ويحرم النجش، وهو أن يزيد في الثمن ليغر غيره، والدليل عليه ما روى
[ ١٣ / ١٤ ]
ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عن النجش، ولانه خديعة ومكر، فإن اغتر الرجل بمن ينجش فابتاع فالبيع صحيح، لان النهى لا يعود إلى البيع فلم يمنع صحته، كالبيع في حال النداء، فإن علم المبتاع بذلك نظرت فإن لم يكن للبائع فيه صنع لم يكن للمبتاع الخيار لانه ليس من جهة البائع تدليس.
وإن كان النجش بمواطأة من البائع ففيه قولان.
(أحدهما)
أن له الخيار بين الامساك والرد، لانه دلس عليه فثبت له الرد، كما لو دلس عليه بعيب
(والثانى)
لا خيار له، لان المشترى فرط في ترك التأمل وترك التفويض إلى من يعرف ثمن المتاع الشرح: - هذا الباب يشتمل على الانواع الآتية: (النجش) وهو في اللغة بفتح النون وسكون الجيم بعدها شين معجمة، وهو تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد.
يقال: نجشت الصيد أنجشه - من باب نصر - وفى الشرع الزيادة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الاثم، ويقع ذلك بغير علم المشترى، فيستفيد الناجش، وقد يختص به البائع، كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما
اشتراها به ليغر بذلك غيره.
قال الشافعي: النجش أن يحضر السلعة بتاع فيعطى بها الشئ وهو لا يريد شراءها ليقتدى به السوام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه.
وقال ابن قتيبة " النجش الختل والخديعة " ومنه قيل للصائد ناجش، لانه يختل الصيد (١)
_________________
(١) في حاشية الاصل " الناجش الذى يحوش الصيد. والنجش أن تزيد في البيع ليقع غيرك وليس من حاجتك، وفى الحديث لا تناجشوا
[ ١٣ / ١٥ ]
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع إذا وقع على ذلك، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع أو صنعته، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار وهو قول الحنفية، وقد اتفق أكثر العلماء على تفسير النجش في الشرع بما تقدم، وقد فسره ابن عبد البر وابن حزم وابن العربي بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل ووافقهم على ذلك لبعض المتأخرين من الشافعية وهو تقييد للنص بغير مقتض للتقييد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويحرم أن يبيع على بيع أخيه، وهو أن يجئ إلى من اشترى شيئا في مدة الخيار فيقول: افسخ فإنى أبيعك أجود منه بهذا الثمن، أو أبيعك مثله بدون هذا الثمن، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولان في هذا إفسادا وإنجاشا فلم يحل، فإن قبل منه وفسخ البيع واشترى منه صح البيع، لما ذكرناه في النجش.
(الشرح) أما حديث ابن عمر فقد رواه البخاري ومسلم.
وأما حديث أبى هريرة فهو متفق عليه، وللنسائي: من طريق ابن عمر " لا يبع أحدكم على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر ".
وفى رواية أحمد عن ابن عمر " لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له " وقد تتابعت أحاديث النهى عن أبى هريرة عند الشيخين وعن عقبة بن عامر عند مسلم.
وقوله ﷺ: لا يبع، الاكثر بإثبات الياء على أن لا نافية، ويحتمل أن يكون استثناء من الحكمين، ويحتمل أن يختص بالاخير، والخلاف في ذلك وبيان الراجح مستوفى في الاصول.
ويدل على الثاني في خصوص هذا المقام رواية البخاري التى ذكرناها
[ ١٣ / ١٦ ]
(قوله) " لا يخطب الرجل إلخ " وسيأتى الكلام على الخطبة في المناكحات إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله تعالى:
(فصل)
ويحرم أن يدخل على سوم أخيه، وهو أن يجئ إلى رجل أنعم لغيره في بيع سلعة بثمن فيزيده ليبيع منه، أو يجئ إلى المشترى فيعرض عليه مثل السلعة بدون ثمنها أو أجود منها بذلك الثمن، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسم على سوم أخيه، ولان في ذلك إفسادا أيضا وإنجاشا فلم يحل، فأما إذا جاء إليه فطلب منه متاعا فلم ينعم له، جاز لغيره أن يطلبه، لانه لم يدخل على سومه وإن طلبه منه فسكت ولم يظهر منه رد ولا إجابة ففيه قولان.
أحدهما: يحرم والثانى: لا يحرم، كالقولين في الخطبة على خطبة أخيه،
وأما إذا عرضت السلعة في النداء جاز لمن شاء أن يطلبها ويزيد في ثمنها، لما روى أنس ﵁ عن رجل من الانصار أنه أصابه جهد شديد هو وأهل بيته، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ دلك له فقال.
ما عندي شئ، اذهب فأتني بما كان عندك، فذهب فجاء بحلس وقدح، فقال يا رسول الله هذا الحلس والقدح، فقال من يشترى هذا الحلس والقدح، فقال رجل أنا آخذهما بدرهم، فقال من يزيد على درهم، فسكت القوم.
قال من يزيد على درهم، فقال رجل أنا آخذهما بدرهمين، قال: هما لك، ثم قال ان المسألة لا تحل إلا لثلاثة لذى دم موجع، أو فقر مدقع، أو غرم مفظع، ولان في النداء لا يقصد رجلا بعينه، فلا يؤدى إلى النجش والافساد.
(الشرح) قوله " ولا يسوم " صورته أن يأخذ شيئا ليشتريه فيقول المالك رده لابيعك خير منه بثمنه، أو يقول للمالك.
استرده لاشتريه منك بأكثر، وإنما يمنع من ذلك بعد استقرار الثمن، وركون أحدهما إلى الآخر.
فان كان ذلك
[ ١٣ / ١٧ ]
تصريحا فقد قال في فتح الباري: لا خلاف في التحريم، وان كان ظاهرا ففيه وجهان في المذهب.
وقال ابن حزم: إن لفظ الحديث لا يدل على اشتراط الركون، وتعقب بأنه لابد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم لان السوم في السلعه التى تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقا كما حكاه في الفتح عن ابن عبد البر فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك، وأما صورة البيع على البيع، والشراء على الشراء فهو ان يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لابيعك بأنقص، أو يقول للبائع افسخ لاشتري منك بأزيد.
قال في فتح الباري: وهذا مجمع عليه.
وقد اشترط بعض الشافعية في التحريم أن لا يكون المشترى مغبونا غبنا
فاحشا وإلا جاز البيع على البيع، والسوم على السوم لحديث: الدين النصيحة.
وأجيب عن ذلك بأن النصيحة لا تنحصر في البيع على البيع والسوم على السوم لانه يمكن أن يعرفه ان قيمتها كذا فيجمع بذلك بين المصلحتين كذا في الفتح.
قال الشوكاني: وقد عرفت أن أحاديث النصيحة أعم مطلقا من الاحاديث القاضية بتحريم أنواع من البيع فيبنى العام على الخاص.
واخلفوا في صحة البيع المذكور فذهب الجمهور إلى صحته مع الاثم وذهبت الحنابلة والمالكية إلى فساده في إحدى الروايتين عنهم وبه جزم ابن حزم في المحلى وابن تيمية في فتاواه الكبرى.
والخلاف يرجع إلى ما تقرر في الاصول من أن النهى المقتضى للفساد هو النهى عن الشئ لذاته، ولو صف ملازم لا لخارج.
وأما حديث أنس فقد رواه احمد والترمذي وحسنه وقال لا نعرفه إلا من حديث الاخضر بن عجلان عن أبى بكر الحنفي عنه، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي، وأعله ابن القطان بجهل حال أبى بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال لم يصح حديثه، ولفظ الحديث عند أبى داود وأحمد " أن النبي ﷺ نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه، فقال رجل هما على بدرهم، ثم قال آخرهما على بدرهمين " وفيه " إن المسأله لا تحل إلا لاحد ثلاثة ".
