- ولايُعترض على ذلك بأن ابن حبان وثَّق عقيل بن جابر بذكره في الثقات (^١)، فإن الذكر المجرد للرجل في كتاب الثقات لايفيد توثيقًا على الصحيح؛ لأن العدل عند ابن حبان يدخل فيه من لم يُعلم بجرح (^٢)، فمجهول الحال على ذلك= عدل!، قال ابن حجر: (وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه؛ فإنه يذكر خلقًا ممن ينص عليهم أبو حاتم، وَغيره على أنهم مجهولون) (^٣).
- ومع ضعف السند، ففي المتن نكارة، فكيف يُقرُّه النبي -ﷺ- على تعريض نفسه للهلكة وإتمام صلاته؟ هذا معارض للنصوص (^٤)، فقد أمر الله بحمل السلاح وتغيير هيئة الائتمام والصلاة؛ حذرًا ودفاعًا، وأمر النبي -ﷺ- بقتل الأسودين في الصلاة: الحية
_________________
(١) الثقات (٥/ ٢٧٢).
(٢) انظر: الثقات (١/ ١٣)
(٣) لسان الميزان (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، وأما تحسين الألباني له، فإنه مخالف لمنهجه في عدم قبول توثيق ابن حبان، حيث قال في السلسلة الصحيحة (١/ ٦٧٧): (ومن المعلوم أن توثيقه غير معتمد عند المحققين من العلماء والنقاد)، وقد قوّى توثيق ابن حبان عنده من أثبت الحديث كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، فإنه يؤخذ من ذلك توثيق عقيل، ولكن ذلك في الحقيقة غير لازم؛ لتساهل من ذُكر وروايتهم عن المجهولين والضعفاء، ولذا لم يعتبر الذهبي، وابن حجر وغيرهما إخراج الحديث عند ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وتصحيحهم رافعًا لجهالة عقيل، والله أعلم.
(٤) انظر: رفع الشك وإثبات اليقين ص (٥٧).
[ ١ / ١٥١ ]
والعقرب (^١)، واتفق الفقهاء على وجوب قطع الصلاة؛ لإنقاذ غريق ونحوه (^٢)، ولو كانت الصلاة فرضًا في الجميع، فكيف يقره النبي -ﷺ- على إتمام نفله، وتعريض نفسه وغيره للهلكة والقتل، والحراسةُ واجبة عليه؟!
- … وعلى فرض التسليم بثبوت الأثر فإن دلالة الأثر إنما هي في عدم نقض الطهارة بذلك الدم الخارج من البدن، وبهذا الفهم ترجم جميع من أخرج الحديث أو ذكره.
- وهذا البيان لتراجمهم: قال البخاري: (باب من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر)، وقال أبوداود: (باب الوضوء من الدم)، وقال ابن خزيمة: (باب ذكر الخبر الدال على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا يوجب الوضوء)، وقال ابن حبان: (باب نواقض الوضوء)، وقال الدارقطني: (باب جواز الصلاة مع خروج الدم السائل من البدن) (^٣)، وقال البيهقي: (باب مايوجب الوضوء)، فهذا هو فقه من أخرج الأثر من أهل الحديث، وهكذا فقهاء المذاهب قبل عصرنا، فلم أقف على أحد منهم استنبط منه طهارة الدم.
- وهذه أيضًا تخريجات فقهية مختصرة أسوقها تنزُّلًا بأن الأثر ثابت، فيقال: إن هذه النجاسة معفوٌ عنها؛ لأمور منها: الضرورة؛ كالعفو
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧١٧٨)، وأبوداود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، وقال: حسن صحيح، والنسائي (١٢٠٢)، وابن ماجه (١٢٤٥) وغيرهم، من حديث أبي هريرة وهو صحيح.
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ٥١)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٨٩)، كشاف القناع (١/ ٣٨٠)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٢٥٤)، الموسوعة الكويتية (٣١/ ١٨٣).
