وكان يرفع (١) يديه عند هذا الاعتدال على الوجوه المتقدمة في تكبيرة
الإحرام، ويقول وهو قائم - كما مر آنفًا -:
١- " ربنا! ولك الحمد ". وتارةً يقول:
٢- " ربنا! لك الحمد ". بدون الواو.
_________________
(١) وكذلك أخرجه الطحاوي (١/١٤٠)، والطيالسي، وأحمد. وفي رواية له (٢/٤٦٧) مثل رواية سهيل المذكورة. وقد تقدم لفظه بتمامه في (القيام) [ص ٨٧] . وسنده سند مسلم.
(٢) وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك عن جمع من الصحابة - وقد بلغوا العشرين - في (الرفع عند الركوع)، وذكرنا أقوال العلماء في هذه المسألة، وأسماء من ذهب إلى مشروعية ذلك من الحنفية، فراجعه إن شئت [ص ٦٠١ - ٦٢٢] .
(٣) هو رواية في حديث أبي هريرة المذكور فيما سبق. ويشهد له أحاديث: منها: عن ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما. وقد مضى في (رفع اليدين) . ومنها: عن عائشة: عند البخاري (٢/٤٢٧)، ومسلم (٣/٢٨)، والطحاوي (١/١٤١) وغيرهم في حديث صلاة الكسوف. ومنها: عن أبي سعيد الخدري في رواية عنه - كما يأتي -.
(٤) هو رواية من حديث أبي هريرة المار سابقًا. وله شواهد: منها: عن حذيفة. وقد ذُكر لفظه بتمامه في (القراءة في صلاة الليل) . ومنها: عن أبي سعيد: عند مسلم وغيره - كما يأتي -.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وأحيانًا يقول:
٣- " اللهم ربنا! ولك الحمد ". تارة بالواو.
_________________
(١) إن إنكار ابن القيم في " الزاد " (١/٧٨) لصحة هذه الرواية الجامعة بين: (اللهم!) و: (الواو)؛ ذهولٌ منه لا يجوز أن يُغتر به؛ لثبوتها في " البخاري " وغيره؛ ولذلك تعجب منه الزرقاني في " شرح المواهب " (٧/٣١٨)، ورد عليه الحافظ في " الفتح " (٢/٢٢٥) . وقد أخرجها البخاري (٢/٢٢٤)، وأحمد أيضًا (٢/٤٥٢) من طرق عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا قال: " سمع الله لمن حمده "؛ قال: " اللهم ربنا! ولك الحمد ". وقد وجدت له طريقًا أخرى أخرجها النسائي (١/١٦٢)، وأحمد (٢/٢٧٠) عن عبد الرزاق قال: ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع؛ قال: " اللهم ربنا! ولك الحمد ". وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وله شواهد: منها: عن ابن عمر في رواية عنه من حديثه المتقدم في (رفع اليدين) . أخرجها الدارمي (١/٣٠٠) . ومنها: عن أبي سعيد الخدري: عند البيهقي (٢/٩٤) . ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
_________________
(١) وقد ثبتت هذه الرواية من حديث أبي هريرة أيضًا من طرق عنه أمْرًا بها، وكذا من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري. وقد سبق تخريجها قريبًا. وروى البيهقي (٢/٩٦) القول بها عن علي بن أبي طالب من طريق أبي إسحاق عن الحارث عنه. وبالجملة؛ فمجيء هذه الرواية من هذه الطرق المختلفة عن هؤلاء الصحابة مما يبعد القول بعدم صحتها - كما فعل ابن القيم - كلَّ البعد. وأما قول الشوكاني - بعد أن حكى كلام ابن القيم (٢/٢١٠) -: " وأقول: قد ثبت الجمع بينهما في " صحيح البخاري " في (باب صلاة القاعد) من حديث أنس بلفظ: " وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم ربنا! ولك الحمد) ". وقد تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من " صحيح البخاري ". كذا قال! ولم أجده بهذا اللفظ في شيء من النسخ المطبوعة، وإنما هو في الباب المذكور (٢/٤٦٧) بلفظ: " ربنا! ولك الحمد ".. بدون: " اللهم! ". وكذلك ورد في (باب إنما جعل الإمام ليؤتم به) من " صحيحه " (٢/١٤٣)، وعليه مشى الحافظ في " شرحه "، ولم يُشِرْ أدنى إشارة إلى هذه الزيادة من حديث أنس. وكذلك ورد الحديث بدون الزيادة في " صحيح مسلم " (٢/١٨)، و" سنن أبي داود " (١/٩٨)، والنسائي (١/١٦٢)، والترمذي (٢/١٩٤)، والدارمي (١/٣٨٧)، وابن ماجه (١/٣٧٤)، ومالك (١/١٥٥) وغيرهم. وقد مضى الحديث في (الصلاة قاعدًا) - فلعل النُّسخَ التي أشار إليها الشوكاني
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وتارة بدونها:
٤- " اللهم ربنا! لك الحمد ".