[ ١٣ / ١٨ ]
والحلس بكسر الحاء المهملة وسكون اللام كساء رقيق يكون تحت برذعة البعير قاله الجوهرى، والحلس البساط أيضا ومنه حديث كن حلس بيتك حتى يأتيك يد خاطئة أو ميتة قاضية " كذا في النهاية لابن الاثير قوله " فيمن يزيد " فيه دليل على جواز بيع المزايدة وهو البيع على الصفة التى فعلها النبي ﷺ.
وحكى البخاري عن عطاء أنه قال أدركت الناس لا يرون بأسا في بيع المغانم فيمن يزيد، ووصله ابن أبى شيبة عن عطاء ومجاهد وروى هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال لا بأس ببيع من يزيد، وكذلك كانت تباع الاخماس.
وقال الترمذي عقب حديث أنس المذكور: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لم يروا بأسا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث.
قال ابن العربي: لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث فإن الباب واحد والمعنى مشترك.
قال الامام الشوكاني: ولعلهم جعلوا تلك الزيادة التى زادها ابن خزيمة وابن الجارود والدارقطني قيدا لحديث أنس المذكور ولكن لم ينقل أن الرجل الذى باع عنه ﷺ القدح والحلس كانا معه من ميراث أو غنيمة فالظاهر الجواز مطلقا، إما لذلك، وإما لالحاق غيرهما بهما ويكون ذكرهما خارجا مخرج الغالب لانهما الغالب على ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة، وممن قال باختصاص الجواز بهما الاوزاعي وإسحاق.
ثم قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وروى عن النخعي أنه كره بيع المزايدة، واحتج بحديث جابر الثابت في الصحيح أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي مدبر " مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ الله بثمانمائة درهم " واعترضه الاسماعيلي فقال ليس في قصة المدبر بيع المزايدة، فإن بيع المزايدة أن يعطى به واحد ثمنا ثم يعطى به غيره زيادة عليه، نعم يمكن الاستدلال له بما أخرجه البزار من حديث سفيان بن وهب قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ينهى عن بيع المزايدة لكن في اسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.
[ ١٣ / ١٩ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويحرم أن يبيع حاضر لباد، وهو أن يقدم رجل ومعه متاع يريد بيعه ويحتاج الناس إليه في البلد، فإذا باع اتسع، وإذا لم يبع ضاق، فيجئ إليه سمسار فيقول " لا تبع حتى أبيع لك قليلا قليلا، وأزيد في ثمنها " لما روى ابن طاوس عن أبيه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يبع حاضر لباد " قلت ما لا يبع حاضر لباد؟ قال " لا يكون سمسارا " وروى جَابِرٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " فإن خالف وباع له صح البيع، لما ذكرناه في النحش، فإن كان البلد كبيرا لا يضيق على أهله بترك البيع ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز للخبر
(والثانى)
يجوز لان المنع لخوف الاضرار بالناس، ولا ضرر ههنا.
(الشرح) حديث ابن طاوس عن أبيه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الخ.
أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
وقوله " حاضر لباد " الحاضر ساكن الحضر والبادى ساكن البادية.
قال في القاموس: الحاضر والحاضرة والحضارة وتفتح خلاف البادية، والحضارة الاقامة في الحضر، وتبدى أقام في البادية، والنسبة بداوى وبدوي، وبدا القوم خرجوا إلى البادية وأما حديث جابر فقد رواه الجماعة الا البخاري، وفى مسند أحمد من طريق عطاء بن السائب عن عكيم بالعين المهملة ابن أبى يزيد عن أبيه حدثنى أبى قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له " ورواه البيهقى من حديث جابر مثله قال الشافعي في الام بعد سوق الحديثين، حديث ابن عمر وحديث جابر " وليس في النهى عن بيع حاضر لباد بيان معنى " والله أعلم لم نهى عنه، الا أن أهل البادية يقدمون جاهلين بالاسواق، ولحاجة الناس إلى ما قدموا به.
ومستثقلي
المقام فيكون أدنى إلى ما يبيع الناس من سلعهم، ولا بالاسواق فيرخصوها لهم، فنهوا - والله أعلم - لئلا يكون سببا لقطع ما يرجى من رزق المشترى من أهل
[ ١٣ / ٢٠ ]
البادية لما وصفت من إرخاصه منهم.
فأى حاضر باع لباد فهو عاص إذا علم الحديث، والبيع لازم غير مفسوخ بدلالة الحديث نفسه، لان البيع لو كان مفسوخا لم يكن في بيع الحاضر للبادى إلا الضرر على البادى من أن يحبس سلعته ولا يجوز فيها بيع غيره حتى يلى هو أو باد مثله بيعها، فيكون كسدا لها، وأحرى أن يرزق مشتريه منه بإرخاصه إياها بإكسادها بالامر الاول من رد البيع وغرة البادى الآخر، فلم يكن ههنا معنى يمنع أن يرزق بعض الناس من بعض فلم يجز فيه - والله أعلم - إلا ما قلت من ان بيع الحاضر للبادى جائز غير مردود، والحاضر منهى عنه.
اه والشوكانى يرى أن أحاديث الفصل تدل على أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادى من غير فرق بين أن يكون البادى قريبا له أو أجنبيا، وسواء كان في زمن الغلاء أو لا، وسواء كان يحتاج إليه أهل البلد أم لا، وسواء باعه له على التدريج أم دفعة واحدة.
وقالت الحنفية: انه يختص المنع من ذلك بزمن الغلاء وبما يحتاج إليه أهل المصر.
وقالت الشافعية ووافقهم الحنابلة أن الممنوع إنما هو أن يجئ البلد بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال فيأتيه الحاضر فيقول: ضعه عندي لابيعه لك على التدريح بأغلى من هذا السعر.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري " فجعلوا الحكم منوطا بالبادى ومن شاركه في معناه قالوا وانما ذكر البادى في الحديث لكونه الغالب فألحق به من شاركه في عدم معرفة السعر من الحاضرين، وجعلت المالكية البداوة قيدا.
وعن مالك لا يلتحق بالبدوى في ذلك الا من كان يشبهه، فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والاسواق فليسوا داخلين في ذلك.
وحكى ابن المنذر عن الجمهور أن النهى للتحريم إذا كان البائع عالما، والمبتاع مما تعم الحاجة إليه، ولم يعرضه البدوى على الحضرى، ولا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الامور من التخصيص بمجرد الاستنباط.
وقد ذكر ابن دقيق العبد فيه تفصيلا حاصله أنه يجوز التخصيص به حيث يظهر المعنى لا حيث يكون خفيا على أن الشوكاني ﵀ من مجتهدي الهادوية يتردد في قبول هذه القاعدة
[ ١٣ / ٢١ ]
التى أخذ بها الجمهور فيقول: فاتباع اللفظ أولى ولكنه - أي الاستنباط - لا يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقا، ثم يقول: فالبقاء على ظواهر النصوص الاولى فيكون بيع الحاضر للبادى محرما على العموم، وسواء كان بأجرة أم لا.
وروى عن البخاري أنه حمل النهى على البيع بأجرة لا بغير أجرة، فإنه من باب النصيحة.
وروى عن عطاء ومجاهد وأبى حنيفة أنه يجوز بيع الحاضر للبادى مطلقا، وتمسكوا بأحاديث النصيحة.
وروى مثل ذلك عن الهادى وقالوا: إن أحاديث الباب منسوخة.
