ورام أن يردها إلى مبلغ نظره؛ فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله أيضًا،
وتقحم في الفتوى بلا علم؛ فهو أشد عمى، وأضل سبيلًا ".
فهذا الحق ليس به خفاءُ فدعني عن بُنَيّات الطريقِ
٤- ثم إن هناك وهمًا شائعًا عند بعض المقلدين، يصدهم عن اتباع السنة،
التي تبين لهم أن المذاهب على خلافها، وهر ظنهم أن اتباع السنة يستلزم
تخطئة صاحب المذهب، والتخطئة معناها عندهم: الطعن في الإمام، ولما كان
الطعن في فرد من أفراد المسلمين لا يجوز؛ فكيف في إمام من أئمتهم؟!
والجواب: أن هذا المعنى باطل؛ وسببه الانصراف عن التفقه في السنة،
وإلا؛ فكيف يقول ذلك المعنى مسلم عاقل؟! ورسول الله ﷺ هو القائل:
" إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد،
فأخطأ؛ فله أجر واحد " (١) .
فهذا الحديث يرد ذلك المعنى، ويبين بوضوح لا غموض فيه أن قول
القائل: (أخطأ فلان) معناه في الشرع: (أثيب فلان أجرًا واحدًا)، فإذا كان
مأجورًا في رأي من خطأه؛ فكيف يتوهم من تخطئته إياه الطعن فيه؟! لا شك
أن هذا التوهم أمر باطل، يجب على كل من قام به أن يرجع عنه، وإلا؛ فهو
الذي يطعن في المسلمين، وليس في فرد عادي منهم، بل في كبار أئمتهم؛
من الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم مِن الأئمة المجتهدين وغيرهم، فإننا
نعلم يقينًا أن هؤلاء الأجلَّة كان يخَطِّئ بعضهم بعضًا، ويرد بعضهم على
بعض (٢)، أفيقول عاقل: إن بعضهم كان يطعن في بعض. بل لقد صح أن
_________________
(١) [رواه] البخاري، ومسلم.
(٢) انظر كلام الإمام المزني المتقدم آنفًا (ص ٤٢)، وكلام الحافظ ابن رجب المتقدم (ص ٣٣ - ٣٤) .
[ ١ / ٥٠ ]
رسول الله ﷺ خطَّأ أبا بكر ﵁ في تأويله لرؤيا كان رآها رجل،
فقال ﷺ له:
" أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا " (١) . فهل طعن ﷺ في أبي بكر بهذه الكلمة؟!
ومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه؛ أنه يصدهم عن اتباع السنة
المخالفة لمذهبهم؛ لأن اتباعهم إياها معناه عندهم: الطعن في الإمام، وأما
اتباعهم إياه - ولو في خلاف السنة - فمعناه احترامه: وتعظيمه! ولذلك فهم
يصرون على تقليده؛ فرارًا من الطعن الموهوم.
ولقد نسي هؤلاء - ولا أقول: تناسوا - أنهم بسبب هذا الوهم؛ وقعوا فيما
هو شر مما منه فروا، فإنه لو قال لهم قائل: إذا كان الاتباع يدل على احترام
المتبوع، ومخالفته تدل على الطعن فيه؛ فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة
النبي ﷺ، وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذهب في خلاف السنة، وهو غير
معصوم، والطعن فيه ليس كفرًا؟! فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعنًا
فيه؛ فمخالفته الرسول ﷺ أظهر في كونها طعنًا فيه؛ بل ذلك هو الكفر بعينه
- والعياذ بالله منه -. لو قال لهم ذلك قائل؛ لم يستطيعوا عليه جوابًا؛ اللهم!
إلا كلمة واحدة - طالما سمعناها من بعضهم - وهي قولهم: إنما تركنا السنة؛
ثقةً منا بإمام المذهب، وأنه أعلم بالسنة منا.
وجوابنا على هذه الكلمة من وجوه يطول الكلام عليها في هذه المقدمة؛
ولذلك فإني أقتصر على وجه واحد منها، وهو جواب فاصل بإذن الله، فأقول:
ليس إمام مذهبكم فقط هو أعلم منكم بالسنة؛ بل هناك عشرات؛ بل
مئات الأئمة هم أعلم أيضًا منكم بالسنة، فإذا جاءت السنة الصحيحة على
_________________
(١) [رواه] البخاري، ومسلم. وراجع سببه، وتخريجه في " الأحاديث الصحيحة " (١٢١) .
[ ١ / ٥١ ]
خلاف مذهبكم - وكان قد أخذ بها أحد من أولئك الأئمة -؛ فالأخذ بها
- والحالة هذه - حتم لازم عندكم؛ لأن كلمتكم المذكورة لا تَنْفُق هنا، فإن
مخالفكم سيقول لكم معارضًا: إنما أخذنا بهذه السنة؛ ثقة منا بالإمام الذي
أخذ بها؛ فاتباعه أولى من اتباع الإمام الذي خالفها. وهذا بيِّن لا يخفى على
أحد إن شاء الله تعالى.
ولذلك؛ فإني أستطيع أن أقول:
إن كتابنا هذا لمَّا جمع السنن الثابتة عنه ﷺ في صفة صلاته؛ فلا عذر
لأحد في ترك العمل بها؛ لأنه ليس فيه ما اتفق العلماء على تركه - حاشاهم
من ذلك -؛ بل ما من مسألة وردت فيه؛ إلا وقد قال بها طائفة منهم، ومن
لم يقل بها؛ فهو معذور، ومأجور أجرًا واحدًا؛ لأنه لم يرد إليه النص بها
إطلاقًا، أو ورد لكن بطريق لا تقوم عنده به الحجة، أو لغير ذلك من الأعذار
المعروفة لدى العلماء.
وأما من ثبت النص عنده من بعده؛ فلا عذر له في تقليده؛ بل الواجب
اتباع النص المعصوم، وذلك هو المقصود من هذه المقدمة، والله ﷿ يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٤) .
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وهو نعم المولى ونعم النصير. وصلى
الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق ٥/٢٠/١٣٨١ هـ
[ ١ / ٥٢ ]
صفة
صلاة النبي ﷺ
من التكبير إلى التسليم كأنك تراها
[ ١ / ٥٣ ]