_________________
(١) نُسِخَت عن نسخة شاذة غير صحيحة. والله أعلم. ثم قال الحافظ في شرح حديث أبي هريرة: " قوله: (اللهم ربنا!): ثبت في أكثر الطرق هكذا، وفي بعضها بحذف: " اللهم! "، وثبوتها أرجح، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تكرير النداء؛ كأنه قال: يا الله! يا ربنا! قوله: (ولك الحمد): كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة، وفي بعضها - كما في الباب الذي يليه - بحذفها. قال النووي: المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر. وقال ابن دقيق العيد: كأن إثبات الواو دال على معنى زائد؛ لأنه يكون التقدير مثلًا: (ربنا! استجب ولك الحمد)؛ فيشتمل على معنى الدعاء، ومعنى الخبر ".
(٢) هو رواية من حديث أبي هريرة المتقدم آنفًا من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عنه. أخرجه بهذا اللفظ الطيالسي (٣٠٥)، والطحاوي (١/١٤١)، والبيهقي (٢/٩٥) . وله شواهد: منها: عن علي بن أبي طالب في حديثه الطويل في أذكار الصلاة. وقد مضى في (الاستفتاح) . أخرجه بهذا اللفظ مسلم، والترمذي، والطحاوي (١/١٤٠)، والدارقطني (١٣٠)، والبيهقي، والطيالسي. ورواه أبو داود، والترمذي (٢/٥٣)، وأحمد، وكذا مسلم في رواية، وابن نصر
(٣) ، والدارقطني أيضًا في رواية بلفظ:
[ ٢ / ٦٨٥ ]
_________________
(١) " ربنا! ولك الحمد ". وكذلك رواه الدارمي (١/٣٠١)؛ إلا أنه لم يذكر فيه (الواو) . ومنها: عن عبد الله بن أبي أوفى. أخرجه مسلم (٢/٤٦ - ٤٧)، وأبو داود (١/١٣٥)، وابن ماجه (١/٢٨٦)، وأحمد (٤/٣٥٣ و٣٥٤ و٣٨١)، والطحاوي (١/١٤٠ - ١٤١)، والبيهقي (٢/٩٤) . وفي الباب عن ابن عباس، وأبي سعيد - كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى -. قال النووي في " المجموع " (٣/٤١٨) - بعد أن ذكره بهذا اللفظ والألفاظ الثلاثة التي قبله -: " وكله في " الصحيح ". قال الشافعي والأصحاب: كله جائز ". ثم قال: " قال صاحب " الحاوي " وغيره: يستحب للإمام أن يجهر بقوله: (سمع الله لمن حمده)؛ ليسمعَ المأمومون، ويعلموا انتقاله، كما يجهر بالتكبير، ويسر بقوله: (ربنا! لك الحمد)؛ لأنه يفعله في الاعتدال، فأسر به؛ كالتسبيح في الركوع والسجود. وأما المأموم؛ فيُسِرُّ بهما، كما يُسِرُّ بالتكبير، فإن أراد تبليغَ غيره انتقالَ الإمامِ - كما يبلغ التكبيرَ -؛ جهر بقوله: (سمع الله لمن حمده)؛ لأنه المشروع في حال الارتفاع، ولا يجهر بقوله: (ربنا! لك الحمد)؛ لأنه إنما يشرع في حال الاعتدال ". قلت: وفي جهر الإمام بالتسميع حديث أبي سعيد الخدري: أنه جهر بالتكبير حين افتتح الصلاة الحديث. وفيه: وحين قال: " سمع الله لمن حمده " الحديث. وفيه: هكذا رأيت رسول الله يصلي. وقد مضى في (التكبير) . ولكنه ليس صريحًا في ذلك؛ لاحتمال أن يكون المراد: وجهر بالتكبير حين قال: " سمع الله لمن حمده ". ويعني به: التكبير للهُويّ إلى السجود، ويحتمل أن المراد: وجهر حين قال: " سمع الله لمن حمده ". أي: به. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
﴿وكان يأمر بذلك، فيقول:
" إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم رَبَّنا! لك
الحمد)؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه " (*)﴾ .