واستظهروا على الجواز بالقياس عن توكيل البادى للحاضر فإنه جائز، وردد الشوكاني رفضه لهذا الجواز بقوله ويجاب عن تمسكهم بأحاديث النصيحة بأنها عامة مخصصة بأحاديث ثم قال: فإن قيل إن أحاديث النصيحة وأحاديث الباب بينها عموم وخصوص من وجه، لان بيع الحاضر للبادى قد يكون على غير وجه النصيحة، فيحتاج حينئذ إلى الترجيح من خارج كما هو شأن الترجيح بين العمومين المتعارضين، فيقال المراد بيع الحاضر للبادى - الذى جعلناه أخص مطلقا - هو البيع الشرعي بيع المسلم للمسلم الذى بينه الشارع للامة، وليس بيع الغش والخداع داخلا في مسمى هذا البيع الشرعي، كما أنه لا يدخل فيه بيع الربا وغيره مما لا يحل شرعا، فلا يكون البيع باعتبار ما ليس بيعا شرعيا أعم من وجه حتى يحتاج إلى طلب مرجح بين العمومين، لان ذلك ليس هو البيع الشرعي ويجاب عن دعوى النسخ بأنها انما تصح عند العلم بتأخر الناسخ، ولم ينقل ذلك، ويرفض الشوكاني القياس لانه فاسد الاعتبار لمصادمته النص، ثم يجعل حكم البيع حكم الشراء مستندا إلى ما أخرجه أبو عوانة في صحيحه عن ابن سيرين قال: لقيت أنس بن مالك فقلت لا يبع حاضر لباد، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال نعم، قال محمد " صدق " انها كلمة جامعة على أن الشافعي ﵁ في تصحيحه للبيع مع الاثم يستدل بالحديث نفسه ولا يستدل بقياس أو قرينة فيقول، فأى حاضر باع لباد فهو عاص إذا علم الحديث، والبيع لازم غير مفسوخ بدلالة الحديث نفسه.
لان البيع لو كان يكون
[ ١٣ / ٢٢ ]
مفسوخا لم يكن في بيع الحاضر للبادى الا الضرر على البادى من أن يحبس سلعته إلى آخر ما أورد في الام، وسبق نقله
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويحرم تلقى الركبان، وهو أن يتلقى القافلة ويخبرهم بكساد ما معهم من المتاع ليغبنهم، لما روى ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تتلقى السلع حتى يهبط بها الاسواق، ولان هذا تدليس وغرر فلم يحل، فإن خالف واشترى صح البيع لما ذكرناه في النجش، فإن دخلوا البلد فبان لهم الغبن كان لهم الخيار لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لا تلقوا الجلب، فمن تلقاها واشترى منهم فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق " ولانه غرهم ودلس عليهم فثبت لهم الخيار كما لو دلس عليهم بعيب.
وان بان لهم أنه لم يغبنهم ففيه وجهان " أحدهما " أن لهم الخيار للخبر " والثانى " لا خيار لهم لانه ما غر ولا دلس، وان خرج إلى خارج البلد لحاجة غير التلقى فرأى القافلة فهل يجوز أن يبتاع منهم؟ فيه وجهان " أحدهما " يجوز، لانه لم يقصد التلقى " والثانى " لا يجوز، لان المنع من التلقى للبيع، وهذا المعنى موجود وان لم يقصد التلقى فلم يجز (الشرح) أما فصل تحريم تلقى الركبان فان حديث ابن عمر رواه الشيخان وروياه أيضا من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ بلفظ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن تلقى البيوع " ورواه الجماعة الا الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بلفظ " نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يتلقى الجلب، فان تلقاه انسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق " وقد ذكره الشافعي في الام بسنده.
أما لغات الفصل فقوله " بكساد " من باب قتل كسادا لم ينفق لقلة الرغبات، فهو كاسد وكسيد، ويتعدى بالهمزة فيقال أكسده الله، وكسدت السوق فهى كاسد بغير هاء في الصحاح، وبالهاء في التهذيب، ويقال أصل الكساد الفساد.
[ ١٣ / ٢٣ ]
قوله " الجلب " بفتح اللام مصدر بمعنى اسم المفعول المجلوب، يقال جلب الشئ جاء به من بلد إلى بلد للتجارة.
قوله " الركبان " جمع راكب، والمراد قافلة التجارة التى تجلب الارزاق والبضائع.
وذكر الركبان خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكونون عددا ركبانا، ولا مفهوم له، بل لو كان الجالب عددا مشاة أو واحدا، راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم.
أما الاحكام ففى هذه الاحاديث دليل على أن التلقى محرم، وقد اختلف في هذا النهى هل يقتضى الفساد أم لا؟ فقيل يقتضى الفساد وقيل لا، وهو الظاهر وقد عقب الشيخ مجد الدين أبو البركات ابن تيمية (الجد) في كتابه المنتقى على حديث أبى هريرة بقوله: وفيه دليل على صحة البيع قال الشوكاني رحمه الله تعالى: لان النهى ههنا لامر خارج، وهو لا يقتضيه كما تقرر في الاصول، وقد قال بالفساد المرادف للبطلان بعض المالكية وبعض الحنابلة، وقال بعضهم بعدم الفساد لما سلف.
قال الشافعي في الام: وقد سمعت في هذا الحديث - يعنى حديث أبى هريرة بعد أن ساقه أخبرنا مالك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لا تلقوا السلع - فمن تلقى فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق، وبهذا نأخذ إن كان ثابتا.
ففى هذا دليل على أن الرجل إذا تلقى السلعة فاشتراها فالبيع جائز، غير أن لصاحب السلعة بعد أن يقدم السوق الخيار لان تلقيها حين يشترى من البدوى قبل أن يصير إلى موضع المساومين من الغرر له يوجد النقص من الثمن، فإذا قدم صاحب السلعة فهو بالخيار بين انفاذ البيع ورده ولا خيار للمتلقى لانه هو الغار لا المغرور.
اه قال العلامة ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية " ومن المنكرات تلقى السلع قبل أن تجئ إلى السوق، فان النبي صلى عليه وسلم نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع، فانه لا يعرف السعر فيشترى منه المشترى بدون القيمة، ولذلك أثبت لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْخِيَارَ إذا دخل السوق، ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن.
وأما ثبوته بلا غبن ففيه عن أحمد روايتان
[ ١٣ / ٢٤ ]
(إحداهما) يثبت وهو قول الشافعي لظاهر الحديث (والثانية) لا يثبت
لعدم الغبن، ولذلك ثبت الخيار للمشترى المسترسل إذا غبن، وفى الحديث " غبن المسترسل ربا " وفى تفسيره قولان
(أحدهما)
أنه الذى لا يعرف قيمة السلعة
(والثانى)
وهو المنصوص عن أحمد أنه الذى لا يماكس، بل يسترسل إلى البائع ويقول: أعطني هذا.
وليس لاهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر ويبيعوا المسترسل بغيره.
وهذا مما يجب على والى الحسبة إنكاره، وهذا بمنزلة تلقى السلع، فان القادم جاهل بالسعر.
ثم قال ابن القيم: ومن هذا تلقى سوقة الحجيج الجلب من الطريق، وسبقهم إلى المنازل يشترون الطعام والعلف ثم يبيعونه كما يريدون فيمنعهم والى الحسبة من التقدم لذلك حتى يقدم الركب، لما في ذلك من مصلحة الركب ومصلحة الجالب، ومتى اشتروا شيئا من ذلك منعهم من بيعه بالغبن الفاحش ومن ذلك نَهَى النَّبِيُّ ﷺ " أَنْ يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " قيل لابن عباس: ما معنى قوله " لا يبيع حاضر لباد؟ " قال " لا يكون له سمسارا ".
وهذا النهى لما فيه من ضرر المشترى فان المقيم إذا وكله القادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها، والقادم لا يعرف السعر أضر ذلك بالمشترى كما أن النهى عن تلقى الجلب لما فيه من الاضرار بالبائعين، اه (قلت) وقد ذهب إلى الاخذ بظاهر الحديث الجمهور فقالوا: لا يجوز تلقى الركبان، واختلفوا هل هو محرم أو مكروه فقط.
وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة أنه أجاز التلقى وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن الذى في كتب الحنفية أنه يكره التلقى في حالتين (الاولى) أن يضر بأهل البلد (والثانية) أن يلبس السعر على الواردين.
