ما لا يجوز بيعه كالوقف، وأم الولد، والكلب، والخنزير لا يجوز رهنه؛ لأن المقصود من الرهن أن يباع، ويستوفى الحق منه، وهذا لا يوجد فيما لا يجوز بيعه؛ فلم يصح رهنه.
من القواعد الفقهية أن ما شرع لمقصود وتقاعد عن مقصوده؛ بطل من أصله، ولا شك أن الرهن شرع لمقصود، وهو أن يباع ويستوفى الدين منه، فإذا لم يكن هذا الغرض بحيث يترتب عليه؛ كان باطلًا.
وقد صرح الشافعي بما قاله المصنف؛ فقال في "الأم" في الرهن الفاسد: "كل ما لا يحل بيعه لا يجوز رهنه" (^١).
وقال في الرهن يجمع الشيئين المختلفين: "ولا يجوز أن يرتهن الرجل شيئًا لا يحل بيعه حتى يرهنه إياه، وإن كان يأتي عليه مدة يحل بعدها وهو مثل أن يرهنه جنين الأَمَةِ قبل أن يولد على أنها إذا ولدته كان رهنًا. ومثل أن رهنه ما ولدت أمته أو ماشيته، أو ما أخرجت نخله على أن تُقطعه مكانه، ولا يجوز أن يرهنه ما ليس ملكه له بتام، وذلك مثل أن يرهنه ثمرة قد بدا صلاحها لا يملكها بشراء ولا أصول، نخلها، وذلك مثل أن يتصدق عليه وعلى قوم بصفاتهم بثمرة نخل؛ وذلك أنه قد يحدث في الصدقة معه من
_________________
(١) الأم (٣/ ١٦٥).
[ ٢ / ١٧٣ ]
ينقص حقه ولا يدري كم رهنه. ولا يجوز أن يرهن الرجل جلود ميتة لم تدبغ؛ لأن ثمنها لا يحل ما لم تدبغ، ويجوز أن يرهنه إياها إذا دبغت؛ لأن ثمنها بعد دباغها يحل، ولا يرهنه إياها قبل الدباغ، ولو رهنه إياها قبل الدباغ، ثم دفعها الراهن كانت خارجة من الرهن لأن عقده رهنها كان وبيعها لا يحل" (^١) انتهى.
وهو ناطق بما قاله المصنف من أن ما لا يجوز بيعه، لا يجوز رهنه.
وقال الشافعي في هذا الباب: "وإذا رهن الرجل مكاتبًا له، فعجز المكاتب قبل الحكم بفسخ الرهن، فالرهن مفسوخ لأني إنما أنظر إلى عقد الرهن لا إلى الحكم" (^٢).
وقال أيضًا في جماع ما يجوز أن يكون مرهونًا وما لا يجوز قال الشافعي: "الرهن المقبوض ممن يجوز رهنه ولمن يجوز ارتهانه ثلاثة أصناف صحيح، وآخر معلول، وآخر فاسد. فأما الصحيح منه، فكل ما كان ملكه تامًّا لراهنه، ولم يكن الرهن جنى في عنق نفسه جناية ويكون المجنى عليه أحق برقبته من مالكه حتى يستوفي، ولم يكن المالك أوجب فيه حقًّا لغير مالكه من رهن ولا إجارة ولا بيع ولا كتابة ولا جارية أولدها أو دبرها ولا حقًّا لغيره يكون أحق به من سيده حتى تقضي تلك المدة. فإذا رهن المالك هذا وقبضه المرتهن، فهذا الرهن الصحيح الذي لا علة فيه" (^٣). انتهى.
ثم اندفع الشافعي في بيان المعلول والفاسد، وليس المعلول خارجًا عن الفاسد في نفس الأمر، وإنما هو راجع إلى ما يظن صحته، فيظهر بخلافه
_________________
(١) الأم (٣/ ١٥٦).
(٢) الأم (٣/ ١٥٧).
(٣) الأم (٣/ ١٦٠).
[ ٢ / ١٧٤ ]
كما إذا ثبت أنه كان جانيًا أو مرهونًا أو مستولدة أو مشترًى شراء فاسدًا أو يطرأ عليه ما يفسده، كتخمير العصير، هذا الذي قيمته من "الأم".
وفي "الكافي" للزبيري أن المعلول ما فيه قولان كالجاني.
وفي "الإفصاح" لأبي علي أن الصحيح أن يرهن معلومًا يجوز بيعه، والفاسد رهن المجهول، والمعلول رهن الجاني لم يجعله صحيحًا؛ لأن في رقبته حقًّا للغير ولا جعله فاسدًا؛ لأن ملكه قائم وهو معلول.
قال الشافعي: "والرهن الفاسد أن يرتهن الرجل من الرجل مكاتبه قبل [أن] (^١) يعجز، ولو عجز لم يكن على الرهن حتى يجدد له رهنًا بقبضه بعد عجزه. ولو ارتهن منه أم ولده كان الرهن فاسدًا في قول من لا يبيع أم الولد، أو يرتهن من الرجل ما لا يحل بيعه مثل: الخمر والميتة والخنزير، أو يرتهن منه ما لا يملك" (^٢). انتهى.
يعني: إذا لم يأذن له صاحبه في رهنه، وهذه النصوص كلها ناطقة بما قاله المصنف من الضابط والمثال، ومبينة بأن امتناع رهن أم الولد مبني على امتناع بيعها، وهو الجديد الصحيح المشهور والكلب كالخنزير المنصوص عليه وداخل في الضابط وكذلك الحر؛ لأنه غير مملوك فضلًا عن كونه لا يجوز بيعه.
قال المتولي: ولو رهن الرجل قرابة له من ابن أو أخ على ما جرت به العادة للسلاطين فلا حكم له؛ لقوله تعالى: "فرُهُن مقبوضة" والحر لا تثبت عليه اليد. انتهى.
ورأيت في "مصنف ابن أبي شيبة" عن إبراهيم - وهو النخعي - قال: "إذا
_________________
(١) سقط من المخطوطة، وأثبتناه من الأم.
(٢) الأم (٣/ ١٦٣).
[ ٢ / ١٧٥ ]
رهن الرجل الحر، فأقر بذلك كان رهنًا حتى يفكه الذي رهنه أو يفك نفسه" (^١) والوقف لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه اتفاقًا، سواء قلنا: هو مملوك أم لا؟
وهو داخل في عموم النصوص التي حكيناها.
وقد نص الشافعي في "المختصر" على أرض السواد لاعتقاده أنها وقف، فقال: "ولو رهنه أرضًا من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة" (^٢)، وتبعه كثير من الأصحاب، فتكلموا على خراج السواد هنا، والمصنف وآخرون ذكروه بعد السير، ونحن نذكر طرفًا منه هنا، فنقول: أرض السواد: هي أرض العراق سمي سوادًا؛ لسواده بالشجر والزرع ولما قدمت الصحابة يفتحون الكوفة وأبصروا سواد النخل قالوا: ما هذا السواد وسبب ذلك أن الخضرة تُرَى من البعد سوادًا.
وقال الأصمعي: "سمي سوادًا؛ لكثرته من قولهم: السواد الأعظم" (^٣). انتهى.
ثم إن السواد وإن كان في الأصل للشجر أو غيره مما قلناه إلا أنه صار يطلق على كل أرض العراق ولا يطلق على غيرها في الغالب، فصار مرادفًا للعراق، وهو الإقليم المعروف إقليم فارس وسمي عراقًا؛ لاستواء أرضه وخلوها عن جبال تعلو أو أودية تنخفض.
وقيل: لكونه على شاطيء البحر والفرات، وقيل: سمته العجم إبراق سهر، ومعناه: كثير النخل والشجر فَعُرِب، وأما تحديده فمن عبادان إلى
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة رقم (٢٢٣٣٨).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٩٣).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٤/ ٢٥٦) بمعناه.
[ ٢ / ١٧٦ ]
حديثة الموصل طولًا، ومن عذيب؟ القادسية إلى حلوان عرضًا، وحديثة الموصل آخر عملها في صوب العراق، والمراد من حلوان عقبتها على ما قاله بعضهم هذا حد العراق. وحد سواد العراق لا يستثنى منه شيء، لكن يستثنى من الدخول في حكم السواد البصرة، ليس لها حكم السواد، وإن دخلت في حده إلا في موضع شرقي دجلتها يسمى الفرات، وموضع من غربي دجلتها يسمى نهر الصراة هما داخلون في الحكم والحد وبقية البصرة داخل في الحد لا في الحكم؛ لأنه كان مواتًا، فأحياه المسلمون والحكم الذي سنذكره من الوقف أو الملك، إنما يكون لما عدا الموات، والتنبيه على استثناء هذا العدد خاصة يقتضي إن لم يكن في جميع أراضي العراق موات غيره، وذلك محمول على الأماكن العامرة لما تكلم الفقهاء في ذلك، ولا يمتنع أن يكون فيها موات إلى اليوم لا يحتاجون إلى استثنائه لأنه لا يدخل في حكم وقف ولا ملك، وكذا كل بلد ألحقناه بسواد العراق، فإنما يراد به ما كان عامرًا أو مزدرعًا.