(٣) وهذا محمول على الضرورة، وقد ذكر بعد هذا الحديث صلاة عمر وهو مطعون، وسوف يأتي بإذن الله.
[ ١ / ١٥٢ ]
عن النجاسة ولو كثرت في صلاة الخوف (^١)؛ ولأنها نجاسة طارئة وليست مبتدأة (^٢)؛ ولأن زمنها يسير فيعفى عنها كيسير النجاسة (^٣)؛ ولأنه يُخفف في صلاة النافلة مالا يخفف في فرضها (^٤)؛ وأخيرًا، فإنه يحتمل أن هذا الصحابي -﵁- لايرى وجوب غسل النجاسة عن الثوب (^٥)، والله أعلم.
٤/ ومن الآثار التي يُستدل بها أو يُظنُّ خرقها للإجماع:
ماروي عن ابن مسعود -﵁-: (أنه صلَّى وعلى بطنه فرثٌ، ودمٌ، من جزورٍ نَحَرها، ولم يتوضأ) (^٦).
وجه الاستدلال:
أن ابن مسعود -﵁- صلّى وعلى بطنه دم من الجزور التي نحرها، فهذا يدل على طهارة دم الحيوان مأكول اللحم، كما أن حديث
_________________
(١) وقد نُقل الاتفاق على ذلك، انظر: أحكام المجاهد في سبيل الله بالنفس (١/ ١٩٩).
(٢) قال ابن حجر: (وإليه ميل المصنف، وعليه يتخرج صنيع الصحابي الذي استمر في الصلاة بعد أن سالت منه الدماء برمي من رماه) فتح الباري (١/ ٣٤٨)، ويقصد بالمصنف: البخاري، وذلك في ترجمته: (بابٌ إذا أُلقي على ظهر المصلِّي قذرٌ أو جيفةٌ، لم تفسد عليه صلاته) ثم ذكر حديثًا فيه إلقاء سلى الجزور على ظهر النبي -ﷺ- وهو يصلي.
(٣) قال ابن قدامة: (النجاسة يعفى عن يسيرها، فعفي عن يسير زمنها، ككشف العورة) المغني (٢/ ٥٠).
(٤) وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين -﵀- واحدًا وثلاثين فرقًا بين الفريضة والنافلة، منها مايتعلق بالتخفيف في النافلة. انظر: الشرح الممتع (٤/ ١٢٩).
(٥) قال ابن المنذر: (وأسقطت طائفة غسل النجاسات عن الثياب) الأوسط (٢/ ١٥٤)، وانظر: فتح الباري (١/ ٣٤٨)، لكن ابن عبدالبر قال: (وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها من الثياب والبدن، وألا يصلى بشيء منها في الأرض ولا في الثياب) الاستذكار (١/ ٣٣١).
(٦) أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٤٩٥)، وابن أبي شيبة (٣٩٥٤) ولفظه: (فلم يعد الصلاة)، ورواه غيرهما من طريق ابن سيرين عن يحيى الجزار به، ورجاله ثقات، ولكن ابن سيرين أنكر وأمسك عن هذا الحديث بعدُ ولم يعجبه. انظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٤)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ٣٦٩).
[ ١ / ١٥٣ ]
الأنصاري الذي رُمي بالسهام يدل على طهارة دم الإنسان (^١).
ونوقش هذا الاستدلال بأمور:
- أن هذا الأثر في ثبوته نظر؛ فيحيى الجزار وإن كان ثقة وروى له مسلم (^٢)، إلا أن روايته عن ابن مسعود فيها انقطاع (^٣)، وقد أمسك ابن سيرين عن التحديث بهذا الأثر، كماروى ابن أبي شيبة، قال: (حدثنا هشيم قال: أخبرنا يونس، عن ابن سيرين، أنه أمسك عن هذا الحديث بعدُ ولم يعجبه) (^٤)، وقال ابن سيرين أيضًا: (أُنكر هذا) (^٥)، ممايدل على إعلاله له (^٦).
