٤٣ - ويجب حمل اجنازة واتباعها، وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين، وفي ذلك أحاديث، أذكر اثنين منها:
الأول: قوله ﷺ: " حق المسلم (وفي رواية: يجب المسلم على أخيه) خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ".
أخرجه البخاري (٣/ ٨٨) والسياق له، ومسلم (٧/ ٣) بالرواية الثانية وابن ماجه (١/ ٤٣٩) وابن الجارود (٢٦١) وأحمد (٢/ ٣٧٢، ٤١٢، ٥٤٠)، وقال في رواية له: " ست ".
وزاد: " وإذا استنصحك فانصح له "، وهي رواية لمسلم أيضا، أخرجوه كلهم من حديث أبي هريرة.
وفي الباب عن البراء بن عازب عند الشيخين وغيرهما.
الثاني: قوله أيضا: " عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكركم الآخرة ".
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/ ٧٣) والبخاري في " الادب المفرد " (ص ٧٥) وابن حبان في " صحيحه " (٧٠٩ - موارد) والطيالسي (١/ ٢٢٤) وأحمد (٣/ ٢٧،
[ ٦٦ ]
٣٢، ٤٨) والبغوي في " شرح السنة " (١/ ١٦٦ / ١) من حديث أبي سعيد الخدري.
قلت: وإسناده حسن.
وله شاهد من حديث عوف بن مالك بدون الجملة الاخيرة.
رواه الطبراني.
راجع " المجمع " (٢/ ٢٩٩).
٤٤ - واتباعها على مرتبتين: الأولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها.
والاخرى: اتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها.
وكل منهما فعل رسول الله ﷺ، فروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: "كُنَّا مُقَدَّمَ النَّبِيِّ ﷺ (يعني المدينة) إِذَا حُضِرَ مِنَّا الْمَيِّتُ آذَنَّا النَّبِيَّ ﷺ، فَحَضَرَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ حَتَّى إِذَا قُبِضَ انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ، وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى يُدْفَنَ، وَرُبَّمَا طَالَ حَبْسُ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا خَشِينَا مَشَقَّةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لِبَعْضٍ: لَوْ كُنَّا لَا نُؤْذِنُ النَّبِيَّ بِأَحَدٍ حَتَّى يُقْبَضَ، فَإِذَا قُبِضَ آذَنَّاهُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ وَلَا حَبْسٌ، فَفَعَلْنَا ذَلِكَ وَكُنَّا نُؤْذِنُهُ بِالْمَيِّتِ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ فَيَأْتِيهِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا انْصَرَفَ، وَرُبَّمَا مَكَثَ حَتَّى يُدْفَنَ الْمَيِّتُ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حِينًا، ثُمَّ قُلْنَا لَوْ لَمْ يَشْخَصِ النَّبِيُّ ﷺ، وَحَمَلْنَا جَنَازَتَنَا إِلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَيْتِهِ لَكَانَ ذَلِكَ أَوْفَقَ بِهِ، فَفَعَلْنَا فَكَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ إِلَى الْيَوْمِ". أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٥٣ - مورد) والحاكم (١/ ٣٥٣ - ٣٦٤ - ٣٦٥) وعنه البيهقي (٣/ ٧٤) وأحمد (٣/ ٦٦) بنحوه، وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين "! وإنما هو صحيح فقط، لان فيه سعيد بن عبيد بن السباق، ولم يخرجا له شيئا.
٤٥ - ولا شك في أن المرتبة الاخرى أفضل من الأولى لقوله ﷺ: " من شهد الجنازة (من بيتها)، (وفي رواية من ابتع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا) حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهد ها حتى تدفن، (وفي الرواية الاخرى: يفرغ
[ ٦٧ ]
منها) فله قيراطان (من الاجر)، قيل: (يارسول الله) وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين.
(وفي الرواية الاخرى: كل قيراط مثل أحد) ".