أما الموات فلا، إذا عرف هذا فسواد العراق فتح في زمان عمر ﵁ (^١)، والصحيح المشهور: أنه فتح عنوة (^٢).
وفي وجه لأصحابنا: أنه فتح صلحًا (^٣)، وهو بعيد.
وعن محمد بن سيرين: أن بعضه صلح وبعضه عنوة (^٤)، ولا يدرى هذا من هذا.
والذين قالوا: إنه عنوة أطلقوا القول واستثنى الخطيب في "تاريخ
_________________
(١) انظر: كفاية النبيه (٧/ ١٢٠).
(٢) انظر: فتح العزيز (١١/ ٤٤٩).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٤/ ٢٥٧).
(٤) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (ص ٥٠).
[ ٢ / ١٧٧ ]
بغداد": "الحيرة وبانقيا وأُلَّيْس فإنها صلح، وروي عن عبد الله بن مغفل الصحابي قال: لا تشتر من أهل السواد إلا من أهل الحيرة وبانقيا وأُلَّيْس.
قال أبو عبيد: أما الحيرة، فإن خالد بن الوليد كان صالحهم في دهر أبي بكر، وأما أهل وبانقيا وأُلَّيْس فإنهم دلوا أبا عبيدة وجرير بن عبد الله البجلي على مخاضة حتى عبروا إلى فارس، فذلك صُلحهم وأمانهم" (^١). انتهى.
واختلف الناس في حكم السواد، فقال الشافعي: "إنها وقف لا يجوز بيعها ولا رهنها" (^٢).
وقال ابن سريج: هي ملك يجوز بيعها ورهنها (^٣)، وذلك مبسوط في "كتاب السير".
وقد ذكرنا استثناء الفقهاء لبعض البصرة من هذا الحكم، ولم يذكروا المواضع الثلاثة التي استثنيناها عن عبد الله بن مغفل، ويجب استثناؤها إلا إن ثبت أن أهلها استنزلوا عنها ووقفت، والخلاف بين العلماء المتقدمين في وقف أرض السواد، كما هو بين أصحابنا والصحيح عندهم أنها وقف كما قال الشافعي: قال أبو عبيد: "وإنما كان اختلافهم في الأرضين المغلة التي يلزمها الخراج من ذوات المزارع والشجر، فأما المساكن والدور بأرض السواد فما علمنا أحدًا كره شرائها وحيازتها وسكناها قد اقتسمت الكوفة خططًا في زمن عمر بن الخطاب، وهو أذن في ذلك، ونزلها من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ رجال: منهم سعد وابن مسعود، وعمار، وحذيفة، وسلمان، وخباب، وأبو مسعود، وغيرهم ثم قدمها علي فيمن
_________________
(١) تاريخ بغداد (١/ ٣٠٦).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٧٧).
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ١٧٨ ]
معه، ثم كان التابعون بها، فما بلغنا أن أحدًا كان في نفسه منها شيء وكذلك سائر السواد" (^١). انتهى.
وبغداد من أرض السواد، وكان جماعة من السلف يكرهون سكنى بغداد والمقام بها ويحثون على الخروج منها (^٢).
وقيل: إن أحمد بن حنبل كان يعطي أجرة داره التي هي في ملكه ظاهرَا، وكان الفضيل لا يرى الصلاة في شيء من بغداد يرى أنها غصب (^٣) وإنها كانت مزرعة لقوم، والصحيح الذي عليه عمل الناس أنها ليست بغصب، لكنها بنيت في أرض السواد، ففيها الخلاف في جواز بيعها، وقول أبي عبيد: إن الخلاف إنما هو في الأرض المغلة لا تخرج بغداد؛ لأنها كانت مزرعة.
وقوله: إن المساكن لا تدخل في الخلاف إن صح ما أشار إليه من الإجماع، فهو عمدة، وإلا فهو محل النظر.
