ونوقش هذا الاستدلال بأمور:
- بأن القياس في الصورتين فاسد الاعتبار؛ لمخالفته الإجماع، فاعتبار القياس مع النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد، ووضعٌ له في غير موضعه (^١)، وهذه المناقشة هي الأصل وهي الأقوى.
- ثم إن الدم الذي في الجزء المنفصل لايؤثر مادام لم ينفصل فإذا انفصل فهو نجس، كأي نجس مستقر في معدنه مالم ينفصل، وأما القياس في السمك فهو رد للمختلف على المختلف، وقد سبق الإشارة للخلاف في طهارة دم السمك، وهو قياس مع الفارق؛ لأن السمك مأكول في كل أحوال، والآدمي غير مأكول في أي جزء أو حال من أحواله (^٢).
سبب الخلاف:
- يظهر والله أعلم أن سبب الخلاف في هذه المسألة أن الشوكاني -﵀- يخالف في حجية الإجماع، ولذا تراه في ذكره لمسألة الدم لم يعْرِض للإجماع لا من قريب ولا من بعيد، لا في استدلال ولا في نقاش ورد (^٣)، وقد صرح الشوكاني بعدم احتجاجه بالإجماع
_________________
(١) انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤٦٧).
(٢) انظر: تحذير النبلاء ص (٥٤).
(٣) انظر: الدراري المضية (١/ ٣٢)، السيل الجرار ص (٣١)، لكنه قال في نيل الأوطار (١/ ٥٨): (واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي)، ويظهر أن هذا الاستدلال تبعي وليس أصليًا، ومما يدل على ذلك قوله في السيل الجرار ص (٣١): (وإذا تقرر لك هذا وعلمت به أن الأصل طهارة الدم لعدم وجود دليل ناهض يدل على نجاسته فاعلم أنه قد انتهض الدليل على نجاسة دم الحيض لا لقوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإن ذلك ليس بلازم للنجاسة فليس كل أذى نجس، بل بما صح عنه -ﷺ- من الأمر بغسله، وبقرصه، وبحته، وبحكه، وتشديده في ذلك بما يفيد أن يكون إزالته على وجه لا يبقى له أثر فأفاد ذلك أنه نجس، فيكون هذا النوع من أنواع الدم نجسًا). ثم إن النووي نقل الإجماع على نجاسة الدم، لكنه لم يخصه بالحيض. انظر: المجموع (٢/ ٥٥٧)، شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٠٠).
[ ١ / ١٥٨ ]
في بعض كتبه، ومن أصرحها قوله: (فأما الإجماع؛ فقد أوضحت في كثير من مؤلفاتي أنه ليس بدليل شرعي، على فرض إمكانه) (^١).
- ومما ذكره في مؤلفاته أيضًا قوله: (لا يخفى على المنصف ما ورد على إجماع الأمة من الإيرادات التي لا يكاد ينتهض معها للحجية بعد تسليم إمكانه ووقوعه) (^٢).
- ولاشك في أن عدم الاحتجاج بالإجماع مطلقًا زلة عظيمة، ولاتُعرف إلا عند أهل البدع، بل قال البزدوي (^٣) (ت ٤٢٨): (ومن أنكر الإجماع فقد أبطل دينه كله؛ لأن مدار أصول الدين كلها ومرجعها إلى إجماع المسلمين) (^٤).
- والقول بعدم حجية الإجماع من أقوال المبتدعة، (ولم يخالف فيه غير النظَّام (^٥)
_________________
(١) أدب الطلب ومنتهى الأدب ص (٢٠٤).
(٢) نيل الأوطار (١/ ٤٢٦).
(٣) أبو الحسن علي بن محمد بن الحسين البزدوي، المعروف عند الحنفية بفخر الإسلام، ونسبته إلى بزدة، وهي: قلعة حصينة على ستة فراسخ من نسف، من تصانيفه المبسوط، وشرح الجامع الكبير والجامع الصغير، توفي سنة (٤٨٢) هـ، انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية (١/ ٣٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٠٢).
(٤) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٢٦٥)، قال علاء الدين البخاري شارحًا لكلمة البزدوي: (من أنكر الإجماع، أي: أنكر كونه حجة، فقد أبطل دينه؛ لأن مدار أصول الدين على الإجماع؛ إذ المعرفة بالقرآن، وأعداد الصلوات والركعات، وأوقات العبادات، ومقادير الزكوات وغيرها حصلت لنا بإجماع المسلمين على نقلها، فكان إنكار الإجماع مؤديًا إلى إبطالها). المرجع السابق (٣/ ٢٦٦).
(٥) إبراهيم بن سيار الضبعي البصري، شيخ المعتزلة، تكلم في القدر، وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ، وكان يقول: إن الله لا يقدر على الظلم ولا الشر، قال الذهبي: (لم يكن النظام ممن نفعه العلم والفهم، وقد كفره جماعة)، قال السبكي: (وكان يظهر الاعتزال … لكنه كان زنديقًا وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة، وكذلك أنكر الخبر المتواتر … وأنكر القياس … وكل ذلك زندقة لعنه الله وله كتاب: نصر التثليث على التوحيد)، مات سنة بضع وعشرين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٢)، الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ٣٥٣).