والتنصيص على الركبان في بعض الروايات خرج مخرج الغالب، وحكم الماشي حكم الراكب من غير فرق.
دليلنا حديث أبى هريرة المذكور فان فيه النهى
عن تلقى الجلب من غير فرق.
وكذلك حديث ابن مسعود المذكور، فان فيه النهى عن تلقى البيوع.
وقد أوضحنا في الخيار قول ابن القيم، ونزيدك إيضاحا بما قاله الشوكاني.
قال:
[ ١٣ / ٢٥ ]
اختلفوا هل يثبت له الخيار مطلقا أو بشرط أن يقع له في البيع غبن، ذهبت الحنابلة إلى الاول وهو الاصح عند الشافعية هو الظاهر، وظاهره أن النهى لاجل صنعة البائع، وإزالة الضرر عنه، وصيانته ممن يخدعه.
قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيون والاوزاعي، قال: والحديث حجة للشافعي لانه أثبت الخيار للبائع لا لاهل السوق اه.
وقد احتج مالك ومن معه بما وقع في رواية من النهى عن تلقى السلع حتى تهبط الاسواق، وهذا لا يكون دليلا لمدعاهم لانه يمكن أن يكون ذلك رعاية لمنفعة البائع، لانها إذا هبطت الاسواق عرف مقدار السعر فلا يخدع ولا مانع من أن يقال: العلة في النهى مراعاة نفع البائع، ونفع أهل السوق.
واعلم أنه لا يجوز تلقيهم للبيع منهم، كما لا يجوز للشراء منهم لان العلة التى هي مراعاة نفع الجالب أو أهل السوق أو الجميع حاصلة في ذلك، ويدل على ذلك ما رواه البخاري بلفظ " لا يبع " فإنه يتناول البيع لهم والبيع منهم، وظاهر النهى المذكور في الباب عدم الفرق بين أن يبتدئ المتلقى الجالب بطلب الشراء أو البيع أو العكس، وشرط بعض الشافعية في النهى أن يكون المتلقى الجالب بطلب الشراء أو البيع أو العكس، وشرط بعض الشافعية في النهى أن يكون المتلقى هو الطالب، وبعضهم اشترط أن يكون المتلقى قاصدا لذلك، فلو خرج للسلام على الجالب أو للفرجة أو لحاجة أخرى، فوجدهم فبايعهم لم يتناوله النهى
ومن نظر إلى المعنى لم يفرق، وهو الاصح عهد الشافعي، وشرط امام الحرمين في النهى أن يكذب المتلقى في سعر البلد ويشترى منهم بأقل من ثمن المثل.
وشرط المتولي من الاصحاب (١) أن يخبرهم بكثرة المئونة عليهم في الدخول، وشرط المصنف رحمه الله تعالى أن يخبرهم بكساد ما معهم.
قال الشوكاني: والكل من هذه الشروط لا دليل عليه، والظاهر من النهى أيضا أنه يتناول المسألة القصيرة والطويلة، وهو ظاهر إطلاق الاصحاب.
_________________
(١) إذا قلت: الاصحاب أو اصحابنا في عزو الاقوال قصدت الائمة من فقهاء المذهب.
[ ١٣ / ٢٦ ]
وقال بعض المالكية: ميل، وقال بعضهم أيضا: فرسخان، وقال بعضهم يومان، وقال بعضهم: مسافة قصر، وبه قال الثوري، وأما ابتداء التلقى فقيل الخروج من السوق، وإن كان في البلد، وقيل الخروج من البلد وهو قول أصحابنا، وبالاول قال أحمد وإسحاق والليث والمالكية.
وقول المصنف رحمه الله تعالى " ولان هذا تدليس وغرر " قلت: التدليس كنم البائع عيب السلعة من المشترى وإخفائه ويقال أيضا: دلس دلسا من باب ضرب والتشديد أشهر في الاستعمال، قال الازهرى: سمعت أعرابيا يقول: ليس لى في الامر ولس ولا دلس: أي لا خيانة ولا خديعة، والدلسة بالضم الخديعة أيضا، وقال ابن فارس وأصله من الدلس وهو الظلمة.
أما التدليس عند المحدثين فهو إما تدليس في الاسناد وهو بأن يروى عن معاصر ما لم يحدثه به ويأتى بلفظ يوهم إتصالا كعن، وأن وقال فإذا قال الراوى عن فلان فإن كان يروى ذلك عن شخص لم يعاصره أو عاصره وثبت أنه لم يلاقه جزمنا بأن روايته منقطعة، وإن كان معاصرا له - ولم نعلم ان كان لقيه أو لا،
أو علمنا أنه لقيه ولكن كان الراوى مدلسا توقفنا في روايته ولم نحكم لها بالاتصال الا إذا ثبت اللقاء والتحديث.
وأما تدليس الاشياخ أن يسمى شيخه أو شيخ شيخه باسم أو كنية أو لقب غير ما اشتهر به وعرف وذلك لستر ضعفه وفى ذلك تفصيل عند المحدثين.
أما الغرر فهو في اللغة الخطر، وغرته الدنيا غرورا أي خدعته فهى غرور مثل رسول اسم فاعل مبالغة، وفى اصطلاح الفقهاء كل بيع يحتمل فيه غبن المبتاع لحديث أبى هريرة الذى رواه الجماعة الا البخاري " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر " وحديث ابن مسعود عند أحمد وفى روايته يزيد بن أبى زياد عن المسيب بن رافع، وقال البيهقى.
فيه ارسال بين المسيب وعبد الله والصحيح وقفه على ابن مسعود كما قال ذلك الدارقطني في العلل والخطيب وابن الجوزى ولفظه " لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر " وقد روى أبو بكر بن أبى عاصم عن عمران بن حصين حديثا مرفوعا وفيه النهى عن بيع السمك في الماء وهو شاهد لهذا.
[ ١٣ / ٢٧ ]
وقد مر في أول البيوع من شرح المهذب تفسير وتفصيل بيع الحصاة، وهو أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَابِ مَا وقعت عليه هذه الحصاة ويرمى الحصاة أو في الارض ما انتهت إليه الحصاة.
والغرر ثبت النهى عنه في أحاديث منها المذكور عن أبى هريرة وابن مسعود ومنها عن ابن عمر عند أحمد وابن حبان، ومنها عن ابن عباس عند ابن ماجه، ومنها عن سهل بن سعد عند الطبراني، ومن جملة بيع الغرر بيع السمك في الماء، وبيع الطير في الهواء، وبيع المعدوم، وبيع المجهول، وبيع الغائب، وبيع الآبق وكل ما دخل فيه الغرر بوجه من الوجوه.
قال النووي النهى عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر أمران.
أحدهما ما يدخل في المبيع تبعا بحيث لو أفرد لم يصح بيعه، والثانى ما يتسامح بمثله، اما لحقارته، أو للمشقة في تمييزه ومن جملة ما يدخل تحت هذين الامرين بيع أساس البناء واللبن في ضرع الدابة والحمل في بطنها والقطن المحشو في الجبة اه.
(قلت) ومن جملة الغرر بيع حبل الحبلة فقد نَهَى عَنْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا أخرجه أحمد ومسلم والترمذي من حديث ابن عمر، وفى رواية عند أبى داود لفظها أكثر تفصيلا منهم حيث فيها " نهى عن بيع حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التى نتجت " وعند الشيخين رواية أكثر تفصيلا من أبى داود لفظها " كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم يحمل التى نتجت فنهاهم ﷺ عن ذلك.
والاحاديث المذكورة تقضى ببطلان البيع لان النهى يستلزم ذلك كما تقرر في الاصول.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية الحفيد: ومن القواعد التى أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهى عنه أنواع من الايجارات والمشاركات، كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك.