وفي المسألة وجهان لأصحابنا أصحهما ما قال أبو عبيد، وقيل: إن موضع بغداد مُستثنى، وأنه من مواضع الصلح هذا حكم سواد العراق وأما مصر فقل من تعرض لها.
وقال الخطيب في "تاريخ بغداد" (^٤): "وقد كان الليث بن سعد اشترى شيئًا من أرض مصر وحكمها حكم سواد العراق وإنما استجاز الليث ذلك؛ لأنه كان يحدث عن يزيد بن أبي حبيب أن مصر صلح، وكان مالك بن أنس
_________________
(١) الأموال (ص ١٠٩ - ١١٠).
(٢) انظر: تاريخ بغداد (١/ ٢٩٣).
(٣) تاريخ بغداد (١/ ٢٩٣).
(٤) (١/ ٣٠٩).
[ ٢ / ١٧٩ ]
وعبد الله بن لهيعة، ونافع بن يزيد ينكرون على الليث ذلك الفعل؛ لأن مصر كانت عندهم عنوة، ولعل حديث يزيد بن أبي حبيب لم ينته إليهم أو بلغهم فلم يثبت عندهم. والله أعلم" (^١).
هذا كلام الخطيب ورأيت في وصية الشافعي وهي مسطورة في "الأم" (^٢) ما يقتضي أن الشافعي كان له أرض في مصر، وإنكار مالك على الليث (^٣)؛ لأن عند مالك أن أرض العنوة تصير وقفًا بنفس الاستيلاء (^٤).
أما عند الشافعي، فإنما صارت أرض السواد وقفًا باستطابة عمر ﵁ قلوب الغانمين واستنزالهم عنها ووقفه إياها (^٥)، ولم ينقل أن مثل ذلك جرى في مصر.
وأما قول الخطيب: إن حكمها حكم سواد العراق (^٦) فإن أراد في كونها فتحت عنوة، فيصح على قول مالك، وإن أراد مطلقًا فيما اتفق فيها من الوقف، كما يقوله الشافعي في سواد العراق فبعيد؛ لأنه لم ينقل فيما علمت فالقول في مصر أن يقال:
إن قلنا: إنها فتحت عنوة فعلى قول مالك ومن وافقه هي وقف، وعلى قول الشافعي هي للغانمين ولورثتهم إلا أن يثبت انتقالها عنهم بوقف أو غيره، وعلى قول يزيد بن أبي حبيب أنها صلح (^٧) تكون لأهلها حتى يثبت
_________________
(١) تاريخ بغداد (١/ ٣٠٩).
(٢) الأم (٤/ ١٣٠).
(٣) انظر: الأموال لأبي عبيد (٢٠٩)، والنجم الوهاج في شرح المنهاج (٩/ ٣٦٧).
(٤) انظر: بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ١٦٣).
(٥) الأم (٧/ ٣٧٧).
(٦) تاريخ بغداد (١/ ٣٠٩).
(٧) انظر: الأموال لأبي عبيد (٢١٠، ٣٨٧).
[ ٢ / ١٨٠ ]
انتقالها عنهم، وسواء قلنا: هي للقائمين أو لأهل الصلح، فهي الآن في يد بيت المال فيحمل الأمر على أنها انتقلت عنهم بطريق صحيح، ويحصل فيها قولان للعلماء؛ أحدهما: أنها وقف، وهو مذهب مالك.
والثاني: أنها ملك للمسلمين عمومًا وهو المناسب لقواعد الشافعي، وإن لم أجده منصوصًا عليه، ولا عن أصحابه، وعلى هذا يجوز للإمام بيعها حيث يجوز بيع أرض اليتيم وذلك لضرورة أو غبطة ومن كان في يده شيء منها جاز له التصرف فيه، كسائر ما في يده.
وأما الشام، فإنها فتحت صلحًا.
قال الجوري من أصحابنا: أرض الخراج على ضربين: ضرب صالح الإمام أهلها على أن يكون لهم الأرض ويؤدوا كل سنة خراجًا معلومًا؛ كأرض الشام وهذا الضرب يجوز بيعه ورهنه، والضرب الآخر: أرض فتحها المسلمون عنوة، فملكها الغانمون لها، فاستطاب الإمام قلوب الموجفين بعوض أعطاهم أو غير عوض، فجعلها وقفًا على المسلمين، ودفعها إلى أقوام بكراء في كل سنة، فهذا الضرب لا يملك، ولا يجوز رهنه ولا بيعه، وهو الذي أراده الشافعي، وهو أرض السواد، وهو قول مالك، وقول أهل العراق يجوز بيعها وهي مملوكة. انتهى كلام الجوري إذا ثبت ذلك، فكل أرض ثبت لها حكم سواد العراق، فهي عند الشافعي وقف، لا يجوز رهنها كسائر الموقوف، وأبنيتها وأشجارها إن كانت من تربتها وغروسها التي كانت قبل الوقف.
