- ومن الأدلة الخاصة على ختان الإناث ماروي عن النبي -ﷺ- أنه قال لأم عطية: «إذا خفضت فأشمِّي ولا تَنْهِكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج» (^١)، وقد شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة، وقوله «لاتَنْهِكي» أي: لا تبالغي في استقصاء الختان، والمعنى: اقطعي بعض البظر أو النواة ولا تستأصليها (^٢).
- قال ابن تيمية: (المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة (^٣)، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها؛ فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة … وإذا حصلت المبالغة في
_________________
(١) هذا اللفظ أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٥٣)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٦٢)، وغيرهما عن أنس بن مالك وفي سنده زائدة بن أبي الرقاد وهو منكر الحديث، ذكره ابن حجر في التقريب ص (٢١٣)، وأخرجه بنحوه أبوداود (٥٢٧١) ومن طريقه البيهقي (١٧٥٦٠) من حديث أم عطية، وفي سنده محمد بن حسان، قيل: إنه محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة الكذاب، وقال أبوداود: (ومحمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف)، وأخرجه بنحوه الحاكم في المستدرك (٦٢٣٦) والبيهقي في الكبرى (١٧٥٦١) من حديث الضحاك بن قيس، وفي سنده العلاء بن هلال، فيه لين كما ذكر ابن حجر في التقريب ص (٤٣٦)، وروي الحديث من أوجه وطرق أخرى (انظر هذه الطرق في: البدر المنير (٨/ ٧٤٥)، التلخيص الحبير (٤/ ٢٢٥) السلسلة الصحيحة (٢/ ٣٤٤) وقد صحح الألباني الحديث بطرقه وشواهده) ولكن الطرق كلها لاتسلم من علة، وقد ضعف طرقه ابن القطان وابن الملقن بقوله: (طرقه كلها ضعيفة، وقد صرح ابن القطان الحافظ في كتابه أحكام النظر أيضًا بأنه لا يصح منها شيء) البدر المنير (٨/ ٧٤٨)، ولذا قال شارح سنن أبي داود تعليقًا على قول أبي داود: (هذا الحديث ضعيف) قال الشارح: (والأمر كما قال أبو داود، وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة، وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها) عون المعبود (١٤/ ١٢٦).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٥٠٣)، (٥/ ١٣٧)، لسان العرب (١٢/ ٣٢٦).
(٣) (القلفة: الجليدة التي يقطعها الخاتن من غلاف رأس الذكر، ومن ذلك الأغلف والأقلف للذي لم يختن). المُغرب في ترتيب المُعرِب ص (٣٤٣).
[ ١ / ١٩٩ ]
الختان ضعفت الشهوة؛ فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال) (^١).
- ومما هو مهمٌ في فهم المسألة: أن قضية ختان الإناث لم تكن محل إشكال عند المسلمين إلا في القرن الرابع عشر، فقد حصل فيها نقاشات كثيرة، وبخاصة في الديار المصرية، وأول قانون صدر ضد ختانهن كان سنة (١٣٦٥ هـ)، من إدارة المستعمرات الإنجليزية في السودان.
- وفي سنة (١٣٧٠) نشرت مجلة (الدكتور) في مصر ملحقًا خاصًا عن أضرار ختان الإناث، وفي نفس السنة بدأت مجلة (لواء الإسلام) بنشر فتاوى العلماء والرد على هذا الملحق (^٢)، وفي سنة (١٣٧٨) صدر قرار بمنع الختان في وحدات وزارة الصحة في مصر، ولم يتوقف الناس عن ختان الإناث؛ لأنه لم يمنع إلا في المستشفيات الحكومية، ثم تتابعت الحملات وانعقدت المؤتمرات لمحاربته، ومنظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة لها دور في ذلك، وقد جعلت ختان الإناث من تشويه الأعضاء التناسلية! وفي سنة (١٤٠٢) أصدرت بيانًا صرحت فيه بمحاربة هذه الممارسة، وكلما أثيرت حملة خرج من يرد عليها من الشرعيين والأطباء وتدرج ذلك في مراحل، ومن المراحل المهمة سنة (١٤١٥) حيث عرضت القناة الأمريكية (سي إن إن) تصويرًا فيه عمليّة ختان لفتاة على يد أحد الحلاقين، وتم فيه التركيز على الرعب والصراخ الهستيري الذي أصابها، وقد أثار ذلك ضجّة للرأي العام المصري والعالمي (^٣)، وفي سنة (١٤٣٠) أقرّ البرلمان
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١١٤).
(٢) انظر: جراحات الذكورة والأنوثة في ضوء الطب والفقه ص (١٦٩)، المنار المنيف في فتاوى كبار علماء الأزهر ص (٥٠٠).
(٣) انظر: ختان الذكور والإناث ص (٤٨٧)، جراحات الذكورة والأنوثة ص (١٧٤)، ولتهدئة الرأي العام قام وزير الصحة بزيارة شيخ الأزهر جاد الحق علي لطلب الدعم، فأصدر فتواه بمشروعية ختان الإناث. انظر: المرجع السابق.
