يقع غار حراء شمال شرقيّ المسجد الحرام، في قمة جبل النور، الذي يقال له أيضًا نسبة إلى اسم الغار، جبل حراء.
ارتفاعه عن سفح الجبل نحو ٢٨١ مترًا، وعن سطح البحر ٦٢١ مترًا، وهو صعب المرتقى يستغرق الصعود إليه نحو ساعة من زمن.
_________________
(١) المرجع المذكور صـ ١٣٨.
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٢٨٠).
[ ١٨٥ ]
الغار عبارة عن فجوة بابها نحو الشمال، يتوصل إليه بعد المرور من مدخل بين الحجرين يتسع بطول ٦٠ سنتيمترًا، بينما طول الغار نحو ٣ أمتار، أما عرضه فمتفاوت بين ١.٣٠ سنتيمترًا في أقصى ما يصل إليه، في ارتفاع لا يحتاج ٢ مترًا، وبالتالي فلا يتسع لأكثر من شخصين يصليان أحدهما إمام والآخر مأموم، بينما نجد على اليمين مصطبة تتسع لشخص واحد يصلي جالسًا (١).
كان النبيُّ - ﷺ - يتعبَّد الله فيه قبل البعثة، حيث حُبِّبَ إليه الخلاء، حتى صار يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد، فيرجع إلى أهله يزور خديجة، ويتزوّد لرحلة أخرى، إلى أن جاء المَلَكُ جبريل في الغار لأول مرة في تاريخ بعثته، وجرى بينهما سؤال وجواب، فأصاب المصطفى - ﷺ - من ذلك هلعٌ وذعرٌ شديد من هذا الذي ظهر له في قمة الجبل يسأله ويضمه ثم يرسله ثم يسأله، وهكذا.
فالقيمة الدينية للغار تأتي من أنه مكان أقام فيه سيد الخلق محمد - ﷺ - زمانًا في فترات متقطعة لم تتوقف، ومن حيث إنّ الوحي جبريل بدأ أول ما بدأ في هذا الغار، وأنّ القرآن الكريم نزل أو ما نزل فيه أيضًا (٢)، وأنه بهذا كله أحدث انعطافة قوية في حياة رسول الله - ﷺ -، لأن بريد الوحي الإلهي جبريل منذ تلك اللحظة صار المؤنس لرسول الله - ﷺ - والعاضد له بأمر الله صاعدًا ونازلًا من السماء إلى الأرض، يتلو كتاب الله منجمًا خلال ثلاثٍ وعشرين سنة بدأت بالغار في جبل النور، وانتهت بالوفاة في حجرة السيدة عائشة.
_________________
(١) هذه المعلومات مصدرها كتاب «تاريخ مكة المكرمة قديمًا وحديثًا» د. محمد إلياس عبد الغني صـ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) في البخاري برقم (٤٩٢٤) عن جابر أن أول ما نزل من القرآن المدثر، وحمل العلماء ذلك على أن جابرًا قال ذلك باجتهاد وليس هو من روايته، وقيل غير ذلك. انظر فتح الباري جـ ٨ صـ ٨٦٥.
[ ١٨٦ ]
روى البخاريُّ في صحيحه عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت (١):
كان أوّلُ ما بُدِئَ به رسولُ الله - ﷺ - (٢) الرؤيا الصادقة في النوم (٣)، فكان لا يرى رؤيا إلَّا جاءت مثل فَلَق (٤) الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء (٥)، (٦) فكان يلحقُ بغار حراءٍ فيتحنَّثُ فيه - قال: والتحنُّث: التعبُّد - الليالي ذواتِ العدد (٧)، قبل أن يرجع إلى أهله (٨)،
_________________
(١) قال الإمام ابن حجر العسقلاني: «قال النووي: هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة فتكون سمعتها من النبي - ﷺ - أو من صحابي». [اهـ]. وتعقّبه من لم يفهم مراده فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبي - ﷺ - فكيف يجزم بأنها من المراسيل؟ ! والجواب أن مرسل الصحابي ما يرويه من الأمور التي لم يُدْرِك زمانها، بخلاف الأمور التي يدرك زمانها فإنها لا يقال إنها مرسلة، بل يحمل على أنه سمعها أو حضرها ولو لم يصرّح بذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابي، بل مرسل التابعي إذا ذكر قصة لم يحضرها سميت مرسلة، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سمعها من الصحابي الذي وقعت له تلك القصة. وأما الأمور التي يدركها فيحمل على أنه سمعها أو حضرها لكن بشرط أن يكون سالمًا من التدليس والله أعلم .. «. فتح الباري جـ ٨ صـ ٩١٥.
