طالب (^١) -﵃-.
- وعلى فرض عدم ثبوت الأكل، فإن التنصيص على الشرب تنبيه على الأكل، فالأكل أولى؛ لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف، بل فيه تنبيه على جميع الاستعمالات؛ لأنها في معناه؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (^٢)، وجميع أنواع الاستيلاء في معنى الأكل بالإجماع، وإنما نبه بالأكل في الربا؛ لكونه الغالب، كما نبه بالشرب في الآنية لكونه الغالب (^٣).
- والجواب السابق كله (على قول من يعتد بقول داود في الإجماع والخلاف وإلا فالمحققون يقولون: لايعتد به؛ لإخلاله بالقياس وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به) (^٤)، هذا كلام النووي والمسألة فيها خلاف، ومن أعدل الأقوال في خلاف داود ماقاله الذهبي موافقًا لشيخه ابن تيمية: (لا ريب أن كل مسألة انفرد بها،
_________________
(١) ولفظه: إن رسول الله -ﷺ-: «نهى عن آنية الذهب والفضة أن يشرب فيها، وأن يؤكل فيها، ونهى عن القسي والميثرة، وعن ثياب الحرير وخاتم الذهب» رواه الدارقطني في سننه (٩٧)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٠٥)، قال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٦٢٧): (رواه الدارقطني، بإسناد جيد).
(٢) من الآية (١٣٠) من سورة آل عمران.
(٣) انظر: المجموع (١/ ٢٤٩).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٩)، ونحو هذا القول في داود مانقله ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ٢٤٢) بقوله: (وقد ذكره ابن أبي حاتم فأجاد في ترجمته فإنه قال: روى عن إسحاق الحنظلي وجماعة من المحدثين، وتفقه للشافعي -رحمه الله تعالى- ثم ترك ذلك، ونفى القياس وألف في الفقه على ذلك كتبا شذ فيه عن السلف، وابتدع طريقةً هجره أكثر أهل العلم عليها، وهو مع ذلك صدوق في روايته ونقله واعتقاده إلا أن رأيه أضعف الآراء وأبعدها من طريق الفقه وأكثرها شذوذًا).
[ ١ / ١٨٢ ]
وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف، فلا تهدر) (^١)، وقد شنّع ابن تيمية على الظاهرية في بعض أصولهم، فقال: (ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر … وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا) (^٢).
- والخلاصة: أن مانقل عن معاوية بن قرة الظاهر أن المراد به الآنية المضببة بفضة، وإن كان مراده جواز الشرب من آنية الفضة فهذا قول شاذ معارض للنص الصريح فلايعتد به، وما نقل عن الشافعي فقد رجع عنه، والعبرة بما استقر عليه رأيه، ومانسب إلى داود فمخالف للنص الصريح، ومع شذوذه فالإجماع سابق له، والله أعلم.
- تنبيه: نسب بعضهم إلى أبي الحسن التميمي الحنبلي كراهة استعمالهما في غير الأكل والشرب، وهذا وهم، فقوله المنقول في الاتخاذ لا في الاستعمال (^٣).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٧)، وقرر نحو ذلك ابن تيمية في منهاج السنة (٥/ ١٧٨) بقوله: (كذلك أهل الظاهر كل قول انفردوا به عن سائر الأمة فهو خطأ، وأما ما انفردوا به عن الأربعة وهو صواب فقد قاله غيرهم من السلف)، فالخلاصة: أن ماقبل الظاهرية من إجماع فهو إجماع باقٍ لايخرمه مخالفة الظاهرية، وكل قول ليس لهم فيه سلف، أو كان سبب خلافهم اعتمادهم على أصل مبتدع فهو هدر، والله أعلم.
(٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٠٧).
(٣) انظر: موسوعة أحكام الطهارة للدبيان (١/ ٤٣٢)، وهذا قول التميمي من الفروع (١/ ١٠٣) -وهو مصدر الدبيان-: (وحكى ابن عقيل … أن أبا الحسن التميمي قال: إذا اتخذ مسعطًا، أو قنديلًا … ذهبًا أو فضة كره ولم يحرم).
[ ١ / ١٨٣ ]