فذهب قوم من الفقهاء إلى أن المساقاة والمزارعة حرام باطل، بناء على أنها نوع من الاجارة، لانها عمل بعوض، والاجارة لابد أن يكون فيها الاجر معلوما لانها كالثمر.
[ ١٣ / ٢٨ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يحل للسلطان التسعير، لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁: قَالَ: غلا السعر عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال الناس: يا رسول الله سعر
لنا، فقال ﵇: إن الله هو القابض والباسط والرازق والمسعر، وإنى لارجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال (الشرح) أما فصل تحريم التسعير على السلطان فإن حديث أنس رواه أبو داود والترمذي وصححه.
أما لغات الفصل فإن التسعير جعل سعر معلوم ينتهى إليه ثمن الشئ وأسعرته بالالف لغة، ويقال له سعر إذا زادت قيمته، وليس له سعر إذا أفرط رخصه والجمع أسعار مثل حمل وأحمال.
أما أحكام الفصل فقد قال العلامة ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية: وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب فأما القسم الاول فمثل رواية أنس (التى ساقها المصنف) فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم.
وقد ارتفع السعر - إما لقلة الشئ - وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها، إكراه بغير حق وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير ههنا إلزام بالعدل الذى ألزمهم الله به.
[ ١٣ / ٢٩ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
ومن ذلك أن يلزم ألا يبيع الطعام أو غيره من الاصناف إلا ناس معروفون فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب: فهذا من البغى في الارض والفساد، والظلم الذى يحبس به قطر السماء وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل ولا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء، لانه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا، كان ذلك ظلما للناس، ظلما للبائعين، الذين يريدون بيع تلك السلع: وظلما للمشترين منهم.
فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته الزامهم بالعدل ومنعهم من الظلم، وهذا كما أنه لا يجوز الاكراه على البيع تغير حق، فيجوز أو يجب الاكراه عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب، والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس.
ومثل الغراس والبناء الذى في ملك الغير فان لرب الارض أن يأخذه بقيمة المثل، ومثل الاخذ بالشفعة، فان للشفيع أن يمتلك الشقص بثمنه قهرا.
وكذلك السراية في العتق، فانها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرا، وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا.
وكل من وجب عليه شئ من الطعام واللباس والرقيق والمركوب - بحج أو كفارة أو نفقة - فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه.
وأجبر على ذلك، ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له مجانا، أو بدون ثمن المثل.
ثم عقد ابن القيم فصلا آخر قال: ومن ههنا منع غير واحد من العلماء كأبى حنيفة وأصحابه القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالاجرة أن يشتركوا، فانهم إذا اشتركوا، والناس يحتاجون إليهم، أغلوا عليهم الاجرة، ثم قال: (قلت) وكذلك ينبغى لوالى الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من
الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الاجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم، كالشهود والدلالين وغيرهم، على أن في شركة الشهود مبطلا
[ ١٣ / ٣٠ ]
آخر، فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه، فان الكتابة متميزة والتحمل متميز والاداء متميز، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون، فبأى وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟ وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع فانه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه، ولهذا إذا اختلفت الصنائع لم تصح الشركة على أحد الوجهين، لتعذر اشتراكهما في العمل، ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة، فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل واحد منهما، وإن لم يقع في عين العمل.
وأما شركة الدالالين ففيها أمر آخر، وهو أن الدلال وكيل صاحب السلعة في بيعه، فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه، فان قلنا ليس للوكيل أن يوكل، لم تصح الشركة، وان قلنا له أن يوكل صحت.
فعلى والى الحسبة أن يعرف هذه الامور ويراعيها، ويراعى مصالح الناس، وهيهات وهيهات، ذهب ما هنالك.
والمقصود أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة: لما فيها من التواطؤ على إغلاء الاجرة، فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن مقدر أولى وأحرى.
وكذلك يمنع والى الحسبة المشترين من الاشتراك في شئ لا يشتريه غيرهم، لما في ذلك من ظلم البائع.
وأيضا فإذا كانت الطائفة التى تشترى نوعا من السلع أو تبيعها، قد تواطأوا على أن يهضموا ما يشترونه، يشتروه بدون ثمن المثل، ويبيعوا ما يبيعونه
بأكثر من ثمن المثل، ويقتسموا ما يشتركون فيه من الزيادة.
كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان، وقد قال تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " ثم قال ابن القيم ﵁: ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقى السلع، وبيع الحاضر للبادى، ومن النجش ثم عقد ابن القيم فصلا لتسعير الاجور خلص منه إلى أن الناس يحتاجون
[ ١٣ / ٣١ ]
إلى صناعة طائفة متخصصة، كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك، فلولى الامر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك.
والمقصود أن هذه الاعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرضا معينا عليه، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم، صارت هذه الاعمال مستحقة عليهم، يجبرهم ولى الامر عليها بعوض لمثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم.
وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها، ألز؟ الجند بأن لا يظلموا الفلاح.
كما يلزم الفلاح بأن يفلح.
ولو اعتمد الجند والامراء مع الفلاحين ما شرعه الله ورسوله وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون، لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والارض، وكان الذى يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان، ولكن يأبى جهلهم وظلمهم الا أن يرتكبوا الظلم والاثم، فيمنعوا البركة وسعة الرزق، فيجتمع لهم عقوبة الآخرة ونزع البركة في الدنيا (فإن قيل) وما الذى شرعه الله ورسوله، وفعله الصحابة، حتى يفعله من وفقه الله؟
قيل المزارعة العادلة التى يكون فيها المقطع والفلاح على حد سواء من العدل لا يختص أحدهما عن الآخر بشئ من هذه الرسوم التى ما أنزل الله بها من سلطان (١) وهى التى خربت البلاد، وأفسدت العباد، ومنعت الغيث وأزالت البركات، وعرضت أكثر الجند والامراء لاكل الحرام.
وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به.
_________________
(١) يصف الفقيه ابن القيم حال البلاد الشامية والمصرية على عهد أمراء المماليك حين يسخرون الفلاحين في خدمة الارض ويستغل المقطعون أو ذووا الاقطاعات جهود الفلاحين أسوأ استغلال، تمنص الارض عرقهم، ويأكلون هم وطبقتهم ثمرات هذا العرق، حتى ألهم الله ابن القيم أن يلهب ظهورهم بسوط الشرع كما ألهبوا ظهور الفلاحين بسياط الجيروت، فمرحى لابن القيم مرحى؟ " المطيعى "
[ ١٣ / ٣٢ ]
ومضى ابن القيم في هذا الاستطراد من أمور المساقاة والمزارعة والجعالة ما ندعه لسوقه في موطنه، لانه يقول: وهذه المسألة ذكرت استطرادا، والا فالمقصود أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات - كالفلاحين وغيرهم - اجبروا على ذلك بأجرة المثل، وهذا من التسعير الواجب، فهذا تسعير في الاعمال.
وأما التسعير في الاموال، فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنوا من حبسه الا بما يريدونه من الثمن، والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال، فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير فقوله ظاهر التناقض.
وهذا أحد الروايتين عن أحمد وهو الصواب
ثم قال الفقيه العلامة مستطردا
(فصل)
وانما لم يقع التسعير فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بالمدينة لانهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء، ولا من يبيع طحينا وخبزا، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجالبين، ولهذا جاء الحديث " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وكذلك لم يكن في المدينة حائك، بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما فيشترونها ويلبسونها.
ثم قال (فصل في التسعير) وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين (احداهما) إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع من ذلك عند مالك، وهل يمنع من النقصان؟ على قولين واحتج مالك ﵀ بما رواه في موطئه عن يونس بن نسيف عن سعيد بن المسيب " أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبى بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق.
فقال له عمر " اما أن تزيد في السعر واما أن ترفع من سوقنا "
[ ١٣ / ٣٣ ]
قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس، لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت، وأما أن يقول للناس كلهم: لا تبيعوا إلا بسعر كذا فليس ذلك بالصواب، وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الابلة، حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب: " خل بينهم وبين ذلك، فإنما السعر بيد الله ".
قال ابن رشد في كتاب البيان: أما الجلابون فلا خلاف في أنه لا يسعر عليهم شئ مما جلبوه، وإنما يقال
لمن شذ منهم فباع بأغلى مما يبيع به العامة: اما أن تبيع بما تبيع به العامة، واما أن ترفع من السوق كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبى بلعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له " اما أن تزيد في السعر واما أن ترفع من سوقنا " لانه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق.
وأما أهل الحوانيت والاسواق الذين يشترون ممن الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا مثل اللحم.
والادم، والفواكه، فقيل: انهم كالجلابين، لا يسعر لهم شئ من بياعانهم، وانما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: اما أن تبيع كما يبيع الناس واما أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في هذه الرواية.
وممن روى عنه ذلك من السلف عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وسالم ابن عبد الله قيل انهم في هذا بخلاف الجالبين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبه.
وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك.
ويتفقد السوق (١) أبدا، فيمنعهم
_________________
(١) في كلام ابن رشد هنا ما يرسم صورة صادقه لما يقوم به مفتشو وزارة التموين في القضاء على السوق السوداء واختزان السلع وحجبها عن محتاجها لاغلاء سعرها واحتكارها وهى ظاهرة يظنون أنها حضارية عصرية وهم في الحقيقة لم يبلغوا شاو الاسلام في رسم أسباب العدل والرحمة ويا حبذا لو أخذ الناس في طرائق العيش اخذ أسلافهم لانعدم الجشع الاشعبى بين التجار.
[ ١٣ / ٣٤ ]
من الزيادة على الربح الذى جعل لهم فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق وهذا قول مالك في رواية أشهب، واليه ذهب ابن حبيب.
وقال به ابن المسيب
ويحيى بن سعيد، والليث وربيعة، ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم لا تبيعوا الا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوه الا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل.
وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون، لم يتركهم أن يغلوا في الشراء وان لم يزيدوا في الربح على القدر الذى حدد لهم، فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم.
وأما الشافعي فإنه عارض ذلك بما رواه عن الدراوردى عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر ﵁ " أنه مر بحاطب بن أبى بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فقال له: مدين لكل درهم، فقال له عمر: قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا، وهم يغترون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر واما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره فقال: ان الذى قلت لك ليس عزمة منى، ولا قضاء انما هو شئ أردت به الخير لاهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع ".
قال الشافعي: وهذا الحديث مستقصى وليس بخلاف لما رواه مالك.
ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه.
وهذا أتى بأول الحديث وآخره وبه أقول.
لان الناس مسلطون على أموالهم.
ليس لاحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم الا في المواضع التى تلزمهم.
وهذا ليس منها.
وعلى قول مالك فقال أبو الوليد الباجى: الذى يؤمر به من حط عنه أن يلحق به.
هو السعر الذى عليه جمهور الناس.
فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمر باللحاق بسعر الناس أو ترك البيع فان زاد في السعر واحد أو عدد يسير.
لم يؤمروا باللحاق بسعره.
لان المراعى حال الجمهور.
وبه تقوم
المبيعات.
وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم - كما يقام من نقص منه؟
[ ١٣ / ٣٥ ]
قال ابن القصار من المالكية: اختلف أصحابنا في قول مالك " ولكن من حط سعرا " فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية، وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة فيفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغف والخصومة.
قال: وعندي أن الامرين جميعا ممنوعان، لان من باع ثمانية - والناس يبيعون خمسة - أفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغب والخصومة فمنع الجميع مصلحة.
قال أبو الوليد الباجى: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق.
وأما الجالب، ففى كتاب محمد - يعنى ابن الحسن - لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس.
وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير يسعر الناس وإلا رفعوا، وأما جالب القمح والشعير، فيبيع كيف شاء، الا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، ان أرخص بعضهم تركوا، وان أرخص أكثرهم، قيل لمن بقى اما أن تبيع كبيعهم، واما أن ترفعوا.
قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون، مأكولا كان أو غيره، دون مالا يكال ولا يوزن، لانه لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه.
قال أبو الوليد: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويا، فإذا اختلف لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بسعر الدون.
وأما المسألة الثانية التى تنازعوا فيها من التسعير، فهى أن يحد لاهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب فهذا منع منه الجمهور.
حتى مالك نفسه
في المشهور عنه.
ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد.
وروى أشهب عن مالك في صاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن بكذا ولحم الابل بكذا.
والا أخرجوا من السوق.
قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به.
ولكن أخاف أن يقوموا من السوق.
واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من اغلاء السعر عليهم ولا يجبر الناس على البيع.
وانما يمنعون من البيع بغير السعر الذى يحده ولى الامر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشترى.
[ ١٣ / ٣٦ ]
وأما الجمهور فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " جاء رجل إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل أدعو الله، ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال بل الله يرفع ويخفض، وإنى لارجو أن ألقى الله وليست لاحد عندي مظلمة " قالوا ولان إجبار الناس على ذلك ظلم.
وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغى للامام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشئ وحضر غيرهم، استظهارا على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون: فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به، ولا يجبرهم على التسعير ولكن عن رضى.
قال أبو الوليد الباجى: ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا، بما لا ربح لهم فيه، أدى ذلك إلى فساد الاسعار وإخفاء الاقوات وإتلاف أموال الناس
قال شيخ الاسلام (١) ابن تيمية (الحفيد) فهذا الذى تنازعوا فيه، وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع.
قال ابن القيم: ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النَّبِيِّ ﷺ " إنَّ اللَّهَ هو المسعر القابض الباسط، وإنى لارجو أن ألقى الله وليس لاحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال " قيل له هذه قضية معينة وليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه، ومعلوم أن الشئ إذا قل رغب
_________________
(١) قصدنا بالحفيد شيخ الاسلام واسمه أحمد، لقبه تقى الدين، كنيته أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام وهو ابن تيمية الجد فاسمه عبد السلام، كنيته أبو البركات، لقبه مجد الدين
[ ١٣ / ٣٧ ]
الناس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه - كما جرت به العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه - فهنا لا يسعر عليهم وقد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال: من أعتق شركا له في عبد - وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد " فلم يمكن المالك أن يساوم المعتق بالذى يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذى لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد، قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطه من القيمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة النصف عند الجمهور وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع.
وحكى بعض المالكية
ذلك إجماعا.
وصار ذلك أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل، لا بما يريد من الثمن.
وصار ذلك أصلا في جواز اخراج الشئ من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة، وأصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن.
والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب اخراج الشئ عن ملك مالكه بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق، ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، وهم إليها أعوز؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره.
وهذا الذى أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ من تقويم الجميع قيمة المثل، هو حقيقة التسعير.
كذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه من يد المشترى بثمنه الذى ابتاعه به لا بزيادة عليه لاجل مصلحة التكميل لواحد فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذى وقع عليه العقد لا بما شاء المشترى من الثمن لاجل هذه المصلحة الجزئية، فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها، فعلى
[ ١٣ / ٣٨ ]
ولى الامر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن، وحديث العتق أصل في ذلك كله.
ثم عقد ابن القيم فصلا نختم به بحثنا في التسعير قال:
(فصل)
فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر أو فأس أو غير ذلك، وجب على صاحبه
بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا، فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لاصحاب أحمد.
ومن جوز له أخذ الاجرة حرم عليه أن يأخذ زيادة على أجرة المثل قال شيخنا - يعنى شيخ الاسلام ابن تيمية -: والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون) قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: هو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوها، وفى الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ - وَذَكَرَ الخيل - قال " هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر.
فأما الذى هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، وأما الذى هي له ستر، فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها، ولا في ظهورها " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أيضا " من حق الابل إعارة دلوها، وإطراق فحلها " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ عسب الفحل " أي عن أخذ الاجرة عليه، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " لَا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره " ويمضى شيخ الاسلام ابن تيمية فيقول كما يحكيه عنه تلميذه وصنو حياته وعلمه: ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره من غير ضرر لصاحب الارض، فهل يجبر على ذلك.
روايتان عن أحمد، والاجبار قول عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين " إن زكاة الحلى عاريته، فإذا لم يعره فلابد من زكاته " وهذا وجه في مذهب أحمد.
[ ١٣ / ٣٩ ]
قال ابن القيم عقب هذا
(قلت) وهو الراجح، وانه لا يخلو الحلى من زكاة أو عارية والمنافع التى يجب بذلها نوعان، منها ما هو حق المال كما ذكرنا في الخيل والابل والحلى، ومنها ما يجب لحاجة الناس.
وأيضا فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة، كتعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة والحكم بينهم والجهاد، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وغير ذلك من منافع الابدان.
وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه، فإن ترك ذلك - مع قدرته - أثم وضمنه، فلا يمتنع وجوب بذل منافع الاموال للمحتاح.
وقد قال تعالى (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب) وقال تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، وهى أربعة أوجه في مذهب أحمد (أحدها) أنه لا يجوز مطلقا
(والثانى)
أنه يجوز عند الحاجة (والثالث) أنه لا يجوز الا أن يتعين عليه (والرابع) أنه يجوز، فإن أخذه عند التحمل لم يأخذ عند الاداء.
والمقصود أن ما قدره النبي ﷺ من الثمن في سراية العتق هو لاجل تكميل الحرية، وهو حق الله تعالى وما احتاج إليه الناس حاجة عامة، فالحق فيه لله.
وذلك في الحقوق والحدود.
قال ابن القيم " فأما الحقوق فمثل حقوق المساجد ومال الفئ والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات والمنافع العامة، وأما الحدود فمثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر المسكر وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، ولو لم
[ ١٣ / ٤٠ ]
يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر، فإنه يطلب ما شاء، وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لانفسهم وغيرهم.
فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء كان ضرر الناس أعظم، ولهذا قال الفقهاء " إذا اضطر الانسان إلى طعام الغير، وجب عليه بذله له بثمن المثل " وأبعد الائمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الانسان إلى طعامه أن يبذله له بثمن المثل، وتنازع أصحاب الشافعي في جواز تسعير الطعام إذا كان بالناس إليه حاجة، ولهم فيه وجهان.
وقال أصحاب أبى حنيفة: لا ينبغى للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضى أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله، على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار، فإن أبى حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له ودفعا للضرر عن الناس قالوا فإن تعدى أرباب الطعام وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضى عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، سعره حينئذ بمشورة أهل الرأى والبصيرة.
وهذا على أصل أبى حنيفة ظاهر حيث لا يرى الحجر على الحر ومن باع منهم بما قدره الامام صح لانه غير مكره عليه قالوا: وهل يبيع القاضى على المحتكر طعامه من غير رضاه.
على الخلاف المعروف في بيع مال المدين وقيل يبيع ههنا بالاتفاق، لان أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام والسعر لما غلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وطلبوا منه التسعير فامتنع، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام
إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، ولكن نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يبيع حاضر لباد، أي أن يكون له سمسارا.
وقال " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض "
[ ١٣ / ٤١ ]
فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادى الجالب للسلعة، لانه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس - أغلى الثمن على المشترى فنهاه عن التوكل له، مع أن جنس الوكالة مباح لما في ذلك من زيادة السعر على الناس، ونهى عن تلقى الجلب وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا، فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقى قبل إتيانه إلى السوق اشتراه المشترى بدون ثمن المثل فغبنه، فأثبت النبي ﷺ لهذا البائع الخيار.
ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم، إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا، سواء غبن أو لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي.
والثانية: أنه إنما يثبت عند الغبن وهى ظاهر مذهب الحنابلة.
وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقى فاشترى منه، ثم باعه، وفى الجملة.
قد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ البيع والشراء الذى جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر، وهو ثمن المثل، ويعلم المشترى بالسلعة.
وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشترى أن يشترى حيث شاء، وقد اشترى من البائع كما يقول، فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر، ولكن الشارع راعى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل، فيكون المشترى غارا له.
وألحق أحمد ومالك بذلك كل مسترسل، فإنه بمنزلة الجالب الجاهل بالسعر فتبين أنه يجب على الانسان ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو غير مماكسين، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى، وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضى فلا بأس بذلك.
وفى السنن " أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الارض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فَشَكَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ، فأمره أن يقبل
[ ١٣ / ٤٢ ]
بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل فأذن لصاحب الارض أن يقلعها، وقال لصاحب الشجرة: إنما انت مضار ".
وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته ولا يتبرع بها ولا يجوز لصاحب الارض أن يقلعها، لانه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه، وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الارض بخلاصه من تأذنه بدخول صاحب الشجرة، ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الارض ببقائها في بستانه أعظم، فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة، وإن أباه من أباه.
والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع عند حاجة المشترى.
وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟ والحكم في المعاوضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها - كمنافع الدور.
والطحن والخبز، وغير ذلك..حكم المعاوضة على الاعيان.
وبعد فقد استعرضنا ملخصا وافيا مركزا لما عرض له ابن القيم وشيخه.
قال ابن القيم: وجماع الامر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير.
سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط.
وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل.
وبالله التوفيق.
وقد قال الشوكاني في المنتقى في باب النهى عن التسعير: وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير، وأنه مظلمة، ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم والامام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشترى برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الامران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لانفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بمالا يرضى به مناف لقوله تَعَالَى (إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ منكم) والى هذا ذهب جمهور العلماء.
وروى عن مالك أنه يجوز للامام التسعير وأحاديث الباب ترد عليه.
ثم قال يشرح وجهة نظره في منع التسعير: وفى وجه
[ ١٣ / ٤٣ ]
للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء.
وهذا الرأى في نظره مردود وما أوردناه فيه القول الفصل الذى يجعل التسعير يدور مع المصلحة حيث دارت ويقيد ولى الامر بمراعاة طرفي المتبايعين واحقاق العدل بينهما وعدم تغليب طرف على آخر
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويحرم الاحتكار في الاقوات، وهو أن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه.
ومن أصحابنا من قال: يكره ولا يحرم، وليس بشئ.
لِمَا رَوَى عُمَرُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وروى معمر العدوى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يحتكر الا خاطئ " فدل على أنه حرام.
فأما إذا ابتاع في وقت الرخص أو جاءه من ضيعته طعام فأمسكه ليبيعه إذا غلا فلا يحرم ذلك لانه في معنى الجالب
وقد رَوَى عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وروى أبو الزناد قال: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عنك أنك قلت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال.
لا يحتكر بالمدينة الا خاطئ، وأنت تحتكر؟ قال ليس هذا الذى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالى بها، فأما أن يأتي الشئ وقد اتضع فيشتريه، ثم يضعه فإن احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير وأما غير الاقوات فيجوز احتكاره، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ﵁ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يحتكر الطعام، فدل على أن غيره يجوز، ولانه لا ضرر في احتكار غير الاقوات فلم يمنع منه.
(الشرح) أما فصل الاحتكار فحديث عمر ﵁، رواه ابن ماجه بلفظ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والافلاس " وفى اسناده الهيثم بن رافع، قال أبو داود روى حديثا منكرا قال الحافظ الذهبي: هو الذى خرجه ابن ماجه، يعنى هذا، وفى اسناده أيضا أبويحيى المكى، وهو مجهول.