وكان تارةً يزيد على ذلك إما:
٥- " ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد ".
وإما:
_________________
(١) (*) سبق تخريجه (ص ٦٨١)، وتقدم في (القيام) (ص ٨٧) .
(٢) هو من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ. إذا رفع ظهره من الركوع؛ قال: " سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا! لك الحمد، ملء السماوات ". إلخ دون الزيادة (*) . أخرجه مسلم (٢/٤٦ - ٤٧)، وأبو عوانة (٢/١٧٧)، وأبو داود، وابن ماجه، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد - كما سبق قريبًا -؛ رووه كلهم - حاشا الطحاوي - عن الأعمش عن عبيد بن الحسن عنه. وقد تابعه قيس بن الربيع: عند الطيالسي - كما يأتي -. وكذلك تابعه مِسْعَر: عند أحمد (٤/٣٥٥ و٣٥٦)، لكن لم يقل: إذا رفع ظهره من الركوع. (*) يعني: قوله: " اللهم! طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد. اللهم! طهرني من الذنوب والخطايا؛ كما ينقى الثوبُ الأبيض من الوسخ (وفي لفظ: الدرن. وفي آخر: الدَّنَس) ". وهذه زيادة كان الشيخ قد أثبتها في المتن، ثم ضرب عليها، وقال: " ضربنا عليه؛ لأنه ليس في شيء من طرقه أنه كان يقوله بعد الركوع، وإنما هو مطلق ". وقد أثبتناه؛ لما له من تعلق بالتخريج كما سيمر معك.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
_________________
(١) وكذلك أخرجه الطحاوي عن شعبة: أخبرني عبيد بن حسن به. وكذلك أخرجه مسلم، وأحمد في رواية. وأخرجه الطيالسي (١١٠) قال: ثنا شعبة وقيس عن عُبيد بن الحسن به. قال أبو داود: " قال قيس في حديثه: كان رسول الله ﷺ يقول هذا إذا رفع رأسه من الركوع ". ثم قال أبو داود: " قال شعبة: وسمعت مَجْزأة بن زاهر يقول: سمعت ابن أبي أوفى يذكر هذا الدعاء وزاد فيه: " اللهم! طهرني " إلخ. وكذلك أخرجه مسلم، والبخاري في " الأدب المفرد " (٩٩) . وتابعه عنده (٩٨) إسرائيل عن مَجْزَأَة، وأحمد (٤/٣٥٤) عن شعبة به مرفوعًا مصرحًا به. لكنه مطلق أيضًا؛ ليس فيه تقييده بما بعد الركوع. وروى النسائي (١/٧٠) منه هذه الزيادة. وتابعه عنده رقبة عن مجزأة، والترمذي (٢/٢٧١ - طبع بولاق) من طريق أخرى. وله كذلك طريق أخرى أخرجه الإمام أحمد (٤/٣٨١) عن ليث عن مُدْرِك عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله ﷺ كان يدعو؛ فيقول: " اللهم! طهرني بالثلج " إلخ. وزاد: " وباعد بيني وبين ذنوبي؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم! إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع، اللهم! إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع، اللهم! إني أسألك عيشة نقية، وميتة سوية، ومردًّا غيرَ مُخزٍ ".
[ ٢ / ٦٨٨ ]
_________________
(١) وليث هو: ابن أبي سليم، وفيه كلام. ومدرك هو: ابن عمارة بن عُقبة، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وهو من رجال " التعجيل ". فقد ظهر بهذه الطرق أن قوله: " اللهم! طهرني ". لم يأت ولو في طريق واحد أنه كان يقوله بعد الركوع. فعليه: فإيراده فيما يقال بعد الركوع - كما فعل ابن القيم في " زاد المعاد "، وغيره في غيره - ليس بجيد. فتنبه. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا قال: " سمع الله لمن حمده ". قال: " اللهم ربنا! لك الحمد ملء السماوات " إلخ. أخرجه مسلم (٢/٤٨)، و﴿أبو عوانة [٢/١٧٦]﴾، والنسائي (١/١٦٢)، والطحاوي (١/١٤٠)، والبيهقي (٢/٩٤)، وأحمد (١/٣٧٠) من طرق عن هشام بن حسان: ثنا قيس بن سعد عن عطاء عنه. وأخرجه أحمد (١/٢٧٠) من طريق حماد - يعني: ابن سلمة - عن قيس بن سعد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وكذلك أخرجه أيضًا (١/٢٧٥ و٣٣٣) من طرق أخرى عن سعيد بن جبير به. ثم أخرجه مسلم، ﴿وأبو عوانة [٢/١٧٧]﴾، والبيهقي من طريق هُشيم بن بَشِير عن هشام بن حسان به بزيادة: " أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
[ ٢ / ٦٨٩ ]
٦- " مِلْءَ (١) السماوات، و[مِلْءَ] الأرض، و[مِلْءَ] ما بينهما، ومِلْءَ ما
شئت من شيء بعد " (٢) .
_________________
(١) وله شاهد من حديث ابن مسعود. أخرجه الطبراني في " الكبير " من طرق في بعضها: أشعث بن سَوَّار، وفي الأخرى: محمد بن أبي ليلى، وفي كل منهما ضعف.
(٢) بكسر الميم، وبنصب الهمزة بعد اللام ورفعها. واختلف في الراجح منهما، والأشهر النصب. كما قال النووي. قال العلماء: معناه: حمدًا لو كان أجسامًا؛ لملأ السماوات والأرض. وقال السندي: " تمثيل وتقريب. والمراد تكثير العدد، أو تعظيم القدر. " وملء ما شئت من شيء بعد ": كالعرض والكرسي ونحوهما مما في مقدور الله تعالى ".
(٣) روى ذلك علي بن أبي طالب ﵁ في حديثه الطويل المتقدم [ص ٢٤٢]، والزيادتان عند مسلم، والترمذي، وابن نصر، والبيهقي في رواية، والطيالسي. والأولى فقط عند أبي داود، والدارقطني. والثانية عند الدارمي. قال الترمذي - بعد أن ساق الحديث -: " والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي؛ قال: يقول هذا في المكتوبة والتطوع. وقال بعض أهل الكوفة: يقول هذا في صلاة التطوع، ولا يقولها في صلاة المكتوبة ". قلت: والصواب ما قاله الشافعي؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ، وهو قول الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه؛ فقد قال إسحاق بن منصور المروزي في " مسائله ": " قلت - يعني لأحمد -: إذا رفع رأسه من الركوع يزيدُ على " ربنا! ولك الحمد "؟ قال: إذا كان وحده؛ يقول: " ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء
[ ٢ / ٦٩٠ ]
_________________
(١) بعد ". وإذا كان خلف الإمام فقال الإمام: " سمع الله لمن حمده ". وقال من خلفه: " ربنا! ولك الحمد ". وإن شاء قال: " اللهم ربنا! ولك الحمد ". قال إسحاق - يعني: ابن راهويه -: كما قال - يعني: أحمد -، ولكن من خلفه يقولون مثل ما قال الإمام: " ربنا! ولك الحمد " إلى قوله: " ما شئت من شيء بعد ". وإن مدَّ إلى: " منك الجد " إذا كان إمامًا؛ أحب إلي في المكتوبة والتطوع ". اهـ. والظاهر أنه سقط من جواب الإمام أحمد شيء من الكلام، ولعل ما في " مسائل أبي داود " عنه يتمه ويوضحه. قال أبو داود (٣٣ - ٣٤): " سمعت أحمد سئل: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع مع الإمام؟ قال: إذا قال الإمام: " سمع الله لمن حمده، ربنا! ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد ". يقول من خلفه: " ربنا! لك الحمد ". وإن شاؤوا: " اللهم ربنا! لك الحمد ". لا يزيدون على ذلك ". قال أبو داود: " وسمعته سئل عن إمام رفع رأسه فأطال القيام؟ قال: لا يقول من خلفه إلا: " ربنا! ولك الحمد ". ثم قال أبو داود: " قلت لأحمد مرة أخرى: أدعو بدعاء ابن أبي أوفى إذا رفعت رأسي من الركوع؟ قال: إذا كنت تصلي وحدك؛ تقوله، أو يكون الإمام يقوله. قلت: في الفريضة؟ قال: نعم ". اهـ. فكلام أحمد متفق مع كلام إسحاق والشافعي في استحباب ذلك في المكتوبة، لكن أحمد كان يمنع المؤتم من ذلك، ولعله خشية أن تفوتَه متابعة الإمام بسبب ذلك، ولكنه رجع أخيرًا إلى استحباب ذلك؛ إذا كان الإمام يطيل القيام، ويقول ذلك، وهذا هو الحق؛ لعموم قوله ﷺ:
[ ٢ / ٦٩١ ]
وتارة يضيف إلى ذلك قوله:
٧- " أهل (١) الثناء والمجد، لا مانع لما (٢) أعطيت، ولا معطي لما (٢) منعت،
ولا ينفع ذا الجَدِّ (٣) منك الجَدُّ ".
_________________
(١) " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وقوله: " إنما جعل الإمام ليؤتم به ". ثم ما تقدم في رواية المروزي: " وإن شاء قال: " اللهم ربنا! ولك الحمد " ". كذا في النسخة الظاهرية، وأخشى أن تكون الواو زائدة؛ فقد قال أبو داود في " مسائله " (٣٤): " قلت لأحمد: إذا قال: " اللهم! " لا يقول - يعني: الواو في: " ربنا! ولك الحمد " -؟ قال: نعم ". فهذا نص صريح منه في أنه لا يرى الجمع بين: " اللهم! " و: (الواو)، ولعل ذلك مستند ابن القيم في إنكار ذلك، وقد سبق الرد عليه، وبيان الروايات الواردة في الجمع بينهما.
(٢) هو من حديث ابن عباس ﵁ في رواية لمسلم، ﴿وأبي عوانة﴾، والبيهقي. وقد سبق قريبًا.
(٣) بالنصب على الاختصاص والمدح، أو بتقدير: يا أهلَ الثناء! أو بالرفع بتقدير: أنت أهلُ الثناء. و(المجد): العظمة، ونهاية الشرف.
(٤) (ما) هنا: يعم العقلاء وغيرهم. كما قال السندي.
(٥) بالفتح على الصحيح المشهور - كما قال النووي -. وهو الحظ والغنى، والعظمة والسلطان؛ أي: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد، والعظمة والسلطان منك حظُّه؛ أي: لا ينجيه حظُّه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح؛ كقوله تعالى: ﴿المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ .
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وتارة تكون بإضافة:
٨- " ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد،
_________________
(١) هو من حديث أبي سعيد الخدري قال: كإن رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع؛ قال: " ربنا! لك الحمد ملء السماوات " إلخ. أخرجه الدارمي (١/٣٠١)، وعنه مسلم (٢/٤٧)، ﴿وأبو عوانة [٢/١٧٦]﴾، والبيهقي (٢/٩٤)، وأبو داود (١/١٣٥)، والنسائي (١/١٦٣)، والطحاوي (١/١٤١)، وابن نصر (٧٧)، والبيهقي أيضًا، وأحمد (٣/٨٧)؛ كلهم - إلا ابن نصر - عن سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن قَزَعَةَ عنه. وأما ابن نصر؛ فقال: عن سُويد بن عبد العزيز: ثني بُريد ابن أبي مريم عن قَزَعَةَ به. والزيادتان عند الدارمي، ومسلم، وابن نصر. والأخرى منهما عند أبي داود، ﴿وأبي عوانة﴾ . وللحديث شاهد من حديث شَرِيك عن أبي عمر - وهو المَنْبِهي - قال: سمعت أبا جُحَيفة يقول: ذكرت الجدود عند رسول الله ﷺ وهو في الصلاة؛ فقال رجل: جد فلان في الخيل. وقال آخر: جد فلان في الإبل. وقال آخر: جد فلان في الغنم. وقال آخر: جد فلان في الرقيق. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، ورفع رأسه من آخر الركعة؛ قال: " اللهم ربنا! لك الحمد " إلخ. دون قوله: " أهل الثناء " إلى قوله: " وكلنا لك عبد ". وزاد: وطوَّل رسول الله ﷺ صوته بالجد؛ ليعلموا أنه ليس كما يقولون.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
أهل الثناء والمجد، أحق (١) ما قال العبد - وكلنا لك عبد -[اللهم!] لا مانع
لما أعطيت، [ولا معطي لما منعت]، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ ".
