- وأما السياق؛ فهو وإن كان للغسل إلا أنه نصَّ على الختان (^١)، وهذا في أقل أحواله يدل على الجواز، ثم إن حديث الفطرة سيق لبيان مشروعية الختان.
- ثم إن قاعدة: الدليل إذا سيق لمعنى فلايستدل به في غيره (^٢)؛ ليست مطلقة وإلا لأبطلنا بذلك دلالة الإشارة وماهو أظهر منها، ودلالة السياق إنما يحسن الاستدلال بها عند التعارض مع نص آخر هو أخص في المسألة، وهنا لا يوجد نص يعارض به مشروعية ختان الإناث، ويهمل بعض كلام النبي -ﷺ- (^٣) من أجله، كيف والدليل الآخر «خمس من الفطرة» يؤيد دلالة «الختانان» المذكورة ولا يعارضها؟!
٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع.
وقد نقل الإجماع على مشروعية ختان الإناث، وجوازه غير واحدٍ من العلماء:
١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن من ختن ابنه فقد أصاب، واتفقوا على إباحة الختان للنساء) (^٤).
_________________
(١) ويلزم من نصه عليه = جوازه؛ ولازم الحق حق.
(٢) قال القرافي في الذخيرة (٣/ ٧٧): (الكلام إذا سيق لمعنى لا يحتج به في غيره وهذه قاعدة أصولية)، وهذه القاعدة الكلام عنها قليل في كتب أصول الفقه، وإنما لها بعض الإشارات في كلام بعض العلماء عند تعارض الأدلة، فيقدمون الدليل الذي سيق لمعنى مقصود على الدليل الذي لم يسق لذلك المعنى، كتقديم الجمهور دليل تحريم صيد المدينة، على حديث: «-يا أباعمير- ما فعل النُّغير» خلافًا للحنفية، قال ابن رجب في الفتح (٦/ ١٥٦): (فلا تُرد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حَدِيْث النغير). وانظر: الفروق للقرافي (٣/ ١٦٠)، "الاستدلال بالدليل في غير ماسيق له"، للدكتور: عبدالرحمن الشعلان، مجلة الجمعية الفقهية (العدد ٤، ص ١٧).
(٣) وإعمال الكلام أولى من إهماله من القواعد الظاهرة، وهي أقوى من قاعدة السياق.
(٤) مراتب الإجماع ص (١٥٧) ولم يتعقبه ابن تيمية.
[ ١ / ٢٠٩ ]
٢. قال ابن هبيرة (ت ٥٦٠): (اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق الأنثى مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه) (^١).
٣. وقال ابن القيم (ت ٧٥١): (لا خلاف في استحبابه للأنثى، واختُلف في وجوبه) (^٢).
٤. قال ابن رجب (ت ٧٩٥): (وختان المرأة مشروع بغير خلاف، وفي وجوبه عن أحمد روايتان) (^٣).
٥. وقال الشيخ علَّام نصّار (^٤) (ت ١٣٨٦): (واتفقت كلمة فقهاء المسلمين وأئمّتهم على مشروعيّته مع اختلافهم في كونه واجبًا أو سُنّة) (^٥).
٦. وقال الشيخ جاد الحق (^٦) (ت ١٤١٦): (الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق الإناث مشروع)، وقال أيضًا: (اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الختان للرجال والنساء من فطرة الإسلام وشعائره، وأنه أمر محمود، ولم ينقل عن أحد من فقهاء المسلمين فيما طالعنا من كتبهم التي بين أيدينا القول بمنع الختان للرجال أو للنساء، أو عدم جوازه أو إضراره بالأنثى) (^٧).
_________________
(١) اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٣٤٢)، ومعلوم أن الاتفاق هنا هو اتفاق الأئمة الأربعة.
(٢) تحفة المودود ص (١٩٣).
(٣) فتح الباري (١/ ٣٧٣).
(٤) ولد سنة (١٣٠٨)، عين قاضيًا شرعيًا، ثم أصبح رئيسًا للتفتيش القضائي الشرعي، وتم اختياره مفتيًا للديار المصرية سنة (١٣٦٩)، وتوفي سنة (١٣٨٦) هـ. انظر: المنار المنيف في فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف ص (٥٨٨).
(٥) الفتاوى الإسلاميّة من دار الإفتاء المصريّة، المجلّد السادس، ص (١٩٨٥).
(٦) جاد الحق علي جاد الحق، تخرج في كلية الشريعة سنة (١٣٦٢)، وعين مفتياّ للديار المصرية سنة (١٣٩٨)، وشغل منصب وزير الأوقاف، وتولى مشيخة الأزهر إلى أن توفي سنة (١٤١٦) هـ. انظر: المنار المنيف ص (٥٨٣).