[ ١٣ / ٤٤ ]
وللحديث شواهد أخرى أقوى منه وأصح، كحديث سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لا يحتكر إلا خاطئ " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.
وحديث معقل بن يسار قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة رواه أحمد والطبراني في معجميه الكبير والاوسط، وفى إسناده زيد بن مرة أبو المعلى، قال في مجمع الزوائد: ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله رجال الصحيح.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين هو خاطئ " رواه أحمد والحاكم وزاد " وقد برئت منه ذمة الله " وفى إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم.
وحديث ابن عمر مرفوعا " الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون " رواه ابن ماجه والحاكم وإسحاق بن راهويه والدارمى وأبو يعلى والعقيلي في الضعفاء وضعف إسناده الحافظ ابن حجر.
ومنها حديث آخر عند ابن عمر عند أحمد والحاكم وابن أبى شيبة والبزار وأبى يعلى بلفظ " من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه " زاد الحاكم " وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله " وفى إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة، والاول مختلف فيه والثانى قال ابن حزم إنه مجهول، وقال غيره: معروف، ووثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة، واحتج به النسائي.
قال الحافظ ابن حجر: ووهم ابن الجوزى فأخرج هذا الحديث في الموضوعات وحكى ابن أبى حاتم عن أبيه أنه منكر اه.
أما أحكام الفصل: فهذه الاحاديث بمجموعها لا شك أنها تنتهض حجة للاستدلال على عدم جواز الاحتكار لو فرض عدم ثبوت شئ منها، وأخذت بمجموعها، فكيف وحديث معمر المذكور في صحيح مسلم، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف في إفادة عدم الجواز، لان الخاطئ هو المذنب العاصى وهو
[ ١٣ / ٤٥ ]
فاعل من خطئ من باب علم إذا أثم في فعله قاله أبو عبيدة وقال: سمعت الازهرى يقول: خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد.
قال الاصحاب من الشافعية: إن المحرم إنما هو احتكار الاقوات خاصة لا
غيرها، ولا مقدار الكفاية منها، وإلى ذلك ذهب الزيدية أيضا.
وذهب الشوكاني إلى أن الاحاديث ظاهرها يحرم الاحتكار من غير فرق بين قوت الآدمى والدواب، وبين غيره، والتصريح (بالطعام) في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، ويمكن الرد عليه بأن المقرر في قواعد الاصول أن المطلق يحمل على المقيد وأن العام يحمل على الخاص الا أن الشوكاني يخرج من هذا المأزق بقوله انه من باب التنصيص على فرد من الافراد التى يطلق عليها المطلق، وذلك لان نفى الحكم عن غير الطعام انما هو لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الاصول أيضا.
ويفرق العلماء بين الاحتكار والادخار، فالاحتكار اختزان السلعة وحبسها عن طلابها حتى يتحكم المختزن في رفع سعرها لقلة المعروض منه أو انعدامه، فيتسنى له أن يغليها حسبما يشاء وهذا حرام بالاجماع في ضرورات الحياة.
مكروه في كمالياتها.
ويمكن أن يلحق بالاقوات ما يترتب على احتكاره من تلف وهلاك يصيب الناس، كاحتكار الثياب في وقت البرد الشديد مع حاجة الناس إليه، وحبس وسائل النقل للجند في ابان الجهاد لما في ذلك من اضعاف لقوة المسلمين واتاحة الفرصة لتفوق العدو عليهم وغلبته.
أما الادخار فقد قال ابن رسلان في شرح السنن ولا خلاف في أن ما يدخره الانسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به اه.
ويقول الشوكاني نقلا عن أئمة الشافعية: انما المحرم هو احتكار الاقوات خاصة لا غيرها ولا مقدار الكفاية منها، ويدل على ذلك ما ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يعطى كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر.
[ ١٣ / ٤٦ ]
قال ابن رسلان في شرح السنن: وقد كان رسول الله صلى عليه وسلم يدخر لاهله قوت سنتهم من تمر وغيره.
قال أبو داود: قيل لسعيد - يعنى ابن المسيب - فإنك تحتكر.
قال ومعمر كان يحتكر.
وكذا في صحيح مسلم: قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا - يعنى ابن المسيب ومعمرا - يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه.
وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون.
قال الشوكاني: ويدل على اعتبار الحاجة وقصد إغلاء السعر على المسلمين قوله في حديث معقل " من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم " وقوله في حديث أبى هريرة " يريد أن يغلى بها على المسلمين " قال أبو داود: سألت أحمد بن حنبل ما الحكرة.
قال ما فيه عيش الناس، أي حياتهم وقوتهم.
وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - يسئل عن أي شئ الاحتكار، فقال إذا كان من قوت الناس فهو الذى يكره.
وهذا قول عمر وقال الاوزاعي، المحتكر من يعترض السوق، أي ينصب نفسه للتردد إلى الاسواق ليشترى منها الطعام الذى يحتاجون إليه ليحتكره.
قال السبكى " الذى ينبغى أن يقال في ذلك أنه إن منع غيره من الشراء وحصل به ضيق حرم.
وإن كانت الاسعار رخيصة وكان القدر الذى يشتريه لا حاجة بالناس إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى " قال القاضى حسين والرويانى " وربما يكون هذا حسنة لانه ينفع به الناس " وقطع المحاملى في المقنع باستحبابه.
قال أصحاب الشافعي " الاولى بيع الفاضل عن الكفاية " قال السبكى " أما إمساكه
حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه فينبغي أن لا يكره، بل يستحب.
قال الشوكاني " والحاصل أن العلة إذا كانت هي الاضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار الا على وجه يضر بهم، ويستوى في ذلك القوت وغيره لانهم يتضررون بالجميع " وقال الغزالي في الاحياء " ما ليس بقوت ولا معين عليه فلا يتعدى النهى
[ ١٣ / ٤٧ ]
إليه وان كان مطعوما وما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسد شئ من القوت في بعض الاحوال، وان كان لا يمكن المداومة عليه فهو في محل النظر فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجرى مجراه.
وقال السبكى " إذا كان في وقت قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها اضرار، فينبغي أن يقضى بتحريمه، وإذا لم يكن اضرار فلا يخلو احتكار الاقوات عن كراهة.
وقال القاضى حسين " إذا كان الناس يحتاجون الثياب ونحوها لشدة البرد أو لستر العورة فكره لمن عنده ذلك امساكه " قال السبكى " ان أراد كراهة تحريم فظاهر، وان أراد كراهة تنزيه فبعيد.
وحكى أبو داود عن قتادة أنه قال " ليس في التمر حكرة " وحكى أيضا عن سفيان أنه سئل عن كبس القت فقال " كانوا يكرهون الحكرة " والكبس بفتح الكاف واسكان الباء الموحدة، والقت بفتح القاف وتشديد التاء الفوقية، وهو اليابس من القضب.
قال الطيبى " ان التقييد بالاربعين يشير إلى حديث ادخار الطعام أربعين يوما، اليوم غير مراد به التحديد " قال الشوكاني " ولم أجد من ذهب إلى العمل بهذا العدد " ونختم هذا الفصل بما أورد الامام النووي ﵁ في شرحه لصحيح
مسلم عند حديث معمر بن عبد الله مرفوعا " من احتكر فهو خاطئ " قال النووي قال اهل اللغة " الخاطئ بالهمز هو العاصى الآثم " وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار في الاقوات خاصة، وهو أن يشترى الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه.
فأما إذا جاءه من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس باحتكار ولا تحريم فيه.
قال وأما غير الاقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، هذا تفصيل مذهبنا قال العلماء " والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند انسان طعام واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعا للضرر عن الناس.
[ ١٣ / ٤٨ ]
وأما ما ذكر في الكتاب - يعنى في صحيح مسلم - عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون.
وهو الصحيح وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: