والقول الثاني وهو مذهب الخصم: أنه يصح، ويثبت للمشتري الخيار إذا رآه (^٢).
وفي بيع الأعيان الغائبة طريقان:
إن قلنا: إن الشراء باطل، فالبيع أولى.
وإن قلنا: يصح، ففي البيع (^٣) قولان (^٤).
والفرق بين البيع والشراء: أن البائع مفرط؛ لأنه غير معذور في ترك الرؤية؛ إذ المبيع إما في يده أو يد نائبه، والمشتري معذور في ترك الرؤية؛ لكون المال ليس في يده، والمسألة متصورة فيما إذا ذكر جنس المبيع ونوعه مقتصرا، كقولك: بعتك عبدا تركيا أو ثوبا [هرويا] (^٥).
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/¬١٤ - ١٨)، وحاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ٢٠٥).
(٢) المبسوط (١٣/ ٦٨)، وبدائع الصنائع (٥/ ١٦٣، ٢٩٢)، والحاوي الكبير (٥/¬١٤ - ١٨).
(٣) تكررت لفظة «البيع» في الأصل.
(٤) المصادر السابقة.
(٥) في الأصل: مسطيا، والصواب ما أثبته، وسيأتي معنى الهروي.
[ ١١٦ ]
ومأخذ النظر فيها: أن الجهل بوصف المبيع عندنا كالجهل بأصله، وأبو حنيفة فرق بينهما.
وسبيل كشف الغطاء عن المأخذين أن نقول: لا خلاف أن الجهالات بأسرها مما لا يحتمل في عقد البيع، حتى لو قال: بعتك شيئا، أو بعتك ثوبا، أو بعتك بزنة هذه الصنجة، أو بما باع به فلان عبده، فإنه لا يصح العقد.
ولا خلاف -أيضا- أن حقيقة العلم بالمبيع والاطلاع على خفاياه وزواياه مما لا يشترط، حتى يصح أن يشتري الجوهرة ممن لا يعلم حقيقتها، والثوب ممن لا يعرفه، فلا بد إذا من ضابط، ولا ضابط إلا الرؤية والعيان؛ لأنه أوفى مدارك العلم والإحاطة، وهو سبب حصول العلم، فاشترط الشافعي وجود سبب العلم لا حقيقة العلم؛ فإن في اشتراط حقيقة العلم مشقة يلزم من مشاقها أن لا يصح شراء الجوهرة إلا من جوهري، وشراء الثوب إلا من بزاز، والعبد إلا [من] (^١) نخاس، وهلم جرا، وذلك يجر حرجا عظيما تفسد به أبواب المعاملات على الناس، وصار هذا كما قلنا في رخص السفر، فإنها في الأصل شرعت للمشقة، ثم لما كان ذلك يختلف ضبطناه بسببها، وهو السفر، وقلنا: الترخص يتعلق بالسفر وأعرضنا عن عين العلة، ثم الرؤية عند الشافعي ليست شرطا لعينها، بل لأن عدمها يؤدي إلى غرر وجهل بصفات المبيع المقصودة، وإذا ثبت أن الجهالات كلها لا تحتمل في العقد، والعلم حقيقة لا يشترط، حتى يعفى عن بعض الجهالات؛ فلا بد للجهالة من
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
[ ١١٧ ]
ضابط، فنقول: الضابط في الجهالات المانعة: أن كل غرر مجتنب في مطرد الاعتياد؛ ليسهل تكلف إزالته إذا قارن العقد منع صحته، نظيره ما ذكرناه من المسائل.
أما أبو حنيفة ﵀ فإنه يقول: الذي يقتضيه القياس الكلي والمعنى الواضح الجلي في البياعات؛ أن يعتمد على تراضيهما ومشيئتهما فيما يعقدان عليه، فإن الرضا هو الركن، قال الله - تعالى -: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]، إلا أن الشرع قيد بعض التجارات بشروط وقيود، فاتبعنا موارده، وبقينا فيما لم يقيده على الاسترسال، واتباع قياس الرضا، وأقصى ما يؤثر فيه عدم الرؤية؛ الجهل [بالصفات] (^١)، والجهل بالصفات لا يجوز أن يقدح في أصل العقد؛ لأن صفة العين تابعة للعين، وهي في حكم الفرع لها، وما كان في حكم الفرع لا يجوز أن يسلب لفواته أصل العقد، بل يجب أن يكون الحكم على وفق السبب لا يزيد عليه، فإذا جهل وصف المعقود عليه سلبنا العقد وصفه، وهو اللزوم، وإذا جهل أصل المعقود عليه أعدمنا أصل الصحة، وشبهوا هذا بما لو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض، فإنه يسقط بقسطه من الثمن، ولو اشترى عبدا فسقطت يده قبل القبض لا يسقط شيء من الثمن لإمكان الوصف، والتابع لا يسقط لأجله ما يسقط بفوات ما هو أصل.
وهذا الذي ذكروه باطل حكما ومعنى.
أما حكما فبالسلم، فإنه لو أسلم إليه فيما لم تذكر صفته لا يصح، وكان
_________________
(١) في الأصل: العقاب، والصواب ما أثبته.
[ ١١٨ ]
الجهل بالصفات مؤثرا في إبطال أصل العقد لا في صفته، ولا يقال بأن المعقود عليه الصفة؛ لأن الصفة قول الواصف، وقوله ليس معقودا عليه، بل المعقود عليه عين موصوفة تتعين في المحل، وفي مسألتنا المعقود عليه ما يتعين في الحال.
وأما معنى فلأن الجهل بالصفة يتطرق الجهل بأصل المعقود عليه، ويورث النقصان فيه، وذاك أن المالية هي المعقود عليه، فإن ما لا مالية له لا يصح العقد عليه، وقوام المالية بالصفات، من حيث إن المالية تزيد بزيادتها، وتنقص بنقصانها، ففواتها يسقط جزءا شائعا من المالية كالثلث والربع، وليس هذا بتابع، بل هو أصل؛ إذ ليس جعل بعض المالية تابعا لباقيه بأولى من العكس، فدل أن جهالة الصفات تورث جهلا بالمعقود عليه (^١).
* * *
[٣٨] * مسألة: