مقام الفائت، ووَرَدَ الردُّ عليهما، وملكهما بالرد، واختار إمام الحرمين أنه رَدَّ المبيع وحده، وغرمَ الأرش عما في ذمته من بدل الفائت المضمون، فمَلَكَ البائع المبيع بالرد، والأرش بالقبض عما في الذمة.
هذا مع موافقة الإمام على أنَّ المشتري لو طلب الرد وبقاء الأرش في ذمته لم يلزم البائع إجابته (^٤)، قال الشيخ الإمام: «والأرش المردود يغرمه المشتري، ويسترجع جميع الثمن فيما يظهر على التقديرين».
*مسألة: وأنه لو وجب الأرش بزواج العبد، أو الأمة المبيعة وامتناع البائع، فقال الزوج قبل الدخول: «إن ردَّكِ المشتري بعيب فأنتِ طالق»، ثم ظهر العيب = فلا رَدَّ؛ لمقارنة العيب الرد، وقال والد الروياني: «الأظهر عندي أنَّ له الرد» (^٥)، وقد تقدمت في الباب الأول لسكوت الشيخين فيها على قول الروياني، كذا قالا، وإنما هو والده (^٦).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب: (٥/ ٣٦١).
(٢) انظر: نهاية المطلب: (٥/ ٤٨٠)، التهذيب: (٣/ ٥٥٧).
(٣) كذا في ظ ١، وفي سائر النسخ: (فضم).
(٤) انظر: نهاية المطلب: (٥/ ٢٣٨).
(٥) انظر: بحر المذهب: (٤/ ٥٤٢).
(٦) قوله: (وقد تقدمت في … وإنما هو والده) زيادة من ظ ٢، ك. وعلق ابن قاضي شهبة في حاشية =
[ ٤١٢ ]
*مسألة: وأنه إذا باع عبدًا، وأحال بثمنه، ثم اتفق البيعان على أنه حر، وكذبهما المحتال، ولا بينة، فحلفاه على نفي العلم، ثم أخذ المال من المشتري لبقاء الحوالة في حقه = لم يرجع المشتري على البائع وفاقًا للبندنيجي، وسليم، والبغوي (^١)، وخلافًا للشيخ أبي حامد، وابن كج (^٢) وابن الرفعة (^٣).
*مسألة: وأنَّ قرض العقار لا يجوز، وهو قول الماوردي، وجوزه المتولي في شِقص من دار؛ لأنه من حيث إنه مشاع في تلك الدار مثلي، وسكت عليه في «الروضة» (^٤).
*مسألة: وأنه يجوز قرض المنافع، وبه صرّح المتولي، ومنعه القاضي الحسين، نقله عنه في زيادة «الروضة» ساكتا عليه (^٥).
*مسألة: وأنه يجوز قرض الخبز، وهو رأي الرافعي في «الشرح الصغير»، وإليه صَغْوُ النووي أيضًا (^٦).
*مسألة: وأنه يجوز السَّلَم في ماء الورد، وقال صاحب «البحر»: «إنه الذي عليه عامة الأصحاب» (^٧).
*مسألة: وأنه يجوز السلم في المنافع، وعزاه إلى النص، واقتصر في
_________________
(١) ز: (قد تقدَّمَ في الباب الأول نظير هذه المسألة نقلا عن الروياني).
(٢) قوله: (والبغوي) من ظ ١، وليس في سائر النسخ.
(٣) زاد في ظ ١: (والبغوي)، وقول البغوي عدم الرجوع.
(٤) انظر: التهذيب: (٤/ ١٦٧)، روضة الطالبين: (٤/ ٢٣٥)، كفاية النبيه: (١٠/ ١١١، ١١٠).
(٥) انظر: روضة الطالبين: (٨/ ٥٧)، كفاية النبيه: (١٠/ ٢١).
(٦) انظر: روضة الطالبين: (٤/ ٣٣).
(٧) انظر: الشرح الكبير: (٤/ ٤٣٢)، روضة الطالبين: (٤/ ٣٣).
(٨) انظر: بحر المذهب: (٥/ ١٥٢).
[ ٤١٣ ]
«الروضة» على عزوه إلى الروياني ساكتًا عليه (^١)، ونقل الشيخ الإمام عن «فتاوى القاضي» المنع، قال: «وهو خلاف النص».
قلت: وعجيب أنَّ النووي نقل عن «فتاوى القاضي» منع قرض المنافع، ولم ينقل عنه في السَّلَم فيها شيئًا، مع كونهما في موضع واحد من كتاب واحد، على أني لم أر في نسختي لواحدة من المسألتين ذكرًا، والشيخ الإمام نقل عنه فيهما المنع، غير أني رأيت بخطه على حاشية «شرح المنهاج» أنه بعد ذلك رأى في «باب الغصب» من «تعليقة القاضي» أنه سُئل عن قرض المنفعة بأن يقول: «أقرضتُكَ منفعة داري هذه شهرًا»، قال: «لا يجوز؛ لأن ما لا يجوز السلم فيه لا يجوز قرضه، والسَّلَم لا يجوز في المنافع؛ لأنه لا بد فيه من التعيين، والتعيين يُبْطِلُ السَّلَم، فيُبْطِلُ القرض».
قال الشيخ الإمام: «وهذه العلة لا تطرد في كل المنافع؛ لجواز السلم في تعليم القرآن ونحوه، فلعل إطلاقه المنع محمول على هذا، ثم بعد حمله عليه يمكن أن ينازع فيه بقول المتولي في قرضِ جُزء من دار».
*مسألة: وأنا إذا جوزنا السَّلَم في الدراهم والدنانير وهو الأصح؛ فأرجح الوجهين: أنه يجب وصفها، ولا يكفي الإطلاق.
*مسألة: وأنه لو اشترى ثوبين وأراد بيع أحدهما مرابحةً، وكذا سائر ما يتقسط الثمن عليهما بالقيمة = خَبَّرَ بلفظ القيام ورأس المال، وهو قول القاضي الحسين والماوردي والمتولي (^٢).
وعند القاضي أبي الطيب: أنه يُخبّر بلفظ الشراء أيضًا، وهو بعيد.
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (٤/ ٢٧).
(٢) انظر: بحر المذهب: (٤/ ٥٦٩، ٥٧٠)، روضة الطالبين: (٣/ ٥٣٣).
[ ٤١٤ ]