قال الرافعي: "فهي كالأرض" (^١)، وهذا فيما يستحدث من عين الوقف صحيح، أما الأبنية التي كانت فيها حين الوقف.
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٤٢).
[ ٢ / ١٨١ ]
فقد حكى هو في "كتاب السِّير" في المساكن والدور التي في حد السواد على القول بأن الأرض موقوفة وجهين؛ أحدهما: أنها كالمزارع.
وأظهرهما: وهو الذي أورده الروياني في "جمع الجوامع" المنع؛ لأنه لم يكره أحد شرائها وسكناها؛ ولأن وقفها يفضي إلى خرابها وهذا هو الذي حكيناه فيما سبق عن أبي عبيد، فعلى هذا إذًا رهن تلك الأبنية يصح، وإن كانت الأبنية والأشجار أحدثت فيها من غيرها جاز رهنها قطعًا فإن رهنت مع الأرض، فهي من صور تفريق الصفقة.
وقد نص الشافعي هنا على أنها تفرق وهو الأصح عند الجمهور، وإن كان الأصح عند الربيع خلافه، وإن رهن الأرض مطلقًا.
وقلنا: البناء والغراس يدخلان، فكذلك على ما قال الرافعي يعني: يبطل في الأرض، وفي البناء والغراس قولَا تفريق الصفقة وهذا فيه نظر؛ لأن البناء والغراس في هذه الحالة إنما يدخل تبعًا للأرض فإذا بطل في الأرض ينبغي أن يبطل في التابع لها سواء قلنا بالتفريق أم لا، لأن التابع لا يفرد والذي قاله الرافعي نص عليه الشافعي، فإنه قال فيما حكاه المزني (^١) والربيع (^٢): "ولو رهنه أرضًا من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة، وإن كان فيها غراس أو بناء للراهن فهو رهن". انتهى.
وإطلاق هذا يقتضي ذلك، ويقتضي أن البناء والغراس يدخلان في مطلق رهن الأرض والمعروف من النص خلافه، فإن حمل على أنه رهنه الأرض بما فيها استقام ولم يبق فيه مساعدة للرافعي، والكلام في استتباع الأرض البناء والشجر مذكور في البيع، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا أيضًا إن
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٣).
(٢) الأم (٣/ ١٥٤).
[ ٢ / ١٨٢ ]
شاء الله، حيث ذكره المصنف، وإنما الكلام هنا فيما إذا قلنا بالاستتباع، فكانت الأرض لا يصح الرهن فيها، هل يصح في البناء والشجر على القول بالاستتباع أو يبطل؛ لأن الاستتباع فرع الصحة، كلام الرافعي يقتضي الأول وظاهر النص يقتضيه، فإن صح ذلك، فينبغي أن يكون مأخذ دخول البناء والشجر شمول اسم الأرض لذلك، فإنه حينئذ يصير كدلالة لفظ الدار على أجزائها، فإذا بطل في بعضها لا يبطل في الباقي على القول بالتفريق.
أما التبعية، فيبعد فيها إثبات التابع بدون الأصل، لكن كون اسم الأرض شاملًا للبناء والشجر بعيد ونظير هذا لو باع عبدًا وقلنا: تدخل ثيابه في البيع، فبان العبد لغير البائع والثياب له، فإن التزم في هذه صحة البيع في الثياب وحدها، فهو عجيب، وإذا صح الرهن في البناء والغراس، فلا خراج على المرتهن، وإنما هو على الراهن، فإنه مضروب على الأرض، فيؤخذ من الراهن، ولا يتعرض للبناء والغراس المرهون، فإن أداه للمرتهن بغير إذن الراهن، فهو متبرع لا يرجع به، نص عليه الشافعي (^١)، وإن أداه بإذنه وشرط الرجوع رجع، وإن لم يشرط الرجوع فوجهان ظاهر النص الرجوع، فإنه قال: "لا يرجع به إلا أن يكون دفعه بأمره، فيرجع به، كرجل اكترى أرضًا عن رجل اكتراها، فدفع المكتري الثاني كراها عن الأول، فهو متطوع" (^٢). انتهى.