أخرجه البخاري (١/ ٨٩ - ٩٠، ٣/ ١٥٠، ١٥٤) ومسلم (٣/ ٥١ - ٥٢) وأبو داود (٢/ ٦٣ - ٦٤) والنسائي (١/ ٢٨٢) والترمذي (٢/ ١٥٠) وصححه، وابن ماجه (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨) وابن الجارود (٢٦١) والبيهقي (٣/ ٤١٢ - ٤١٣) والطيالسي
(٢٥٨١) وأحمد (٢/ ٢٣٣، ٢٤٦، ٣٢٠، ٤٠١، ٤٥٨، ٤٧٠، ٤٧٤ ٤٩٣، ٥٢١، ٥٣١) من طرق كثيرة عن أبي هريد ﵁.
والرواية الثانية للبخاري والنسائي وأحمد.
والزيادة الأولى لمسلم وأبي داود وغيرها، والزيادتان الاخريان للنسائي. وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة ﵃.
الأول عن ثوبان عند مسلم والطيالسي (٩٨٥) وأحمد (٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧، ٢٨٢ - ٢٨٣ - ٢٨٤).
الثاني والثالث: عن البراء بن غازب لث: عن البراء بن عازب وعبد الله بن مغفل، عند النسائي وأحمد (٤/ ٨٦، ٢٩٤).
الرابع عن أبي سعيد الخدري. رواه أحمد (٣/ ٢٠، ٢٧، ٩٧) من طريقين عنه. وله شواهد أخرى ذكرها الحافظ في " الفتح " (٣/ ١٥٣).
وفي بعض الشواهد عن أبي هريرة زيادات مفيدة لعله من المستحسن ذكرها:
" وكان ابن عمر يصلي عليها، ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة قال: (أكثر علينا أبو هريرة، (وفي رواية: فتعاظمه»، (فإرسل خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، وخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتي رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الارض ثم قال:) لقد فرطنا في قراريط كثيرة، (فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ صفقة
[ ٦٨ ]
السوق، ولا غرس الودي (١)، إنما كنت ألزم النبي ﷺ لكلمة يعلمنيها، وللقمة يطعمنيها)، (فقال له ابن عمر: أنب يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه) ".
هذه الزيادات كلها لمسلم، إلا الاخيرة، فهي لاحمد (٢/ ٢ - ٣، ٣٨٧) وكذا سعيد بن منصور بإسناد صحيح كما قال الحافظ في " الفتح "، والتي قبلها للطيالسي وسندها صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية للشيخين، والرواية الثانية فيها للترمذي وأحمد.
والزيادة الاخيرة صريحة بأن ابن عمر ﵁ اتصل عنه اتصل بنفسه بأبي هريرة، ويؤيده ما في رواية لمسلم وغيره بلفظ: فقال ابن عمر: أبا هر انظر ما تحدث عن رسول الله عليه وسلم، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة، فقال لها، يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: (فذكر الحديث)، فقالت: اللهم نعم، فقال أبو هريرة: إنه لم يكن .. الخ.
فظاهر هذا كله يخالف رواية أنه أرسل خبابا إلى ابن عمر.
وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر يخبر عائشة بلغ ذلك أبا هريرة، فمشى إلى ابن عمر فأسمعه ذلك من عائشة مشافهة.
ولابي هريرة ﵁ حديث آخر في فضل شهود الجنازة، قال: قال رسول الله ﷺ: " من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا قال: من أطعم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال ﷺ: ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة ".
أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣/ ٩٢، ٧/ ١١٠) والبخاري في " الادب المفرد " ص ٧٥ ٤٦ - وهذا الفضل في اتباع الجنائز، إنما هو للرجال دون النساء لنهي النبي ﷺ لهن عن اتباعها، وهو نهي تنزيه، فقد قالت أم عطية ﵂:
_________________
(١) بتشديد الياء صغار النخل.
[ ٦٩ ]
" كنا ننهى (وفي رواية: نهانا رسول الله ﷺ) عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا ".
