- فالحكم بالشذوذ على من يرى الجواز، لم أقف عليه عند غيره، و(ابن عبدالبر ممن لا يعتبر مخالفة الشاذ، وهو من أطواد الأصول والفروع) (^١)، وهو وإن لم يسمه إجماعًا، إلا إن له نظرًا في مخالفة الجمهور، وأوضّح ذلك في نقطتين؛ لأهميته:
- الحافظ ابن عبدالبر له نصوص عديدة في الاحتجاج بقول الجمهور ومن ذلك: قوله في فرضية الجلسة الأخيرة في الصلاة ردًا على من قال بعدم فرضيتها: (والجمهور حجة على من شذ منهم؛ لأنه لا يجوز على جميعهم جهل ما علمه الشاذ المنفرد) (^٢)، وقوله في تأخير صلاة الخوف إلى الأمن والاستطاعة: (وهذا قول جماعة من فقهاء أهل الشام شذوا عن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم) (^٣) وقوله في زكاة الفطر: (والقول بوجوبها من جهة اتباع المؤمنين؛ لأنهم الأكثر والجمهور الذين هم حجة على من شذ عنهم) (^٤)، وقوله في المنع من الجمع بين الأختين ونحوها بالنكاح أو ملك اليمين: (فكذلك هو عند الجمهور وهم الحجة المحجوج بها على من خالفهم وشذ عنهم) (^٥)، وقال في جواز الأخذ من الزوجة في حال الخلع ونحوه: (وعليه جماعة العلماء إلا من شذ عنهم ممن هو محجوج بهم وهم حجة عليه؛ لأنهم لا يجوز عليهم الإطباق والاجتماع على تحريف الكتاب وجهل تأويله وينفرد بغير ذلك واحد غيرهم) (^٦).
_________________
(١) الصوارم الأسنة في الذب عن السنة لابن أبي مدين الشنقيطي ص (٩٢).
(٢) الاستذكار (١/ ٥٢٤).
(٣) الاستذكار (٢/ ٤٠٨).
(٤) الاستذكار (٣/ ٢٦٦).
(٥) الاستذكار (٥/ ٤٨٧).
(٦) الاستذكار (٦/ ٧٧).
[ ١ / ٢٢٨ ]
- ولا يلزم من ذلك أن يكون إجماعًا عنده، وعليه فلا يصح إطلاق التساهل عليه في نقل الإجماع لأنه لا يحكيه إجماعًا فهو أعرف بالخلاف، ومما يدل على ذلك أنه يتحرز ويعتبر بالخلاف وينبه عليه كما سبق، وأوضح منه قوله: (ذكر ابن خواز بنداد أن إجماع الصحابة انعقد على إيجاب الغسل من التقاء الختانين، وليس ذلك عندنا كذلك (^١)، ولكنا نقول إن الاختلاف في هذا ضعيف، وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين، ومجاوزة الختان الختان، وهو الحق إن شاء الله) (^٢)، وعدم اعتداده بالقول له مآخذ (^٣).
_________________
(١) نفى الإجماع هنا.
(٢) التمهيد (٢٣/ ١١٣).
(٣) انظر: سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ للهاشمي، منشورة في الملتقى الفقهي على الشبكة.
[ ١ / ٢٢٩ ]