والوجهان جاريان، كما قال الرافعي في أداء دين الغير بإذنه مطلقًا (^٣)، والأصح الرجوع، وقد صرح الرافعي بتصحيحه في كتاب الضمان.
_________________
(١) الأم (٣/ ١٥٤).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) فتح العزيز (٤/ ٤٤٢).
[ ٢ / ١٨٣ ]
واعلم أن الشافعي نص على أرض الخراج هنا، وفي "سير الواقدي"، ونازع المنتصرون لابن سريج في نصه هنا.
وقالوا: إنه ليس صريحًا في سواد العراق، فقد تكون أرض ذات خراج غيره وقفًا أو ليست ملكًا ولكن نصه في "سير الواقدي" صريح في وقف سواد العراق، فإنه قال فيه: "لا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا ظنًّا مقرونًا إلى علم، وذلك أني وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان ووجدت أحاديث من أحاديثهم تخالفهم:
منها: أنهم يقولون: إن السواد صلح، ويقولون: السواد عنوة، ويقولون: بعض السواد صلح وبعضه عنوة، ويقولون: إن جرير بن عبد الله البجلي وهذا أثبت حديث عنده فيه - أخبرنا الثقة عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد، فاستعملوه ثلاث سنين أو سنتين، أنا شككت، ثم قدمت على عمر بن الخطاب، ومعي فلانة بنت فلان امرأة منهم، فقال عمر ﵁: لولا أني قاسم مسؤول لتركتكم على ما قُسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس.
قال الشافعي: وكان في حديثه: وعاضني من حقي عنه نيفًا وثمانين دينارًا، وكان في حديثه فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية وثبت سهمه ولا أسلمه حتى يعطيني كذا وكذا، فأعطاها إياه.
قال: وفي هذا الحديث دلالة إذا أعطى جريرًا البجلي عوضًا من سهمه، والمرأة عوضًا من سهم أبيها أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه، فتركوا حقوقهم منه، فجعله وقفًا للمسلمين، وهذا حلال للإمام لو فتح اليوم أرض عنوة، فأحصى من افتتحها، وطابوا أنفسًا عن حقوقهم منها أن يجعلها
[ ٢ / ١٨٤ ]
الإمام وقفًا وحقوقهم الأربعة الأخماس، ويوفي أهل الخمس حقوقهم، إلا أن يدع البالغون منهم حقوقهم فيكون ذلك لهم" (^١). انتهى.
وقد استشكل الشيخ عز الدين بن عبد السلام حكم الشافعي بوقفها بخبر واحد والأملاك لا تزال اليد عنها إلا ببينة (^٢) وهذا استشكال ضعيف؛ لأن خبر الواحد يثبت به الأحكام الشرعية لقيام الدليل القاطع على العمل به، وإذا كنا نبيح به الدماء، ونستبيح به الفروج، فالأموال أقل خطرًا، وهل فائدة العمل بخبر الواحد إلا إثبات الأحكام سواء كانت لله أو للعباد، أموالًا كانت أو غيرها، وليس إزالة اليد بأعظم من إزالة حكم شرعي يقطع بثبوته وهي البراءة الأصلية، ثم يرفعه بخبر الواحد، وإنما تتوقف إزالة اليد على العدد في الشهادة، وباب الشهادة غير باب الرواية؛ لأنها قضية خاصة على شخص قد يتهم الشاهد الواحد فيها، والراوي لا يتهم؛ لأن روايته لا تختص بشخص معين.
ومساحة السواد بالفراسخ: مائة وستون فرسخًا طولًا وثمانون عرضًا، فيكون الجميع إذا كُسِّر اثني عشر ألف فرسخ وثمانمائة فرسخ.
قال ابن الصلاح: "والعراق حده عرضًا حد السواد، كما ذكرناه، ويخالفه في الطول فحده طولًا من الغلث إلى عبادان، وذلك مائة وخمسة وعشرون فرسخًا، فيكون الجميع عشرة آلاف فرسخ، فاضبط ذلك، فإنه قد غلط فيه" (^٣).
* * *
_________________
(١) الأم (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ١٨٥).
(٣) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٤٦٩).