[ ١ / ١٥٩ ]
والإمامية) (^١)، قال الجويني (ت ٤٧٨): (وأول من باح برده النظّام ثم تابعه طوائف من الروافض) (^٢)، وهل للزيدية تأثير في ذلك على الشوكاني؟ محتمل (^٣).
- وقد كفّر طائفة مِن العلماء مَن لم يحتج بالإجماع مطلقًا، بل إن ابن حزم (ت ٤٥٦) قال في مراتب الإجماع: (ومن شرط الإجماع الصحيح أن يكفر من خالفه بلا اختلاف بين أحد من المسلمين) (^٤)، وتعقبه ابن تيمية في إطلاقه عدم الخلاف (^٥)، لكنه قال في فتاويه: (التحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه) (^٦)، وهذا الكلام حتى ولو كان في
_________________
(١) البحر المحيط (٦/ ٣٨٤).
(٢) البرهان في أصول الفقه (١/ ٢٦١).
(٣) في كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٢٤١): «وقال بعضهم) وهم الزيدية والإمامية من الروافض: لا يصح الإجماع إلا من عترة الرسول -﵇-، إلا أن الصنعاني نقل عن المقبلي أنه قال: (المشهور الذي لا يجهله إلا مقلد في النقل لا يصح تقليده أن الشيعة يقولون بحجية إجماع الأمة وحجة إجماع أهل البيت، فالرافضة لدخول المعصوم في الموضعين، وأما الزيدية فلا يقولون بالعصمة في الإمام ولا باشتراطها والنقل عنهم باشتراط ذلك باطل، ولكن يقولون بإجماع الأمة بمثل أدلة غيرهم وبإجماع أهل البيت)، كما في إجابة السائل شرح بغية الآمل ص (١٥٥).
(٤) مراتب الإجماع ص (١٠).
(٥) فقال في نقد مراتب الإجماع ص (٢٨٦): (لعله لم يبلغه الخلاف في ذلك، مع أن الخلاف في ذلك مشهور مذكور في كتب متعددة، والنَّظَّامُ نفسه المخالف في كون الإجماع حجة لا يكفره ابن حزم، والناس أيضا. فمن كفَّر مخالفَ الإجماع إنما يكفره إذا بلغه الإجماع المعلوم، وكثير من الإجماعات لم تبلغ كثيرا من الناس، وكثير من موارد النزاع بين المتأخرين يَدَّعي أحدهما الإجماع في ذلك، إما؛ أنه ظني ليس بقطعي، وإما؛ أنه لم يبلغ الآخر، وإما؛ لاعتقاده انتفاء شروط الإجماع).
(٦) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٧٠)، وقال الطوفي: (المختار أن منكر حكم الإجماع إن كان عاميًا كفر مطلقًا، ظنيًا كان الإجماع أو قطعيًا، إذا كان قد اشتهر الإجماع عليه، وعلمه المنكر، واعتقد تحريم إنكاره، وإن كان عالمًا، يفرق بين أنواع الإجماع، ويتصرف في الأدلة، لم يكفر إلا بإنكار مثل الأركان الخمسة، والصلوات الخمس، لجواز أن يقوم الدليل عنده على عدم وجوب ما أنكره). شرح مختصر الروضة (٣/ ١٣٧).
[ ١ / ١٦٠ ]
مسألة واحدة من القطعيات؛ أما الظنيات فإن العلماء اتفقوا على أن إنكار حكم الإِجماع الظني غير مُوجب كفرًا (^١).
- وبعد: فإن الشوكاني - ﵀ - وإن كان في ظاهر كلامه ومجموعه الذي سبق نقله ينكر حجية الإجماع مطلقًا، إلا أن له كلامًا مقيدًا، يظهر فيه احتجاجه بإجماع الصحابة فقط (^٢)، ومن أصرحها قوله في الإرشاد: (إجماع الصحابة حجة بلا خلاف) (^٣)، وقوله في النيل: (لا حجة في أفعال الصحابة وأقوالهم إلا أن يصح إجماعهم على أمر) (^٤)، مع أنه في المناسك لايبطل حج من تعمد الجماع ولوقبل التحلل، ولا يلزمه بفدية، والحجة فيه إجماع الصحابة، وسيأتي الإشارة لذلك في كتاب الحج.
_________________
(١) انظر: التحبير شرح التحرير (٤/ ١٦٨٢)، قال الطوفي: (مأخذ الخلاف في تكفير منكر حكم الإجماع هو أن الإجماع ظني أو قطعي؟ فمن قال: إنه ظني، قال: لا يكفر) شرح مختصر الروضة (٣/ ١٣٨).
