- وعلى فرض صحته، فلايصح تعميم الحكم فيه على القليل والكثير، بل هو خاص بالقليل كالسمن المسؤول عنه، قال ابن تيمية: (فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق قلتين يقع فيه فأرة حتى يقال فيه: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، بل السمن الذي يكون عند أهل المدينة في أوعيتهم يكون في الغالب قليلًا، فلو صح الحديث لم يدل إلا على نجاسة القليل. فإن المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها لا نص صحيح ولا ضعيف، ولا إجماع، ولا قياس صحيح) (^١).
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة:
- بأن الحديث وإن كان ضعيفًا إلا أن إجماع العلماء الآتي ذكره على معناه يكفي (^٢)، بل قال الطوفي: (الإجماع أقوى أصول الإسلام، ولذلك قدم على النص والقياس) (^٣)، وقال القرافي: (وهو مقدم على الكتاب والسنة والقياس) (^٤)، وهذا التقديم باعتبار أن النص يقبل النسخ والتأويل بخلاف الإجماع، ولأن دلالة الإجماع قطعية بخلاف القياس (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٩٦).
(٢) قال الغزالي في المستصفى ص (٨٠): (والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى)، وللطوفي عبارة أوسع وهي: (والإجماع دال على النص)، وقد شرحها بأن الإجماع لابد أن يكون مستندًا إلى نص أو قياس على نص. شرح مختصر الروضة (٢/ ٧).
(٣) المرجع السابق (٣/ ١٣٩).
(٤) شرح تنقيح الفصول ص (٣٣٧).
(٥) انظر: المرجع السابق.
[ ١ / ٦١ ]
٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع.
وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء:
١. قال ابن بطال (ت ٤٤٩): (وأما السمن المائع، والزيت، والخل، والمُرْي (^١)، والعسل وسائر المائعات تقع فيها الميتة، فلا خلاف أيضًا بين أئمة الفتوى أنه لا يؤكل منها شيء) (^٢).
٢. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (وأجمعوا أن المائعات كلها من الأطعمة والأشربة -ما خلا الماء- سواء، إذا وقعت فيها الميتة نجست المائع كله ولم يجز أكله ولا شربه عند الجميع إلا فرقة شذت) (^٣).
٣. وقال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن السمن إذا وقع فيه فأر، أو فأرة، فمات، أو ماتت فيه، وهو مائع أنه لا يؤكل) (^٤).
٤. وقال البغوي (ت ٥١٦): (واتفق أهل العلم على أن الزيت إذا ماتت فيه فأرة، أو وقعت فيه نجاسة أخرى أنه ينجس، ولا يجوز أكله) (^٥).
_________________
(١) المري: بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتية، وفي النهاية بتشديد الراء، وجزم النووي بالأول، وهو إدام وكأنه منسوب إلى المرارة، وصفته: أن يجعل في الخمر الملح والسمك ويوضع في الشمس فيتغير عن طعم الخمر. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٣٨)، إرشاد الساري (٨/ ٢٦٩).
(٢) شرح صحيح البخاري (٥/ ٤٥١).
(٣) التمهيد (٩/ ٤١)،، وقد قال قبل ذلك (٩/ ٤٠): (أجمعوا أن السمن وما كان مثله إذا كان مائعا ذائبا فماتت فيه فأرة أو وقعت وهي ميتة أنه قد نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة أو حية فماتت يتنجس بذلك، قليلا كان أو كثيرا، هذا قول جمهور الفقهاء وجماعة العلماء، وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء ولا وجه للاشتغال بشذوذهم في ذلك ولا هم عند أهل العلم ممن يعد خلافًا).
(٤) مراتب الإجماع ص (١٥١).
(٥) شرح السنة (١١/ ٢٥٨).
[ ١ / ٦٢ ]
٥. وقال ابن رشد الجد (ت ٥٢٠): (الله تعالى خلق الماء طهورًا، فهو يحمل ما غلب عليه من النجاسات، بخلاف ما عداه من الأطعمة والأدم المائعات. والفرق بينهما أن رسول الله -ﷺ- سئل عن ماء بير بضاعة وما يلقى فيها من الأقذار والنجاسات فقال: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته»، وسئل عن الفارة تقع في السمن فقال: «انزعوها وما حولها فاطرحوه وإن كان مائعا فلا تقربوه»، وهذا ما لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار) (^١).
ونوقشت حكاية الإجماع:
- بعدم التسليم بها، قال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (هذا فيه نزاع معروف، فمذهب طائفة أنه يُلقَى وما قرب منها ويؤكل، سواء كان جامدًا أو مائعًا) (^٢)، ثم ذكر خلاف ابن عباس وماحكي عن ابن مسعود -﵃-، والزهري وإحدى الروايات عن أحمد ومالك، وأنهم يرون أن غير الماء كالماء في إمكان تطهيرها من النجاسات.
- فالظاهر أن الإجماع غير متحقق كما قرره ابن تيمية، وقد خالف في المسألة ابن عباس (^٣) -﵁- وليس بصريح-، وابن مسعود -﵁-
_________________
(١) البيان والتحصيل (١/ ٣٨).
(٢) نقد مراتب الإجماع ص (٢٩٢).
(٣) قال ابن تيمية في الفتاوى (٢١/ ٤٩٧): (وروى صالح بن أحمد في "مسائله" عن أحمد قال: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة أن ابن عباس سُئِل عن فارة ماتت في سمن، قال: (تُؤخذ الفأرة وما حولَها). قلت: يا مولاي! فإن أثرها كان في السمن كلِّه، قال: (عضضتَ بِهَنِ أبيك! إنما كان أثرها في السمن وهي حية، وإنما ماتت حيث وجدت) [قال ابن حجر في الفتح (٩/ ٦٦٩): ورجاله رجال الصحيح]، ثم قال: حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا عن النضر بن عربي عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فسأله عن جَرٍّ فيه زيت وقعَ فيه جروٌ، فقال: (خذه وما حوله، فالقِه وكُلْه» ولم أجد هذين الأثرين بعد بحث في المسند وفي مسائل صالح، قال محقق جامع المسائل لابن تيمية (٣/ ٣٤٠): (لم نجد النصوص المقتبسة منه [أي: مسائل صالح] في مطبوعته، فإنها ناقصة الأول والآخر)، وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٤٠٧) عن ابن عباس -﵁- أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن جامد: (فأمر أن تلقى وما حولها ويؤكل بقيته) وهي صريحة في الجامد، ومانقله ابن تيمية عنه ليس صريحًا في المائع، والله أعلم.
[ ١ / ٦٣ ]
ولايصح عنه- (^١)، والزهري (ت ١٢٤) (^٢)، وهو القول الأصح عند الحنفية (^٣).
- وقول عند المالكية (^٤)، ورواية عند الحنابلة (^٥)، وحكي عن أبي ثور (ت ٢٤٠) (^٦)،
وهو رأي البخاري (ت ٢٥٦) (^٧)، واختار هذا القول ابن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٣٩٨) قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حمران بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت في سمن فماتت، فقال: (إنما حرم الله من الميتة لحمها ودمها). وفي سنده ضعف وانقطاع، فحمران بن أعين، شيعي ضعفه الأكثر، وقال ابن معين: (ليس بشئ). انظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٢٥)، وأبوحرب (ت ١٠٨)، لم يلق ابن مسعود -﵁- (ت ٣٢).
(٢) أخرج البخاري في صحيحه (٥٥٣٩) عن الزهري أنه سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها، قال: بلغنا أن رسول الله -ﷺ-: «أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل».
(٣) في حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٥): (وحكم سائر المائعات كالماء في الأصح، حتى لو وقع بول في عصير عشر في عشر لم يفسد، ولو سال دم رجله مع العصير لا ينجس). وانظر: البحر الرائق (١/ ٩٥).
(٤) قال ابن رشد في بداية المجتهد (٣ - ٤/ ١٨) - عن القول الذي ينجس المائعات بوقوع النجس مطلقًا -: (وهو المشهور، والذي عليه الجمهور، والثاني: مذهب من يعتبر في ذلك التغير، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك).
(٥) قال المرداوي في الإنصاف (١/ ٦٧): (إذا لاقت النجاسة مائعا غير الماء تنجس، قليلا كان أو كثيرا على الصحيح من المذهب. وعليه الأصحاب. ونقله الجماعة. وعنه حكمه حكم الماء، اختاره الشيخ تقي الدين. وعنه حكمه حكم الماء بشرط كون الماء أصلا له، كالخل التمري ونحوه؛ لأن الغالب فيه الماء).
(٦) قال الماوردي في الحاوي الكبير (١٥/ ١٥٧): (وحكي عن أبي ثور، أنه كالماء إذا بلغ قلتين لم ينجس، حتى يتغير).
(٧) ترجم البخاري في صحيحه: (باب مايقع من النجاسات في السمن والماء)، و(باب إذا وقعت الفأرة في السمن =الجامد أو الذائب) وروى بعدهما حديث ميمونة وفتوى الزهري وقد سبق بيانهما.
[ ١ / ٦٤ ]
تيمية (ت ٧٢٨) (^١).
- وعند التحقيق فإن قول الحنفية وماروي عن أحمد وأبي ثور ليس كقول الشيخ ابن عثيمين تمامًا؛ لأنهم يفرقون في الماء بين القليل والكثير ويقيسون المائعات عليه، فالقليل عندهم ينجس بملاقاة النجاسة، بخلاف الكثير فلاينجس إلا بالتغير، أما الشيخ ابن عثيمين فإن الحكم عنده أن يلقى النجس وماحوله ولو كان المائع يسيرًا مالم يتغير كله.
المسألة الثانية: أدلة من قال بأن غير الماء من المائعات كالماء:
استدل من يرى أن المائعات كلها كالماء وأنها لاتنجس إلا بالتغير بأدلة منها:
١/ قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (^٢).
وجه الاستدلال: أن المائعات؛ كالألبان، والزيت، والخلول، ونحوها من الطيبات التي أحلها الله لنا، فإذا لم يظهر فيها صفة الخبث في طعم، أولون، أو ريح، كانت على حالها في الطيب، فلا يجوز أن تجعل من الخبائث المحرمة (^٣).
٢/ ومن أدلتهم: قوله -ﷺ- في حديث ميمونة -﵂- حين سُئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال -ﷺ-: «ألقوها وما حولها فاطرحوه،
_________________
(١) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١٤): (والقول بأن المائعات لا تنجس كما لا ينجس الماء هو القول الراجح، بل هي أولى بعدم التنجيس من الماء)، وقد كان ابن تيمية يفتي برأي الجمهور ثم رجع عنه لما تبين له ضعف الحديث الذي يدل على ماذهبوا إليه فقال -﵀-: (فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولًا؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١٦).
(٢) الآية (١٥٧) من سورة الأعراف.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١٤).
[ ١ / ٦٥ ]
وكلوا سمنكم» (^١).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أجاب جوابًا عامًا مطلقًا ولم يستفصل هل كان السمن مائعًا أو جامدًا؟ قليلًا أو كثيرًا؟ وترك الاستفصال في حكاية الحال (^٢) مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن قوله: «وما حولها» يدل على أنه كان جامدًا؛ لأنه لو كان مائعًا لم يكن لها حول، فلو نقل من أي جانب لخلفه غيره في الحال، فيصير مما حولها فيحتاج إلى إلقائه كله (^٤).
وأجيب عن ذلك:
بأن الغالب على سمن الحجاز أن يكون ذائبًا، فيكون الحديث كالنص في السمن المائع عند وقوع الفأرة فيه (^٥)، والعبرة بالغالب، والنادرُ لاحكم له.
٣/ ومن أدلتهم: القياس على الماء، فتغير الماء بالنجاسات أسرع وأظهر من تغير غيره من المائعات، واستحالة النجاسة في غير الماء أقوى من استحالتها في الماء (^٦)، وهذا من قياس الأولى.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٥).
(٢) حكاية الحال هي واقعة العين. انظر: شرح تنقيح الفصول ص (١٨٧).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١٥)، (٢١/ ٥٢٧).
(٤) انظر: فتح الباري (٩/ ٦٦٩).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١٥)، (٢١/ ٥٢٧).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٠٦ - ٥١٢).
[ ١ / ٦٦ ]
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الماء له قوة يدفع بها النجس عن غيره فعن نفسه أولى (^١)، كما جاء في الحديث: «إنَّ الماءَ طَهُورٌ، لا يُنَجِّسُهُ شيء» (^٢).
وأجيب عن ذلك:
بأنَّ مفهوم الحديث لا عموم له، ولا يقتضي أن كل ما ليس بماء يتنجس؛ فإن الهواء ونحوه لا يتنجس وليس بماء (^٣).
٤/ واستدلوا أيضًا: بأن هذا ما أفتى به الصحابة كابن عباس وابن مسعود -﵃-.
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال:
- بعدم التسليم، فإن ماروي عن ابن عباس -﵁- ليس بصريح في المائع (^٤)، وماروي عن ابن مسعود -﵁- لايصح عنه (^٥).
- وعلى فرض التسليم، فقد صح عن جمع من الصحابة القول بتنجس السمن المائع بوقوع النجس فيه أو التفريق بين الجامد والمائع، منهم: عائشة (^٦)،
_________________
(١) انظر: المجموع (١/ ١٢٦)، المغني (١/ ٢٣).
(٢) أخرجه أحمد (١١٢٥٧)، وأبوداود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦) وغيرهم من حديث أبي سعيد، وهو حديث بئر بضاعة، وقد صححه أحمد وابن معين وابن حزم، وأعله الدارقطني وابن القطان وغيرهما. انظر: التلخيص الحبير (١/ ١٢٥)
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٩٨).
(٤) وقد سبق بيان ذلك عند مناقشة الإجماع.
(٥) وقد سبق بيان ذلك عند مناقشة الإجماع.
(٦) أخرج ابن أبي شيبة (٢٤٤٠١) عن عائشة: (إن كان جامدًا فألقها وما حولها وكل ما بقي، وإن كان مائعًا فلا تأكله).
[ ١ / ٦٧ ]