- ممايؤيد ذلك أن إبراهيم النخعي (وكان بصيرًا بعلم ابن مسعود) (^٧) كما قال الذهبي، (ولم يكن يخرج عن قول عبدالله وأصحابه) (^٨)
_________________
(١) انظر: تمام المنة ص (٥٢)، والسلسلة الصحيحة (١/ ٦٠٦)، وأول من رأيته يستدل بهذا الأثر على طهارة الدم هو الشيخ الألباني -﵀-.
(٢) قال ابن حجر: (صدوق رُمي بالغلو في التشيع)، وتعقبه الشيخان: بشار عواد، وشعيب الأرنؤوط فقالا: (بل ثقة، وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وابن سعد … وإنما ذكره بعضهم في الضعفاء لتشيُّعه) "تحرير تقريب التهذيب" (٤/ ٨٠).
(٣) قال حسين سليم أسد عن حديث يرويه الجزار عن ابن مسعود: (إسناده ضعيف لانقطاعه، يحيى بن الجزار لم يسمع عبد الله بن مسعود) كما في تحقيقه لموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٤/ ٣٩٢)، وقال شعيب الأرنؤوط عن الحديث نفسه: (رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا بين يحيى بن الجزار وبين عبد الله بن مسعود) كما في تحقيقه لصحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (١٣/ ٤٥٦).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٤).
(٥) الضعفاء الكبير للعقيلي (٤/ ٣٩٦).
(٦) وقد وقفت على مايدل على انقطاعه وإعلاله وهو مارواه عبدالله بن أحمد، عن أبيه قال: حدثنا روح، قال: حدثنا أشعث، عن محمد (بن سيرين)، عن زبان يحيى بن الجزار، عن أبيه، أن ابن مسعود نحر جزورًا فأصاب بطنه من فرثها ودمها فصلى ولم يتوضأ. العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد برواية ابنه عبدالله (٣/ ٤٤)، فقد ذكر يحيى الواسطة بينه وبين ابن مسعود وهو والده، ووالده لايعرف حاله ولم أقف له على ترجمة له.
(٧) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢١).
(٨) الفتاوى الكبرى (٦/ ١٤٦).
[ ١ / ١٥٤ ]
كما قال ابن تيمية (^١)، روى عنه ابن أبي شيبة أنه قال: (إذا توضأ الرجل ثم ذبح شاة لم يقطع ذلك طهوره، وإن أصابه دم غسله، وإن لم يصبه دم فلا شيء عليه) (^٢)، وهذا موافق للإجماع؛ إذ (الأصل المتفق عليه أنَّ دماءَ الأنعام المأكولة لحومها نجسةٌ … كدماء بني آدم في ذلك) (^٣).