(٢) هذا تصريح من السيدة عائشة بأن البعثة لم تبدأ من الغار، وإنما بالرؤيا الصالحة التي سبقت حادثة الغار، بل هناك تسليم الحجر عليه - ﷺ - كان قبل ذلك أيضًا، لذلك قال في فتح الباري في الجزء والصفحة: «زاد في رواية عقيل كما تقدّم في بدء الوحي: «من الوحي» أي في أول المبتدآت من إيجاد الوحي الرؤيا، وأما مطلق ما يدل على نبوته فتقدمت له أشياء مثل تسليم الحجر كما ثبت في صحيح مسلم وغير ذلك» .. ثم قال عن رواية أخرى مرسلة: «أنه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: أرأيتُكِ الذي أحدّثك أني رأيته في المنام، فإنه جبريل استعلن».
(٣) أي التي ليست ضغثًا ولا من تلبيس الشيطان.
(٤) في اللغة: فَلَقَ الشيء شقّه، من باب نصر وضرب، والفَلَق الصبح.
(٥) قال في فتح الباري جـ ٨ صـ ٩١٦: «هذا ظاهر في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يحبّب إليه الخلاء ..».
(٦) لخلاء المكان الخالي، ويطلق على الخَلْوة، وهو المراد هنا.
(٧) قال في فتح الباري: «وفي رواية ابن إسحاق أنه كان يعتكف شهر رمضان».
(٨) أي خديجة وأولاده منها، فالزوجة تسمّى أهلًا، وقد ورد ذلك في حديث الإفك، ويحتمل أن يراد بذلك أقاربه أو أعم.
[ ١٨٧ ]
ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجةَ، فيتزوَّدُ بمثلها (١)، حتى فَجِئَهُ الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه المَلَكُ (٢) فقال: اقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أنا بقارئٍ (٣). قال: فأخذني فغطّني (٤) حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ عَمِلَتْ (٥)﴾ (٥) [العلق: ١ - ٥].
قالت عائشة ﵂:
«فرجع بها رسول الله - ﷺ - تَرْجُفُ بوادرُهُ (٦)، حتى دخل على خديجة فقال: زمّلوني، زمّلوني (٧)، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ (٨).
قال لخديجةَ: أيْ خديجةُ، ما لي لقد خَشِيْتُ على نفسي؟ فأخبرها الخبر.
_________________
(١) الضمير يعود على الليالي، أو للخلوة أو للعبادة أو للمرات السابقة.
(٢) وفي رواية: فجاءه الملك فيه أي في الغار. فتح الباري جـ ٨ ص ٩١٧.
(٣) قال في فتح الباري:» وقع عند ابن إسحاق في مرسل عُبيد بن عمير أنّ النبيّ - ﷺ - قال: أتاني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ «.
(٤) وفي السيرة لابن إسحاق فغتّني، وهما بمعنى، والمراد غَمَّني، وكل ذلك من الخنق. انظر المرجع المذكور. أما الحكمة من ذلك فسأتعرض له بالشرح بإذن الله.
(٥) ما تبقى من السورة نزل بعد ذلك بزمن، ولم ينزل في الغار.
(٦) وفي رواية عند غير البخاري:» يرجفُ فؤاده «. انظر فتح الباري جـ ٨ ص ٩١٩.
(٧) التزميل التلفيف؛ لأن العادة جرت بسكون الرعدة بالتلفيف، قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر.
(٨) هو بفتح الرّاء ومعناه الفزع. أما الذي يأتي بضم الرّاء فهو موضع الفزع في القلب.
[ ١٨٨ ]
قالت خديجة: كلا أبْشِرْ (١)، فوالله لا يُخْزِيكَ (٢) الله أبدًا، فوالله إنّك لتصلُ الرَّحِمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكُلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِيْ الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحق.
فانطلَقت به خديجةُ حتى أتَتْ به ورقةَ بن نَوْفل، وهو ابنُ عَمِّ خديجة أخي أبيها، وكان امرءًا تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يكتبُ الكتاب العربيَّ، ويكتبُ من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتبَ، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ، فقالت خديجة: يا عَم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقةُ: يا ابنَ أخي ماذا ترى؟ فأخبرهُ النبيُّ - ﷺ - خبرَ ما رأى، فقال ورقةُ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى (٣)، ليتني فيها (٤) جَذَعًا (٥)، ليتني أكون حيًا - ذكر حرفًا (٦) - قال رسول الله - ﷺ -: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قال ورقة: نعم، لم يأتِ رجلٌ بما جئتَ إلا أوْذيَ، وإنْ يُدْركني يومُكَ حيًا أنْصُرْك نَصْرًَا مؤزَّرًا.
ثم لم يَنْشَبْ ورقةُ أن تُوفّيَ وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن رسول الله - ﷺ -» (٧).
_________________
(١) قال في فتح الباري جـ ٨ صـ ٩١٩: «قوله (كلا أبشرْ) بهمزة قطع ويجوز الوصل، وأصل البشارة في الخبر. وفي مرسل عبيد بن عمير «فقالت: أبشر يا ابن عم، واثبُت، فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة».
(٢) الخزي الوقوع في بليّة.
(٣) قال في فتح الباري جـ ٨ صـ ٩٢٠» وقد تقدم في بدء الوحي «أنزل الله» ووقع في مرسل أبي ميسرة: «أبشِرْ فأنا أشهد أنك الذي بشّر به ابنُ مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبيّ مرسل ستؤمر بالجهاد» وهذا أصرح ما جاء في إسلام ورقة، أخرجه ابن إسحاق ..».
(٤) أي أيام الدعوة الإسلامية.
(٥) الجَذَع في الإنسان الشاب.
(٦) جاء هذا الحرف في رواية بدء الوحي (إذْ يخرجك قومك).
(٧) صحيح البخاري برقم (٤٩٥٣).
[ ١٨٩ ]
حادثة بدء الوحي في غار حراء هي من أهم الفصول التي ترتبط بعقيدة الإنسان المسلم؛ لأنها الأساس الذي يترتب على فهمه والإيمان به جميع الحقائق الإسلامية؛ لأنه ما من مسألة في هذا الدين تدخل في صلب العقيدة أو التشريع، من مصدر القرآن أو السنة إلَّا وهي آتية إلى رسول الله - ﷺ - بواسطة أمين الوحي الإلهي جبريل، ومن ثَمَّ يتمُّ تبليغها إلى الأمة.
لأجل هذا عمد من احترف غزوَ الإسلام إلى التشكيك في ظاهرة الوحي حتى يسهل عليهم نقض ما ينبني على أساسها من حقائق، ضمن تخيّلات جانحة لا توجد إلا في أوهام من ابتدعها بلا رصيد علمي، أو توثيق تاريخي فمن قائل إنّها عملية كشف تدريجي أثمرته ليالي التفكّر في حراء! ومن قائل: إنها شيء من الإلهام أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي، أو التأملات ومن قائل غير ذلك. والنتيجة أن هناك تمحلًا عجيبًا يريد صرف الأنظار إلى أيّ شيء باستثناء أن ذلك من قبيل الإخبار الإلهي بواسطة بريد أمين هو وحي السماء جبريل لماذا؟ لأنهم ببساطة منكرون للرسول والرسالة، محترفون لغزو أمتنا في أفكارها وعقيدتها، لا يروق لهم تلاحم الأمة اليوم على عقيدة الإيمان، وإنما يبهجهم أن تنفضّ الأمة عن كتابها وسنة نبيها، ضمن ردّة تسهّل عليهم قضمها وتغيير هويتها، والإجهاز على ما تبقى من روح فيها. لكن لا، فلتعلم الدنيا أن أمّة الإسلام قد يتأثر بعض أفرادها بسيل جارف من الأفكار الوافدة الهدّامة، لكن الأمة تبقى لا ترتدُّ، ولا تنهار فهي مستعصية على الذوبان. قال ﵊: «لا أخشى عليكم أن تعودوا بعدي كفارًا فإنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا ..».
ولما لهذا البحث من أهمية بالغة، فإني أُحيل الإجابة عليه من خلال الحديث السابق إلى أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي يقول:
[ ١٩٠ ]
«ذلك أن حقيقة (الوحي) هي الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكّر من عنده، ويشرّع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الذي يبلّغ عن ربه دون أن يغيّر أو ينقص أو يزيد».
«ومن أجل هذه الغاية، أخذ محترفوا الغزو الفكري، يحاولون تأويل ظاهرة الوحي، وتحريفها عما يرويه لنا المؤرخون، وتحدّث به صحاح السنة الشريفة ..».
«ونحن حينما ننظر إلى مثل هذه التمحّلات العجيبة التي لا يرى العاقل مسوِّغًا لها إلا التهرّب من الإقرار بنبوّته ﵊، ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية الباهرة من بدء نزول الوحي عليه - ﷺ - بهذه الطريقة التي استعرضناها الآن في حديث الإمام البخاري.
لماذا رأى رسول الله - ﷺ - جبريل بعيني رأسه لأوّل مرة، وقد كان بالإمكان أن يكون الوحيُ من وراء حجاب؟
لماذا قذف الله في قلبه ﵊ الرعبَ منه والحيرة في فهم حقيقته، وقد كان ظاهر محبة الله لرسوله وحفظه له يقتضي أن يلقي السكينة في قلبه، ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد؟
لماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي تمثّل له في الغار آتيًا من الجن، ولم يرجح على ذلك أن يكون ملكًا أمينًا من عند الله؟
لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدة طويلة، وجزع النبي - ﷺ - بسبب ذلك جزعًا عظيمًا حتى إنه كان يحاول - كما يروي الإمام البخاري - أن يتردى من شواهق الجبال؟
هذه أسئلة طبيعية بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي، ولدى التفكير في
[ ١٩١ ]
أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة باهرة، ألا وهي أن يجد المفكر الحر فيها الحقيقة الناصعة الواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري والتأثر بأخيلتهم المتكلفة الباطلة.
لقد فوجئ محمد ﵊ وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له اقرأ، حتى يتبيَّن أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا ذاتيًا داخليًا مردّه إلى حديث النفس المجرّد، وإنما هي استقبال وتلقٍّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات.
وضَمُّ المَلَكِ إيّاه ثم إرساله ثلاث مرّات قائلًا في كل مرة: اقرأ، يعتبر تأكيدًا لهذا التلقّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصوّر، من أن الأمر لا يعدو كونه خيالًا داخليًا فقط.
ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى، حتى إنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائدًا إلى البيت يرجف فؤاده، لكي يتضح لكل مفكّر عاقل أن رسول الله - ﷺ - لم يكن متشوّفًا للرسالة التي سيُدعى إلى حملها وبثّها في العالم، وأن ظاهرة الوحي هذه لم تأتِ منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوّره أو يخطر في باله، وإنما طرأتْ طروءًا مثيرًا على حياته، وفوجئ بها دون أي توقّع سابق.
ولاشك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكوّن في نفسه - بطريقة الكشف التدريجي المستمر - عقيدة يؤمن بالدعوة إليها! ..
ثم إنّ شيئًا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية، لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون. وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى. وإلَّا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهبًا لدفعات
[ ١٩٢ ]
من الرعب والخوف والمفاجئة المتلاحقة».
«أما انقطاع الوحي بعد ذلك، وتلبُّثه ستة أشهر أو أكثر، على الخلاف المعروف فيه، فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة. إذ في ذلك أبلغ الردّ على ما يفسّر به محترفو الغزو الفكري الوحي النبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتكرار، وأنه أمرٌ داخلي منبعث من ذاته نفسها».
«إن هذه الحالة التي مرّ بها رسول الله - ﷺ - تجعل مجرّد التفكير في كون الوحي إلهامًا نفسيًا، ضربًا من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمّله بمثل هذه الأحوال.
إذن فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشكّكون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم الله بها محمدًا ﵊.
وإذا تبيّن لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده الله ﷿» (١).
بهذه الكلمات النيّرة التي انساب بها حبر أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ذَوْدًا عن الأساس الذي ينبثق منه الإيمان بكل مبادئ الإسلام أصوله وفروعه، على خلفية ظاهرة الوحي التي بدأت في غار حراء، أختم فصول هذا الكتاب ولساني يلهج بحمد الله وشكره على توفيقي في البحث والتصنيف لما أمدتني العناية الإلهية بإبرازه من شرائع هذه الفريضة الشامخة شموخ الإسلام في كل حين.
_________________
(١) «فقه السيرة»، فصل: بدء الوحي، لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، مقتطفات صـ ٩٧ - ١٠٠.
[ ١٩٣ ]
أتضرّع إليه سبحانه أن يرزقني حسن التمسك بآيات كتابه الجليل، وسنّة حبيبه المصطفى ﵊ في كل جزئية من جزئيات الركن الخامس ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. وأسأله سبحانه أن يغفر لي ذنبي، ويصفح عن زلاتي، وأن يتجاوز عن أيّ خطأ قد أكون تلبَّست به في هذا الكتاب، فالكمال لله وحده، والتوفيق والقبول محض فضله، وعذري أنّي عزوْتُ كل مسألة إلى مصدرها وأهلها في معظم ما دوّنته بين يدي القرّاء الكرام أمانة مني تلقيتها عن شيوخ ثقات، لا تفارقني بركة أنفاسهم ونصائحهم، لعلّ هذا وسلامة القصد يشفع لي في تقصيري، وصلى الله على سيدنا محمد - ﷺ -، والحمدُ لله ربّ العالمين.
* * *
[ ١٩٤ ]