(٧) الفتاوى الإسلاميّة من دار الإفتاء المصريّة، المجلّد التاسع، ص (٣١٢١ - ٣١٢٣).
[ ١ / ٢١٠ ]
٧. وقال د. محمد سيد طنطاوي (ت ١٤٣١): (الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق النساء أمر مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه) (^١)، ثم رأى د. محمد سيد طنطاوي بعد ذلك عدم المشروعية.
٨. وقال د. علي جمعة: (اتفق الفقهاء على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق النساء مشروع) (^٢)، ثم رأى د. علي جمعة بعد ذلك التحريم.
- تنبيه: لايرد على الإجماع قول ابن الحاج: (واختُلف في حقهن هل يخفضن مطلقًا، أو يفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب، فأهل المشرق يؤمرون به؛ لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة، وأهل المغرب لا يؤمرون به؛ لعدمها عندهن، وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختونًا، فكذلك هنا سواء بسواء) (^٣)، فهذه مسألة أخرى خلافية وهي؛ كختان من ولد مختونًا، وهذه في خفاض من ولدت مخفوضة ليس فيها شيء زائد، وقد قال الجويني: (لو ولد مختونًا بلا قلفة فلا ختان لا إيجابًا ولا استحبابًا) (^٤).
_________________
(١) الفتاوى الإسلاميّة من دار الإفتاء المصريّة، المجلّد الحادي والعشرون، ص (٧٨٦٥).
(٢) فتاوى النساء، للدكتور علي جمعة ص (٤٥٩)، نقلًا عن: "الرد على المفتي" لعبدالله رمضان موسى ص (٥٢١).
(٣) المدخل (٣/ ٢٩٦)، وجاء في حاشية العدوي (١/ ٥٩٦): (وقال ابن عمر: الخفاض أخذ شيء من الناتئ بين الشفرتين، قال في التحقيق: وهو في نساء المشرق لا نساء المغرب). والمقصود بابن عمر هنا: يوسف بن عمر الفاسي، كما في مقدمة الحاشية.
(٤) المجموع (١/ ٣٠٧).
[ ١ / ٢١١ ]
المسألة الثانية: أدلة القائلين بتحريم ختان الإناث أو عدم مشروعيته: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ أنه لايصح في ختان الإناث دليل، كما قال ابن المنذر: (ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع) (^١)، وقال ابن عبدالبر: (والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال) (^٢)، فلا يثبت دليل على مشروعيته، ولم يرد أن النبي -ﷺ- ختن بناته (^٣).
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور:
- أما دعوى عدم الدليل فالجواب عنها في الدليل الأول والثاني من أدلة القائلين بمشروعية ختان الإناث وقد سبقا وفيه حديثان متفق عليهما (^٤)، وفيه نقل للاتفاق على المشروعية، مما يقوي دلالة الحديثين، ويرفع درجتهما من الظن إلى القطع.
- وأما قول ابن المنذر: (ليس في الختان خبر يرجع إليه …) فليس هذا سياقه ولا نصه، وسياقه الصحيح في وقت الختان وليس في مشروعيته (^٥)، وليس هذا نص كلام ابن المنذر، بل هو منقول
_________________
(١) أول من وقفت عليه نقل كلام ابن المنذر بهذا اللفظ هو ابن التركماني (ت ٧٥٠) في الجوهر النقي (٨/ ٣٢٦).
(٢) التمهيد (٢١/ ٥٩).
(٣) انظر: الفتاوى لمحمود شلتوت ص (٢٨٥ - ٢٨٦)، بحث دار الإفتاء المصرية حول ختان الإناث المنشور في موقعها الرسمي، ومقال د. علي جمعة بعنوان: "ختان الإناث" المنشور بتاريخ (٣٠/ ٧/ ١٤٢٨ هـ) في صحيفة الأهرام.
(٤) ولم يُذكر في الأدلة ماهو ضعيف أو مختلف في صحته كحديث: «الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء» أخرجه أحمد (٢٠٧١٩) وغيره، وفي سنده الحجاج بن أرطاة، فيه ضعف، وحديثه مما يعتبر به في الشواهد، وله طريق أخرى من غير طريق الحجاج عند البيهقي (١٧٥٦٥)، قال البيهقي عقبه: (هذا إسناد ضعيف، والمحفوظ موقوف). يعني: عن ابن عباس -﵁-.
(٥) انظر: المجموع (١/ ٣٠٩)، تحفة المودود ص (١٨٥)، حاشية الروض المربع لابن قاسم (١/ ١٦١)، فقد جعلوا كلام ابن المنذر في توقيت الختان وليس في مشروعيته.
[ ١ / ٢١٢ ]