- وعلى فرض التسليم بثبوته فإن سياقه في عدم الوضوء من مس اللحم أو الدم، وهذا لفظ عبدالرزاق (٤٥٩) وهو اللفظ الذي استدل به الشيخ الألباني (^٤) عن ابن مسعود -﵁-: (أنه صلَّى وعلى بطنه فرث ودم من جزورٍ نحرها، ولم يتوضأ)، ولذا أورده عبدالرزاق في باب: (مس اللحم النيئ والدم)، وذكره ابن المنذر
_________________
(١) وذكر الأعمش عن النخعي: (إنه كان لا يعدل بقول عمر وعبد الله بن مسعود إذا اجتمعا، فإذا اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه؛ لأنه كان ألطف)، ومن اللطيف هنا أن ابن مسعود كان يسير على خطى عمر الفاروق - ﵄- ولا يكاد يخالفه، وقد قال ابن مسعود -﵁-: (لو سلك الناس واديًا وشعبًا وسلك عمر واديًا وشعبًا لسلكت وادي عمر وشعبه) قال ابن جرير: (لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله). انظر: العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد برواية ابنه عبدالله (٢/ ٩١)، إعلام الموقعين (١/ ١٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٩٢) من طريق مصعب بن المقدام، عن زائدة بن قدامة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي وسنده قوي، إلا أن المغيرة بن مقسم معدود في المدلسين، وخاصة عن النخعي، وهذا هو قول الإمام أحمد ومحمد بن الفضل، وقد ردَّ ذلك أبوداود فقال: (مغيرة لا يدلس، سمع مغيرة من إبراهيم مئة وثمانين حديثًا)، وقال علي بن المديني: (ومغيرة كان أعلم الناس بإبراهيم، ما سمع منه وما لم يسمع، لم يكن أحد أعلم به منه حمل عنه وعن أصحابه)، ويؤيد ذلك أن البخاري ومسلمًا أخرجا من روايته عن النخعي من غير تصريح بالسماع في عشرة مواضع وقد تزيد. انظر: سؤالات الآجري لأبي داود ص (١٢٧)، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٤)، تهذيب الكمال (٢٨/ ٣٩٧)، تحرير تقريب التهذيب (٣/ ٤١١).
(٣) شرح مشكل الآثار (١٠/ ١٠٦).
(٤) انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٦٠٦) وتمام المنة ص (٥٢).
[ ١ / ١٥٥ ]
في الأوسط في: (الأشياء التي اختُلف في وجوب الطهارة منها).
- وهذه أيضًا بعض التخريجات الفقهية: وهو أن هذا الدم كان يسيرًا ويدل عليه أن الراوي لم يقل (ولم يغسله)، وإنما قال: (ولم يتوضأ) فيحمل على أن الدم كان يسيرًا، وإنما ذكر الدم والفرث تأكيدًا لمسه للحم والدم وأن ذلك لا ينقض الوضوء (^١)، ويؤكد هذا أن ابن أبي شيبة ذكر بعده بعض الآثار التي فيها الصلاة في الدم اليسير (^٢)، قال الطحاوي: (وأما ما روي فيه عن ابن مسعود من حديث يحيى بن الجزار؛ فقد يحتمل أن يكون ذلك لم يكن له من المقدار ما يفسد به الصلاة؛ إذ كان قليلُ الدم في ذلك خلافَ كثيره عند كثير من أهل العلم) (^٣).
- أو يقال: إنه لم يعلم بالدم، أو أنه لم يعلم به إلا بعد انقضاء الصلاة، كما يدل عليه لفظ ابن أبي شيبة: (فلم يعد الصلاة) ممايشعر بعدم علمه إلا بعد أن صلى (^٤)، وعلى أسوأ الاحتمالات وأضعفها يقال: إن مذهب ابن مسعود -﵁- التجاوز عن النجاسة في الثياب كما قال ابن المنذر: (وأسقطت طائفة غسل النجاسات عن الثياب، وروينا عن ابن مسعود أنه نحر جزورًا فأصابه من قرشها ودمها فصلى) (^٥).
_________________
(١) انظر: رفع الشك وإثبات اليقين ص (٦٢).
(٢) وبوّب عليه: (في الرجل يصلي وفي ثوبه أو جسده دم) ثم ذكر آثارًا تدل على العفو عن يسير الدم، والعفو عن الدم إذا لم يعلم به إلا بعد الصلاة، وهناك مايحتمل أن يكون مذهبًا لبعضهم بالعفو عن النجس في الثوب.
(٣) شرح مشكل الآثار (١٠/ ١٠٨).
(٤) انظر: رفع الشك وإثبات اليقين ص (٦٢).
(٥) الأوسط (٢/ ١٥٤)، وسبق نقل الإجماع على خلافه عن ابن عبدالبر، وقوله: (قرشها) لعلها صحفت من (فرثها).
[ ١ / ١٥٦ ]