[ ٢ / ١٨٥ ]
فرع
المراد بقولنا: "ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه" ما لا يجوز بيعه في حالة من الأحوال، وهو أن يكون فاقدًا بعض شروط المبيع؛ ولهذا مثل بالوقف وأم الولد، والكلب، والخنزير فإن كُلًّا منهما لا يقبل بحالٍ، ونبه بالوقف وأم الولد على ما كان قابلًا للبيع، ثم طرأ ما يمنعه، وبالكلب والخنزير على ما لم يزل ممتنع البيع، ونبه بالوقف على ما زال الملك فيه، وبأم الولد على ما لم يزل ملكه ولكن تعذر بيعه، وبالكلب والخنزير على ما لا ملك فيه، والمكاتب على الصحيح يمتنع بيعه ورهنه، والمبيع قبل القبض سيذكر المصنف حكمه، والمبيع بعد قبضه في زمان الخيار، إذا كان الخيار للمشتري يصح منه رهنه وبيعه، ولا يصحان من البائع، وإن كان الخيار للبائع أو لهما صح من البائع بيعه ورهنه. وكذا من المشتري بإذن البائع، ولا يصحان إذا لم يأذن، وقد أدخل الغزالي قيدًا زائدًا على ما قاله المصنف، فقال: من الشروط أن يكون المرهون قابلًا للبيع عند حلول الحق أي: إن كان الدَّين حالًّا، فيشترط إمكان بيعها الآن، وإن كان مؤجلًا فيشترط إمكان بيعها عند حلوله، وهذا الكلام يفهم إن ما لم يكن قابلًا للبيع الآن ويقبله عند حلول الحق يصح رهنه، وما يكون قابلًا الآن ولا يقبله عند حلول الحق لا يصح رهنه، ولعله يشير بالأول إلى المبيع قبل القبض، فإنه لا يقبل البيع الآن؛ ويقبله فيما بعد القبض، وفي رهنه خلاف.
وبالثاني إلى ما يتسارع إليه الفساد، فإنه قابل للبيع الآن، ولا يقبله عند حلول الحق؛ لأنه لا يبقى، وما لا يبقى يصح أن يقال: لا يقبل البيع في وقت عدم بقائه، وفي صحة رهنه تفصيل سيأتي، أما ما يقبل البيع في كل الأحوال، ويمتنع من بعض الناس؛ كالسلاح؛ فإنه لا يصبح بيعه من الحربي، ويصح رهنه منه، فلا يرد؛ لأنه قابل للبيع في كل حال، وليس
[ ٢ / ١٨٦ ]
في الكلام ما يدل على أن الرهن تابع للبيع في كل وردٍ وصدرٍ، حتى إن مَنْ صح شراؤه لشيء صح ارتهانه له، ومن لا فلا، وأقرب ما يورد المبيع قبل القبض، فإنه يصح أن يقال: لا يصح بيعه، ويصح رهنه على رأي المصنف، وسنذكر المسائل التي يتهذب بها هذا الضابط مما ذكره المصنف وغيره.
فرع
إذا صالح الإمام أهل بلد كُفارًا على خراج يؤدونه من أراضيهم، فهذا الخراج كالجزية يسقط بالإسلام، والأرض مملوكة لهم يصح رهنها، كما تقدم عن الجوري في الشام، والخراج على صاحب الأرض فإن أداه فلا كلام وإن أداء المرتهن، كان كمن قضى دين غيره وقد سبق، وإن امتنعا، قال المتولي: باع الإمام جزءًا من الأرض في الخراج. انتهى.
وفيما قال نظر؛ لأن الخراج في الذمة والأرض تعلق بها حق المرتهن، وإنما يأتي على ما قال على وجه ضعيف، قاله الشيخ أبو محمد: "إن مؤنة الرهن لا يجبر عليها الراهن" (^١) سنذكره إن شاء الله. والصحيح خلافه.
وقال صاحب "الاستقصاء": الأرض الخراجية، وهي التي صولح أهلها على أن تكون ملكًا للمسلمين وضرب عليهم الخراج، وهو أجرة الأرض، فلا يجوز لهم بيعها ولا رهنها. انتهى.
وهذا صحيح أيضًا، فإن الصلح قد يقع على هذا النوع، وقد يقع على النوع الأول.
* * *
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين (٤/ ٩٣).
[ ٢ / ١٨٧ ]
قال: