وأما الإمام أحمد؛ فهو أكثر الأئمة جمعًا للسنة وتمسكًا بها، حتى " كان
يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي " (٥)؛ ولذلك قال:
_________________
(١) = اقتصر على ما عهده من مذهب أهل بلده، ولم يجتهد في معرفة صحة ما خالفه، والله يغفر لنا ولهم ".
(٢) أبو نعيم في " الحلية " (٩/١٠٧)، والهروي (١/٤٧)، وابن القيم في " إعلام الموقعين " (٢/٣٦٣)، والفلاني (ص ١٠٤) .
(٣) رواه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي " (ص ٩٣)، وأبو القاسم السمرقندي في " الأمالي " - كما في " المنتقى منها " لأبي حفص المؤدب (١/٢٣٤) -، وأبو نعيم في " الحلية " (٩/١٠٦)، وابن عساكر (١٥/١٠/١) بسند صحيح.
(٤) ابن أبي حاتم (ص ٩٣)، وأبو نعيم، وابن عساكر (١٥/٩/٢) بسند صحيح.
(٥) ابن أبي حاتم (ص ٩٣ - ٩٤) .
(٦) ابن الجوزي في " المناقب " (ص ١٩٢) .
[ ١ / ٣١ ]
١- " لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري،
وخذ من حيث أخذوا " (١) . وفي رواية:
" لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه؛ فَخُذ
به، ثم التابعين بَعْدُ؛ الرجلُ فيه مخيَّر ". وقال مرة:
" الاتِّباع: أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من
بعد التابعين مخيّر " (٢) .
٢- " رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة؛ كله رأي، وهو
عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار" (٣) .
٣- " من رد حديث رسول الله ﷺ؛ فهو على شفا هَلَكة " (٤) .
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك
بالحديث، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان بحيث
لا تقبل جدلًا ولا تأويلًا.
وعليه؛ فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة، ولو خالف بعض أقوال الأئمة؛
لا يكون مباينًا لمذهبهم، ولا خارجًا عن طريقتهم؛ بل هو متبع لهم جميعًا،
ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة
لمجرد مخالفتها لقولهم؛ بل هو بذلك عاصٍ لهم، ومخالف لأقوالهم المتقدمة، والله
تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا
_________________
(١) الفلاني (١١٣)، وابن القيم في " الإعلام " (٢/٣٠٢) .
(٢) أبو داود في " مسائل الإمام أحمد " (ص ٢٧٦ و٢٧٧) .
(٣) ابن عبد البر في " الجامع " (٢/١٤٩) .
(٤) ابن الجوزي (ص ١٨٢) .
[ ١ / ٣٢ ]
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
" فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول ﷺ، وعرفه؛ أن يبينه للأمة،
وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة؛ فإن
أمر رسول الله ﷺ أحق أن يُعَظَّم ويُقتدى به من رأي أي مُعَظَّم قد خالف أمره
في بعض الأشياء خطأً، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف
سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد (١)، لا بغضًا له؛ بل هو محبوب عندهم
مُعَظَّم في نفوسهم، لكن رسول الله أحب إليهم، وأمره فوق أمر كل مخلوق،
فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره؛ فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع، ولا يمنع
_________________
(١) قلت: حتى ولو على آبائهم وعلمائهم؛ كما روى الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (١/٣٧٢)، وأبو يعلى في " مسنده " (٣/١٣١٧ - مصورة الكتب) بإسناد جيد رجاله ثقات عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: " إني لجالس مع ابن عمر ﵁ في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال ابن عمر: حسن جميل. فقال: فإن أباك كان ينهى عن ذلك؟ فقال: ويلك! فإن كان أبي قد نهى عن ذلك، وقد فعله رسول الله ﷺ، وأمر به؛ فبقول أبي تأخذ، أم بأمر رسول الله ﷺ؟! قال: بأمر رسول الله ﷺ. فقال: فقم عني ". وروى أحمد (رقم ٥٧٠٠) نحوه، والترمذي (٢/٨٢ - بشرح التحفة) وصححه. وروى ابن عساكر (٧/٥١/١) عن ابن أبي ذئب قال: =
[ ١ / ٣٣ ]
من ذلك تعظيم من خالف أمره، وإن كان مغفورًا له (١)، بل ذلك المُخَالَف
المغفور له لا يكره أن يخالف أمره؛ إذا ظهر أمر الرسول ﷺ بخلافه " (٢) .
قلت: كيف يكرهون ذلك؛ وقد أمروا به أتباعهم - كما مر -، وأوجبوا عليهم
أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة؟! بل إن الشافعي ﵀ أمر أصحابه أن
ينسبوا السنة الصحيحة إليه، ولو لم يأخذ بها، أو أخذ بخلافها؛ ولذلك لما جمع
المحقق ابن دقيق العيد ﵀ المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة
الأربعة الحديث الصحيح فيها - انفرادًا، واجتماعًا - في مجلد ضخم؛ قال في أوله:
" إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام، وإنه يجب على
الفقهاء المقلدين لهم معرفتها؛ لئلا يعزوها إليهم؛ فيكذبوا عليهم " (٣) .
_________________
(١) = قضى سعد بن إبراهيم (يعني: ابن عبد الرحمن بن عوف) على رجل برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن رسول الله ﷺ بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب - وهو عندي ثقة - يحدث عن النبي ﷺ بخلاف ما قضيت به. فقال له ربيعة: قد اجتهدت، ومضى حكمك. فقال سعد: واعجبًا! أُنَفذّ قضاء سعد و[لا] أُنَفّذ قضاء رسول الله ﷺ؟! بل أرد قضاء سعد ابن أم سعد، وأنفذ قضاء رسول الله ﷺ. فدعا سعد بكتاب القضية فشقه، وقضى للمقضي عليه.
(٢) قلت: بل هو مأجور؛ لقوله ﷺ: " إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ؛ فله أجر واحد ". رواه الشيخان وغيرهما.
(٣) نقله في التعليق على " إيقاظ الهمم " (ص ٩٣) .
(٤) الفلاني (ص ٩٩) .
[ ١ / ٣٤ ]