[ ١ / ٢٠٠ ]
المصري بقانون يجرم ختان الإناث، وفي سنة (١٤٣٤) دعت الأمم المتحدة ثلاثًا وتسعين، ومائة (١٩٣) دولة إلى حظر ختان الإناث، وعُقدت كذلك في لندن قمة دولية لمكافحة ختان الإناث.
- وقد قال أحد علماء مصر عن هذه الحملات: (إنها حملات باغية) (^١)، بل إن هناك مايسمى باليوم العالمي لرفض ختان الإناث، وفي مصر هناك يوم أسموه: (اليوم الوطني لمناهضة ختان الإناث)، وقد شاركت دار الإفتاء المصرية بفعاليات هذا اليوم في تاريخ (١٤/ ٨/ ١٤٣٤ هـ)، وأكدت فيه تحريم ختان الإناث (^٢)، وأخيرًا ففي تاريخ (٢٠/ ٨/ ١٤٣٥ هـ) نُشر هذا الخبر: (مصر تؤكد للأمم المتحدة الْتزامها بمكافحة ختان الإناث) (^٣).
وبعد: فهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع، حتى تتضح المسألة المراد بحثها:
١. اتفق العلماء على مشروعية الختان للرجال (^٤)، واتفقوا على مشروعيته للإناث (^٥).
_________________
(١) في فتوى مرئية للشيخ مصطفى العدوي موجودة في الشبكة.
(٢) وهذا منشور في موقعها الرسمي، وفي عدد من الصحف المصرية.
(٣) نشر هذا الخبر في عدد من الصحف المصرية؛ كصحيفة محيط الإلكترونية. ومما جاء في الخبر على لسان المندوب الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة: (الحكومة المصرية تبدي إرادة سياسية قوية على الطريق الصحيح في هذا الصدد).
(٤) انظر في نقل الاتفاق: التمهيد (٢١/ ٥٩)، اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٣٤٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١١٤)، وعبّر ابن حزم عن ذلك بالإصابة، انظر: مراتب الإجماع ص (١٥٧).
(٥) انظر في نقل الاتفاق: اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٣٤٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١١٤)، تحفة المودود ص (١٩٣)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٧٣)، وعبّر ابن حزم عن ذلك بالإباحة، انظر: مراتب الإجماع ص (١٥٧).
[ ١ / ٢٠١ ]
٢. وصرّح عامة الفقهاء على أن ختانها المشروع يكون بقطع جزء يسير من بظرها (^١).
٣. ولم يختلف الفقهاء في حرمة استئصال غالب أو كل الأعضاء التناسلية للمرأة، وأن ذلك لايسمى (ختانًا) وإنما هو (جناية)، توجب القصاص أو الدية (^٢).
٤. ثم اختلفوا في وجوبهما (^٣)، ولم يخالف أحد في مشروعية الختان للذكور والإناث، وخالف بعض المعاصرين في مشروعية الختان للإناث؛ فحرمه أو قال بعدم مشروعيته، وهذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ٣٣٣)، شرح مختصر خليل للخرشي (٣/ ٤٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٣٣)، شرح الزَّرْكشيُّ على الخرقي (١/ ٢٨٠)، فهو قطعٌ لبعض الجلدة، وخفض للجزء المرتفع وليس إنهاكًا، بحيث يبقى مابعد القطع أشمًّا، يعني: مرتفعًا، يقول الشيخ عبدالله رمضان في كتابه: "خلاصة الرد على القرضاوي والجديع" (٣/ ١٢٧): (اتفقت تصريحات عامة فقهاء الإسلام على أهمية عدم استئصال البظر؛ وذلك بأن يكون الختان بقطع جزء يسير منه، بحيث يصير أصله مرتفعًا بعد القطع).
(٢) انظر: مجمع الأنهر (٢/ ٦٤١)، حاشية الدسوقي (٤/ ٢٣٧)، الحاوي الكبير (١٢/ ٨٩)، المغني (٨/ ٤٦٩)، يقول د. أحمد موافي في كتابه: "ختان الإناث" ص (١٥٨) عن استئصال غالب أو كل الأعضاء التناسلية الخارجية للمرأة: (فهذان النوعان لايخالف أحد من فقهاء الإسلام في حرمتهما ووجوب عقوبة فاعلهما)، وقال عن حكمهما في ص (١٦٧): (محرمين حرمة قاطعة باتفاق)، والعقوبة تكون بالقصاص إذا أمكن؛ بأن يكون الجاني امرأة وبلغت بالجناية المتعمدة عظمًا وإلا ففي الجناية الدية، وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٢/ ٩٢ - ٩٣): (اتفق الفقهاء على أن في الذكر أو الحشفة دية كاملة، وفي شفر فرج المرأة نصف الدية، وفي الشفرين دية كاملة).
(٣) انظر: اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٣٤٢)، تحفة المودود ص (١٩٣)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٧٣).
[ ١ / ٢٠٢ ]