وتارة يقول في صلاة الليل:
٩- " لربي الحمد، لربي الحمد ". يكرر ذلك؛ حتى كان قيامه نحوًا
من ركوعه الذي كان قريبًا من قيامه الأول، وكان قرأ فيه سورة ﴿البَقَرَة﴾ .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١/٢٨٦ - ٢٨٧)، والطحاوي (١/١٤١) بنحوه. وأبو عمر هذا: مجهول - كما في " التقريب " وغيره -؛ تفرد عنه شريك هذا - وهو: ابن عبد الله -؛ كما في " الميزان " وغيره.
(٢) مبتدأ خبره: " اللهم! لا مانع " إلخ. واعترض بينهما: " وكلنا لك عبد ". قال النووي: " وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب؛ للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت ، وكلنا لك عبد. فينبغي لنا أن نقوله. وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ؛ فقد أخبر النبي ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى - أن هذا أحق ما قاله العبد، فينبغي أن نحافظ عليه؛ لأن كلنا عبد، ولا نهمله، وإنما كان أحق ما قاله العبد؛ لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة ".
(٣) هو من حديث حذيفة ﵁: عند أصحاب " السنن " وغيرهم. وقد مضى لفظه بتمامه في آخر نوع من (أدعية الاستفتاح)، ﴿وهو مخرج في " الإرواء "
(٤) ﴾ .
[ ٢ / ٦٩٤ ]
١٠- " ربنا! ولك الحمد؛ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، [مباركًا
_________________
(١) هو من حديث رِفاعة بن رافع قال: كنا يومًا نصلي وراء رسول الله ﷺ الحديث. أخرجه مالك (١/٢١٤)، وعنه البخاري (٢/٢٢٧ - ٢٢٨)، وأبو داود (١/١٢٣)، والنسائي (١/١٦٢)، والبيهقي (٢/٩٥)، وأحمد (٤/٣٤٠) - كلهم عن مالك - عن نُعَيم بن عبد الله المُجْمِر عن علي بن يحيى الزُّرَقي عن أبيه عنه. وكذلك أخرجه الحاكم (١/٢٢٥) عن مالك، وقال: " صحيح. ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي. وقد وهما في الاستدراك على البخاري. وله طريق أخرى - وفيها الزيادة - عند أبي داود، والنسائي (١/١٤٧)، والترمذي (٢/٢٥٤ - ٢٥٥)، والبيهقي عن رِفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رِفاعة بن رافع الزُّرَقي عن عم أبيه مُعاذ بن رفاعة عن أبيه بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ، فعطست؛ فقلت: الحمد لله؛ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه؛ كما يحب ربنا ويرضى. فلما صلى رسول الله ﷺ؛ انصرف فقال: " من المتكلم في الصلاة؟ ". فلم يتكلم أحد. ثم قالها الثانية: " من المتكلم في الصلاة؟ ". فلم يتكلم أحد. ثم قالها الثالثة: " من المتكلم في الصلاة؟ ". فقال رفاعة بن رافعِ ابن عفراء: أنا يا رسول الله! الحديث. والباقي نحوه. وقال الترمذي: " حديث حسن ". وهو كما قال. وفيه زيادات ليست في الأول، كما أن في هذا أن ذلك كان بعد العطاس، وفي ذاك أنه كان بعد الركوع، وقد جمع الحافظ بينهما بأن العطاس كان وقع بعد الرفع من الركوع.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
عليه (١)؛ كما يحب ربنا ويرضى] ".
قاله رجل كان يصلي وراءه ﷺ بعدما رفع ﷺ رأسه من الركعة وقال:
" سمع الله لمن حمده "، فلما انصرف رسول الله ﷺ؛ قال:
" من المتكلم آنفًا؟ ". فقال الرجل: أنا يا رسول الله! فقال رسول
الله ﷺ:
_________________
(١) وللحديث شواهد: منها: عن عامر بن ربيعة: عند أبي داود بنحو حديث رِفاعة بن يحيى. وسنده ضعيف. وأما العراقي؛ فقال في " تخريج الإحياء " (٢/١٨٣): " وإسناده جيد "! ومنها: عن ابن عمرو: عند البزار. وعن ابن عمر: عند الطبراني في " الكبير " بنحو حديث مالك. وإسناد كل منهما ضعيف. وعن وائل بن حُجْر، وليس فيه ذكر الركوع ولا العطاس. رواه النسائي، وأحمد (٤/٣١٧) . ورجاله ثقات رجال مسلم، لكنه منقطع.
(٢) قال الحافظ: " يحتمل أن يكون تأكيدًا - يعني: لقوله: مباركًا فيه. قال: -، وهو الظاهر. وقيل: الأول: بمعنى الزيادة. والثاني: بمعنى البقاء. قال: وأما قوله: (كما يحب ربنا ويرضى)؛ ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد ". اهـ. وفي الحديث هذا الذكر في هذا الموضع، ويستحب أن يضم إليه ما سبق من الأنواع مما كان يقوله ﵊ على اختلاف الأحوال؛ إذا كان يريد إطالة هذا القيام؛
[ ٢ / ٦٩٦ ]
" لقد رأيت بضعة (١) وثلاثين ملكًا يَبْتَدِرُوْنَها (٢)؛ أيهم يكتبها أولًا (٣) ".
_________________
(١) اتباعًا للسنة - كما ذكرنا فيما تقدم، ويأتي قريبًا -. وقد قال النووي في " الأذكار ": " يستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها، فإن اقتصر؛ فعلى: " سمع الله لمن حمده، ربنا! لك الحمد ". فلا أقل من ذلك ". قلت: وهو بهذا الكلام يخالف لما هو الأصح من مذهب الشافعية؛ وهو أن الصلاة تبطل بإطالة هذا الاعتدال؛ لأنه ركن قصير عندهم. ولكن النووي ﵀ ليس بالإمَّعة، بل شأنه شأن المحققين المنصفين من العلماء؛ يدورون مع الحق حيث دار؛ غير متحيزين لفئة، ولا متعصبين لمذهب؛ بل يتبعون ما صح عندهم من السنة المحمدية. وقد ذكر في " المجموع " (٤/١٢٦ - ١٢٧) الخلاف في هذه المسألة، ثم عقب ذلك بذكر حديث حذيفة في صلاة النبي ﷺ في الليل، وفيه: أنه قرأ في ركعة بـ: ﴿البَقَرَة﴾ و﴿النِّسَاء﴾ و﴿آلِ عِمْرَان﴾، ثم ركع نحوًا من قيامه. ثم قال: " سمع الله لمن حمده، ربنا! لك الحمد ". ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع. ثم قال النووي: " وفيه التصريح بجواز إطالة الاعتدال بالذكر، والجواب عنه صعب على من منع الإطالة؛ فالأقوى جوازها بالذكر ". اهـ. وإلى هذا ذهب المحقق ابن دقيق العيد - كما سيأتي كلامه في ذلك قريبًا -.
(٢) فيه رد على من زعم - كالجوهري - أن البضع يختص بما دون العشرين. كذا في " الفتح ".
(٣) أي: يَسْتَبِقُون في كتابتها؛ يريد كل منهم أن يسبق صاحبه في ذلك، قاصدين (أيهم يكتبها أولًا)؛ أي: سابقًا، وقبل الآخرين. وضمير التأنيث لهذه الكلمات.
(٤) روي بالنصب على الحال، وروي بالضم على البناء؛ لقطعه عن الإضافة.
[ ٢ / ٦٩٧ ]