(٢) وهذا القول نُسب لداود الظاهري، وابن حبان، وأحد قولي الإمام أحمد، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١١/ ٣٤١): (لكن المعلوم منه الإجماع هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما بعد ذلك؛ فتعذر العلم به غالبًا)، وقال في الواسطية ص (١٢٨): (والإجماع الذي ينضبط، هو: ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة). وانظر: البحر المحيط (٦/ ٤٣٨).
(٣) إرشاد الفحول (١/ ٢١٧)، وهو في ذلك متابع لما في البحر المحيط الذي نهل واغترف منه، لكنه خالفه في إجماع من بعد الصحابة؛ حيث قال في البحر: (وهكذا إجماع غيرهم من العلماء في سائر الأعصار خلافًا لداود الظاهري حيث قال: إجماع اللازم يختص بعصر الصحابة، فأما إجماع من بعدهم فليس بحجة)، ولم يذكر الشوكاني أن إجماع غير الصحابة كإجماعهم، بل ذكر قول داود في قصر الإجماع اللازم على الصحابة وما ينصر هذا القول.
(٤) نيل الأوطار (٥/ ٣١٨).
[ ١ / ١٦١ ]
- وهل قوله في الإرشاد: (بلا خلاف) استدلال منه بالإجماع مع أنه لايحتج به؟! وهذا عجيب، ومن العجيب أيضًا أن الشوكاني لم يستطع الطعن في الإجماع على نجاسة الدم كما طعن في الإجماع على وجوب الزكاة في العروض بمخالفة الظاهرية وإنما أعرض عن ذكره (^١).
- ثم إني وقفت على رسالة علمية بعنوان: "الإجماع عند الإمام الشوكاني" مما قال في خاتمتها عن الإجماع: (المخالفون في ذلك إما أهل بدع وضلال، وإما علماء زلوا في هذه المسألة عن سبق نظر، ومن هؤلاء الشوكاني)، ثم قال: (أخطأ الشوكاني خطأً بيّنًا في رده الإجماع)، ثم قال عن إيراده للإجماع في بعض المسائل أنه: (من باب الاحتجاج على الخصم بما يعتقد صحته لا غير، يعني: من باب التقرير لا الإقرار) (^٢).
- أما من تبع الشوكاني في طهارة الدم الكثير من العلماء المعاصرين؛ فإما أن يوافقوه في أصله بعدم الاحتجاج بإجماع من بعد الصحابة، وإما أن يسلموا بالإجماع المستقر قبل الشوكاني.
- أما الألباني فوقف على إجماع فيه إطلاق بنجاسة جميع الدماء؛ فطعن في إطلاقه (^٣)، وأما العثيمين فكان يقرر الإجماع
_________________
(١) قال في الدراري المضية (٢/ ١٦٠): (وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة، وهذا النقل ليس بصحيح، فأول من يخالف في ذلك الظاهرية، وهم فرقة من فرق الإسلام)، وانظر: رفع الشك وإثبات اليقين ص (٩٣).
(٢) الإجماع عند الإمام الشوكاني لعارف المرادي ص (٣٩٢ - ٣٩٣).
(٣) قال في الصحيحة (١/ ٦٠٥) بعد أن ذكر نجاسة دم الحيض: (أما سائر الدماء فلا أعلم نجاستها، اللهم إلا ما ذكره القرطبي في تفسيره من اتفاق العلماء على نجاسة الدم. هكذا قال " الدم " فأطلقه، وفيه نظر من وجهين).
[ ١ / ١٦٢ ]
ومايقتضيه (^١)، ثم قوَّى في الشرح الممتع (^٢) القول بطهارة دم الآدمي مالم يخرج من السبيلين واستدل على ذلك بما لم يستدل به من قبله.
المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته (^٣)، فالذي يظهر أن نسبة القول بطهارة الدم الكثير إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث مخالف يصح أن يُخرم به الإجماعات المتتابعة عبر العصور والطبقات المتوالية، ولا يعرف من قرَّر هذا القول قبل الشوكاني، (وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (^٤)، والله أعلم.
_________________
(١) قال في مجموع الفتاوى والرسائل (١١/ ٢٦٣): (فهذه أقوال أهل العلم من أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم صريحة في القول بنجاسة الدم).
(٢) (١/ ٤٤١).
(٣) وقد ذكرت في بداية هذا المبحث أن المسألة المراد بحثها وتصحيح نسبتها إلى الشذوذ من عدمه، هي: القول بطهارة الدم الكثير السائل في أصله غير دم السمك والشهيد.
(٤) هذه عبارة ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٧٢١)، وهي ليست لهذه المسألة ولكنها مناسبة للسياق.
[ ١ / ١٦٣ ]
(من أراد الإِنصاف فليتوهم نَفسه مكان خصمه فإِنه يلوح لهُ وَجه تعسّفه).
ابن حزم الأخلاق والسير (ص 82)
[ ١ / ١٦٤ ]