والثاني: زوال العقل، بجنون، أو إغماء، أو نوم.
النوم: حدث في الجملة.
وحكي عن أبي موسى الأشعري (١) ﵁: أنه كان يقول: النوم ليس بحدث بحال، وروي (مثله) (٢) عن عمرو بن
_________________
(١) أبو موسى الأشعري: هو عبد اللَّه بن قيس بن سليم الأشعري، مات بالكوفة سنة ٥٢٠ هـ، وكان من بعثة رسول اللَّه -ﷺ- إلى اليمن، ليعلم الناس القرآن، وولاه عمر رضي اللَّه تعالى عنه البصرة. وقال أبو البحتري: سئل علي بن أبي طالب عن أبي موسى فقال: صبغ في العلم صبغة، وقال مسروق: كان العلم في ستة نفر من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يصفهم أهل الكوفة: عمر، وعلي، وعبد اللَّه، وأبو موسى، وأبي، يزيد بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: ٤٤.
(٢) (مثله): ساقطة من أ.
[ ١ / ١٨٣ ]
دينار (١)، وأبي (مجلز) (٢)، وهو قول الإمامية.
فإن نام جالسًا متمكنًا بمحل الحدث من الأرض، لم ينتقض طهره (على) (٣) المنصوص في عامة كتبه، وفيه قول آخر: أنه ينتقض طهره، وهو اختيار. المزني ﵀، وهو قول (أبي) (٤) إسحاق، فيكون النوم حدثًا بكل حال.
فإن نام قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا في الصلاة، انتقض طهره في أصح القولين.
وقال في القديم: لا ينتقض.
وقال أبو حنيفة (٥): إذا نام على هيئة من هيئات الصلاة في حال
_________________
(١) عمرو بن دينار: قال سفيان بن عيينة: قالوا لعطاء: بمن تأمرنا؟ قال: بعمرو بن دينار، وقال طاووس لابنه: يا بني، إذا قدمت مكة، فجالس عمرو بن دينار، فإن أذنيه قمع للعلماء، مات سنة ١٢٦ هـ، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: ٧٠.
(٢) (أبو مجلز): في جـ، أنظر "المجموع" ٢/ ١٨، وفي أ، ب: مخلد، وهو التَّابعي الفقيه، بكسر الميم وبعدها جيم ساكنة، ثم لام مفتوحة، ثم زاي، هذا هو المشهور في ضبطه، وحكي فتح الميم، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي ٢/ ٢٦٦.
(٣) (على): في ب، جـ، وفي أ: وعلى الواو زائدة.
(٤) (أبي إسحاق): في ب فقط.
(٥) أنظر "حاشية ابن عابدين" ١/ ١٤١ وحجتهم: "أن النبي -ﷺ- نام في صلاته حتى غط ونفخ ثم قال: لا وضوء على من نام قائمًا، أو قاعدًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا نام مضطجعًا استرخت مفاصله"، قريبًا منه في "الترمذي" ١/ ١١١، و"السنن الكبرى" للبيهقي ١/ ١٢١، وانظر "بدائع الصنائع" ١/ ٣١.
[ ١ / ١٨٤ ]
الاختيار من قيام، أو قعود أو ركوع، أو سجود (١).
وإن كان خارج الصلاة، لم ينتقض طهره، وبه قال داود (٢).
وقال مالك (٣): النوم ينقض الوضوء، إلا أن يكون يسيرًا في حال الجلوس.
وحكي عن أحمد أنه قال (٤): النوم اليسير في حال القيام، (والقعود) (٥)، والركوع، والسجود، لا ينقض.
_________________
(١) أي لا ينتقض، والدليل ما ذكرناه سابقًا.
(٢) وحجته في ذلك:
(٣) عن أنس بن مالك قال: "كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ينتظرون الصلاة، فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة"، "المحلى" ١/ ٢٢٤.
(٤) عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: "كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ينامون ثم يصلون، ولا يتوضؤون" فقلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال: أي واللَّه، "صحيح مسلم" ٤/ ٧٢، وذهب داود بن علي إلى أن النوم لا ينقض الوضوء، إلا نوم المضطجع فقط، "المحلى" ١/ ٢٢٤.
(٥) ويراد باليسير: هو الذي يتنبه صاحبه بمجرد سقوط السبحة من يده، أو انحلال حبوته، فلا ينقض الوضوء طال زمنه أو قصر، لكن يستحب الوضوء أن طال زمنه فقط، "السراج المسالك" ١/ ٧٥، و"الفواكه الدواني" ١/ ١٣٣.
(٦) والوارد: وينقض النوم اليسير من راكع، أو ساجد، كمضطجع، وقياسها على المجالس مردود، بأن محل الحدث منهما منفتح، بخلاف المجالس، وينقض اليسير أيضًا من مستند، ومتكىء، ومحتب كمضطجع، بجامع الاعتماد، "كشاف القناع" ١/ ١٢٦، و"متن الإقناع" ١/ ١٢٦، وفي "المغني": لا ينقض في الرواية الثانية إلا إذا أكثر، "المغني" لابن قدامة ١/ ١٢٩.
(٧) "والقعود": ساقطة من جـ.
[ ١ / ١٨٥ ]