أخرجه البخاري (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩، ٣/ ١٦٢) ومسلم (٣/ ٤٧) والسياق له، وأبو داود (٢/ ٦٣) وابن ماجه (١/ ٤٨٧) وأحمد (٦/ ٤٠٨، ٤٠٩) وكذا البيهقي (٤/ ٧٧) والاسماعيلي والرواية الاخرى له، وهي رواية للبخاري تعليقا.
" لا تتبع الجنائز، بما يخالف الشريعة، وقد جاء النص فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء، واتباعها بالبخور، وذلك في وقوله ﷺ: " لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٤) وأحمد (٢/ ٤٢ ٧، ٥٢٨، ٥٣٢) من حديث أبي هريرة.
وفي سنده من لم يسم، لكنه يتقوى بشواهده المرفوعة، وبعض الاثار الموقوفة.
أما الشواهد، فعن جابر عن النبي ﷺ نهى أن يتبع الميت صوت أو نار، قال الهيثمي (٣/ ٢٩): " رواه أبو يعلى، وفيه من لاذكر له ".
وعن ابن عمر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن تتبع جنازة معها رانة ".
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٩ - ٤٨٠) وأحمد (٥٦٦٨) من طريقين عن مجاهد عنه.
وهو حسن بمجموع الطريقين.
وعن أبي موسى في النهي عن اتباع الميت بمجمر.
وقد تقدم لفظه في المسألة (١ ٢) فقرة (ب)، (ص ٨).
وأما الاثار، فعن عمرو بن العاص أنه قال في وصيته: " فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار ".
أخرجه مسلم (١/ ٧٨) وأحمد (٤/ ١٩٩).
وعن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: " لا تضربوا علي فسطاطا، ولا تتبعوني بمجمر (وفي رواية: بنار) ".
رواه أحمد وغيره بسند صحيح كما يأتي بعد مسألة، الحديث الثاني.
[ ٧٠ ]
٤٨ - ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة، لانه بدعة، ولقول قيس ابن عباد: " كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز ".
أخرجه البيهقي (٤/ ٧٤) بسند رجاله ثقات.
ولان فيه تشبها بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشئ من أنا جيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين (١).
وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الالات الموسيقية أمامها عزفا حزينا كما يفعل في بعض البلاد الاسلامية تقليدا للكفار. والله المستعان.
٤٩ - ويجب الاسراع في السير بها، سيرا دون الرمل، وفي ذلك أحاديث:
الأول: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ".
أخرجه الشيخان، والسياق لمسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وأحمد (٢/ ٢٤٠، ٢٨٠، ٤٨٨) والبيهقي (٤/ ٢١) من طرق عن أبي هريرة، وله حديث آخر بنحو الآتي.
_________________
(١) قال النووي رحمه الله تعالى في " الا ذكر " (ص ٢٠٣): " واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: " إلزم طرق الهدي ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ". وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته (يشير إلى قول فيس بن عباد). وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغير ها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أو ضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب " آداب القراءة ". والله المستعان ".
[ ٧١ ]
الثاني:
" إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني (قدموني)، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها!؟ يسمع صوتها كل شئ إلا الانسان، ولو سمعه (ل) صعق ".
أخرجه البخاري (٣/ ١٤٢) والنسائي (١/ ٢٧٠) والبيهقي وأحمد (٣/ ٤١، ٥٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
ويشهد للزيادة الأولى حديث أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: " لا تضربوا علي فسطاطا، ولا تتبعوني بمجمر، وأسر عوا بي، فإني سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: " إذا وضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدموني " الحديث نحوه، دون قوله يسمع صوتها أخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه (٧٦٤) والبيهقي والطيالسي (رقم ٢٣٣٦) وأحمد (٢/ ٢٩٢، ٢٧٤، ٥٠٠) بإسناد صحيح على شرط مسلم.
الثالث: عن عبد الرحمن بن جوشن قال: " كنت في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، فجع ل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير، ثم يقولون: رويدا بارك الله فيكم: فلحقهم أبو بكرة في بعض سكك المدينة فحمل عليهم بالبغلة، وشد عليهم بالسوط، وقال: خلوا! والذي أكرم وجه أبي القاسم ﷺ لقد رأيتنا على عهد رسول الله ﷺ لنكاد أن نرمل بها رملا ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٥) والنسائي (١/ ٢٧١) والطحاوي (١/ ٢٧٦) والحاكم (١/ ٢٥٥) والبيهقي (٤/ ٢٢) والطيالسي (٨٨٣) وأحمد (٥/ ٣٦ - ٣٨) قال الحاكم:" صحيح ".ووافقه الذهبي، ومن قبله النووي في " المجموع " (٥/ ٢٧٢) (١)
_________________
(١) وقال فيه (٥/ ٢٧١): " واتفق العلماء على استحباب الاسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع =
[ ٧٢ ]
٥٠ - ويجوز المشي أمامها وخلفها، وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريبا منها، إلا الراكب فيسير خلفها، لقوله ﷺ: " الراكب (يسير) خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، (خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبا منها)، والطفل يصلى عليه، (ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٥) والنسائي (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦) والترمذي (٢/ ١٤٤) وابن ماجه (١/ ٤٥١، ٤٥٨) والطحاوي (١/ ٢٧٨) وابن حبان في " صحيحه " (٧٦٩) والبيهقي (٨٤، ٢٥) والطيالسي (٧٠١ - ٧٠٢) وأحمد (٤/ ٢٤٧، ٢٤٨ - ٢٤٩، ٢٤٩، ٢٥٢) من حديث المغيرة بن شعبة، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
والسياق للنسائي وأحمد في رواية.
والزيادات الثلاث لابي داود والحاكم والطيالسي، ولاحمد الأوليان منها، وللبيهقي الثالثة.
وقال أبو داود وابن حبان: " السقط " بدل " الطفل " وهو رواية للحاكم والبيهقي وأحمد، وعزاها الحافظ في " التلخيص " (٥/ ١٤٧) للترمذي أيضا، وهو وهم فإنما لفظه عنده كلفظ الجماعة.
٥١ - وكل من المشي أمامها وخلفها، ثبت عن رسول الله ﷺ فعلا، كما قال أنس بن مالك ﵁:
_________________
(١) = انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأتي ". قلت: ظاهر الامر الوجوب، وبه قال ابن حزم (٥/ ١٥٤ - ١٥٥)، ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب، فوقفنا عنده. وقال ابن القيم في " زاد المعاد ": " وأما دبيب الناس اليوم خطوة فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود ".
[ ٧٣ ]
" أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها ".
أخرجه الطحاوي (١/ ٢٧٨) من طريقين عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عنه.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين (١).
٥١ - لكن الافضل المشي خلفها، لانه مقتضى قوله ﷺ: " واتبعو الجنائز "، وما في معناه مما تقدم في المسألة (٤٣) أول هذا الفصل.
ويؤيده قول علي ﵁: " المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا ".
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/ ١٠١) والطحاوي (١/ ٢٧٩) والبيهقي (٤/ ٩ ٢٥ وأحمد (٧٥٤) وكذا ابن حزم في " المحلى " (٥/ ١٦٥) وسعيد بن منصور من طريقين عنه، قال الحافظ (٣/ ١٤٣) في أحدهما: " وإسناده حسن، وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الاثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده ".
قلت: لكنه يتقوى بالطريق الآخر (٢).
_________________
(١) قلت: وأما ما في " الجوهر النقي " (٤/ ٢٥): " وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: " ما مشى رسول الله ﷺ حتى مات، إلا خلف الجنازة ". وهذا سند صحيح على شرط الجماعة ". فأقول: كيف وهو مرسل: فإن طاووسا تابعي وقد أرسله، والمرسل ليس حجة عندهم، وقد عارضه حديث أنس الصحيح، وأعله الشوكاني (٤/ ٦٢) ايضا بالارسال، ولكنه قال: " لم أقف عليه في شئ من كتب الحديث "
(٢) تنبيه، قال الشوكاني عقب كلمته السابقة: " وحكى في البحر عن الثوري أنه قال: الراكب يمشي خلفها، والماشي أمامها. ويدل لما قاله حديث المغير ة المقدم أن النبي ﷺ قال: " الراكب خلف الجنازة، والماشي أما مها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها. أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، وهذا مذهب قوي ". قلت: كلا فإن الحديث بهذا اللفظ رواه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، وفيه ضعف وقد زاد غيره فقال: " خلفها وأمامها " كما تقدمت الاشارة إليها، وقد رواها المبارك أيضا عند الطيالسي، فوجب الاخذ بها، وهي نص في التخيير لا في تفضيل التقدم عليها، ومن الغريب أن هذه الزيادة ذكرها صاحب المنتقى في المكان الذي أشار إليه الشوكاني نفسه بقوله آنفا " المتقدم " ثم هو ذهل عنها.
[ ٧٤ ]
٥٢ - ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراء ها لقوله ﷺ: " الراكب يسير خلف الجنازة .. ".
وقد مضى ذلك بتمامه في المسألة (٥٠).
لكن الافضل المشي، لانه المعهور عنه ﷺ، ولم يرد أنه ركب معها بل قال ثوبان ﵁: " إن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٤ - ٦٥) والحاكم (١/ ٣٥٥) والبيهقي (٤/ ٢٣) وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ".
ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
٥٣ - وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز، بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا، ومثله حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: " صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح (ونحن شهود)، (وفي رواية: خرج على جنازة ابن الدحداح (ماشيا»، ثم أتي بفرس عري، فعقله رجل فر كبه (حين انصراف)، فجعل يتوقص به (١)، ونحن نتبعه نسعى خلفه، (وفي رواية: حوله) قال: فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ قال: كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح ".
أخرجه مسلم (٢/ ٦٠ - ٦١) والسياق له، وأبو داود (٢/ ٦٥) والنسائي (١/ ٢٨٤) والترمذي (٢/ ١٣٨) وصححه، والبيهقي (٤/ ٢٢ - ٢٣) والطيالسي (٧٦٠ - ٧٦١) وأحمد (٥/ ٩٨ - ٩٩، ١٠٢) من طرق عن سماك بن حرب عنه.
_________________
(١) أي يثب ويقارب الخطو.
[ ٧٥ ]
والرواية الثانية للنسائي، والزيادة فيها للترمذي في إحدى روايتيه، ومعناها للطيالسي.
والرواية الثالثة لابي داود والترمذي، ولمسلم والبيهقي وأحمد في رواية لهم.
والزيادة الأولى للنسائي والاخرى لابي داود (١).
٥٤ - وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات، فهذه الصورة لا تشرع البتة، وذلك لأمور:
الأول: أنها من عادات الكفار، وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها.
وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا، كنت أستوعبتها وخرجتها في كتابي " حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة "، بعضها في الامر والحض على مخالفتهم في عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم، وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه (٢).
الثاني: أنها بدعة في عبادة، مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة، وكل ماكان كذلك من المحدثات، فهو ضلالة اتفاقا.
الثالث: أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكر الاخرة، كما نص على ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ:
_________________
(١) وهي نص في أنه ﷺ ركب انصرافه من الجنازة، وقد خفي هذا على أبي الطيب صديق حسن خان فاستدل في " الروضة " (١/ ١٧٣) على أن المشبع للجنازة مخير بين أن يمشي أمامها أو خلفها بهذا الحديث فقال: إن الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح! وهذا خطأ من وجهين: الأول: أنه ليس في الحديث ما ذكره، بل هو صريح في أنهم كانوا يمشون حول النبي ﷺ، ولا تلازم بين الامرين كما هو ظاهر. الثاني: أن ذلك كاف عند الانصراف من الجنازة كما سبق، ولعل سبب الوهم رواية عمربن موسى بن الوجيه عن سماك به بلفظ: " رأيت رسول الله ﷺ مع جنازة ثابت بن الدحداح على فرص أغر محجل تحته، ليس عليه سرج، مع الناس وهم حوله قال: فنزل رسول الله ﷺ فصلى عليه ثم جلس حتى فرغ منه، ثم قام فقعد على فرسه ثم انطلق يسير حوله الرجال ". أخرجه أحمد (٥/ ٩٩)، فهذا صريح في الركوب أثناء تشييعها أيضا، ولكنه بهذا السياق باطل لان عمر ابن موسى هذا كان يضع الحديث فلا يحتج به عند الموافقة فكيف عند المخالفة! (٢) وقد قام بطبعه " المكتب الاسلامي " ثانية، وفيها إضافات لم ترد في الطبعة السابقة.
[ ٧٦ ]
" واتبعوا الجنائز تذكركم الاخرة ".
أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك، فإنه ممالا يخفى على البصير أن حمل الميت على الاعناق، ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم، أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة، ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن الذي حمل الاوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به، بسبب تغلب المادة عليهم، وكفرهم بالاخرة!
الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الاجر الذي سبق ذكره في المسألة (٤٥) من هذا الفصل، ذلك لانه لايستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها "
الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولامن بعيد مع ما عرف عن الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات، لا سيما في مثل هذا الامر الخطير: الموت! والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة، لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره!
٥٥ - والقيام لها منسوخ، وهو على نوعين:
أ - قيام الجالس إذا مرت به.
ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الارض.
والدليل على ذلك حديث علي ﵁، وله ألفاظ: الأول: " قام رسول الله ﷺ للجنازة فقمنا، ثم جلس فجلسنا ".
أخرجه مسلم (٣/ ٥٩) وابن ماجه (١/ ٤٦٨) والطحاوي (١/ ٣٨٣) والطيالسي (١٥٠) وأحمد رقم (٦٣١، ١٠٩٤، ١١٦٧).
الثاني: " كان يقوم في الجنائز، ثم جلس بعد ".
رواه مالك (١/ ٣٣٢) وعنه الشافعي في " الام " (١/ ٢٤٧) وأبو داود (٢/ ٦٤).
الثالث: من طريق واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال:
[ ٧٧ ]
" شهدت جنازة في بني سلمة، فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت، ثنى مسعود بن الحكم الزرقي أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁
برحبة الكوفة وهو يقول: " كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس ".
أخرجه الشافعي وأحمد (٦٢٧) والطحاوي (١/ ٢٨٢) وابن حبان في " صحيحه " هذا الوجه بلفظ آخر وهو.
الرابع: " قام رسول الله ﷺ مع الجنائز حتى توضع، وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك، وأمر هم بالقعود ".
الخامس: من طريق اسماعيل بن مسعود (١) بن الحكم الزرقي عن أبيه قال: " شهدت جنازة بالعراق، فرأيت رجالا قياما نيتظرون أن توضع، ورأيت علي ابن أبي طالب ﵁ يشير إليهم أن اجلسوا، فإن النبي ﷺ قد أمرنا بالجلوس بعد القيام " (٢).
أخرجه الطحاوي (١/ ٢٨٢) بسند حسن.
٥٦ - ويستحب لمن حملها أن يتوضأ، لقوله ﷺ:
" من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ ".
وهو حديث صحيح، كما تقدم بيانه في المسألة (٣١).
_________________
(١) وقع في الاصل " اسماعيل بن الحكم بن مسعود " والصواب ما أثبت، وكأنه انقلب على الطابع، أو بعض النساخ.
(٢) قلت: هذا اللفظ والذي قبله صريحان في أن القيام لها حتى توضع داخل في النهي، وأنه منسوخ، فقول صديق حسن خان في " الروضة " (١/ ١٧٦) بعد أن قرر منسوخية القيام لها إذا مرت: " وأما قيام الناس خلفها حتى توضع على حتى توضع على الارض فمحكم لم ينسخ ". فهذا خطأ بين، لمخالفته لما ذكرنا من اللفظين، والظاهر أنه لم يقف عليهما.
[ ٧٨ ]