ذهب بعض أهل العلم إلى أن كون المسبوق (^١) أن يصلي ما فاته أولًا ثم يدخل مع الإمام، كان أولًا ثم نسخ.
وممن صرح بالنسخ: الإمام الشافعي (^٢)، والسرخسي (^٣)، والحازمي (^٤)، والكاساني (^٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٦).
وبقية أهل العلم وإن لم يصرحوا بالنسخ إلا أنهم لا خلاف بينهم في أن المسبوق إذا دخل مع الإمام في الصلاة فإنه يتابعه، ويصنع كما يصنع، ثم يقضي ما سبقه به إذا سلم الإمام (^٧).
_________________
(١) المسبوق هو الذي لم يدرك أول الصلاة مع الإمام. بدائع الصنائع ١/ ٥٦٣. وانظر: التعريفات الفقهية لمحمد عميم ص ٢٠٣.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٧٨.
(٣) انظر قوله في: المبسوط ١/ ٤٠.
(٤) انظر: الاعتبار ص ٢٧٦.
(٥) انظر: يدائع الصنائع ١/ ٥٦٣.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤١٥.
(٧) انظر: سنن الترمذي ص ١٥١؛ "المبسوط ١/ ٤٠؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٦٣؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٩٩"؛ " الكافي لابن عبد البر ص ٤٨؛ جامع الأمهات ص ١١٢؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٤٧٢؛ التاج والإكليل ٢/ ٤٧٢"؛ " الأم ١/ ٣١١؛ الاعتبار ص ٢٧٨؛ العزيز ٢/ ٢٠٣؛ روضة الطالبين ص ١٦٧؛ مغني المحتاج ١/ ٢٥٧"؛ "المغني ٢/ ١٨٣، ١٨٤؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٩٨؛ منتهى الإرادات ١/ ٧٦".
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولًا: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: وحدثنا أصحابنا- إلى أن قال: - (وكان الرجل إذا جاء يسأل فيُخبرُ بما سُبق من صلاته، وإنهم قاموا مع رسول الله من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله -ﷺ-، فجاء معاذ فأشاروا إليه، فقال معاذ: لا أراه على حال إلا
كنت عليها، قال: فقال: «إن معاذًا قد سنّ لكم سُنَّةً كذلك فافعلوا» (^١).
وفي رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل -﵁- قال: (كنا نأتي الصلاة إذ جاء رجل وقد سُبق بشيء من الصلاة أشار إليه بالذي يليه: قد سُبقت بكذا وكذا، فيقضي، قال: فكنا بين راكع، وقائم، وقاعد، فجئت يومًا وقد سُبقت ببعض الصلاة، وأُشير إليَّ بالذي سُبقت به، فقلت: لا أجده على حال إلا كنت عليها، فكنت بحالهم التي وجدتهم عليها، فلمّا فرغ رسول الله -ﷺ- قمت فصليت، واستقبل رسول الله -ﷺ- الناس، وقال: «من القائل كذا وكذا؟»، قالوا: معاذ بن جبل، فقال: «قد سَنَّ لكم معاذ فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم وقد سُبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه به» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٨٥، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، ح (٥٠٦). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٨٥: (صحيح).
(٢) أخرجه الإمام احمد في مسنده ٢٦/ ٣٦٣، والحازمي في الاعتبار-واللفظ له- ص ٢٧٧. قال ابن حجر في التلخيص ٢/ ٤٢: (عبد الرحمن لم يسمع من معاذ، لكن رواه أبو داود من وجه آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحابنا-فذكره-).
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
ثانيًا: عن معاذ بن جبل -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام» (^١).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسعَون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (^٢).
رابعًا: عن المغيرة بن شعبة -﵁- قال: (تخلف رسول الله -ﷺ-، فذكر هذه القصة (^٣)، قال:
فأتينا الناس وعبد الرحمن بن عوف يصلي بهم الصبح، فلما رأى النبي -ﷺ- أراد أن يتأخر، فأومأ إليه أن يمضي، قال: فصليت أنا والنبي -ﷺ- خلفه ركعة، فلما سلم قام النبي -ﷺ- فصلى الركعة التي سُبق بها، ولم يزد عليها شيئًا) (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ص ١٥١، كتاب الصلاة، باب ما ذُكر في الرجل يُدرك الإمام وهو ساجد كيف يصنع؟ ح (٥٩١)، والحازمي في الاعتبار ص ٢٧٦. قال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده إلا ما روي من هذا الوجه). وقال ابن حجر في التلخيص ٢/ ٤٢: (فيه ضعف وانقطاع) ثم ذكر رواية أحمد وأبي داود عن ابن أبي ليلى عن معاذ، وهو الحديث السابق. وحديث معاذ هذا صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ١٥١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٩، كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، ح (٩٠٨)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤١٠، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، ح (٦٠٢) (١٥١).
(٣) المراد بهذه القصة هي ما ذكرت في الحديث الذي ذكره أبو داود قبل هذا الحديث وهو خروجهم في غزوة تبوك، وأنه وضَّأ النبي -ﷺ-، ومسح على الخفين.
(٤) أصله في الصحيحين، وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود في سننه ص ٢٨، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، ح (١٥٢). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٢٨.
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
وجه الاستدلال منها
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر، حيث إن بعض هذه الأدلة يدل أنه كان أولًا إذ جاء رجل وقد سُبق بشيء من الصلاة قضى ما سُبق به ثم يدخل مع الإمام، ثم أمر النبي -ﷺ- بأن من جاء وقد سُبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام ويصنع كما يصنع الإمام، فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه به.
وبعضها يدل على أن النبي -ﷺ- لما سُبق بركعة صلى مع الإمام ما أدركه ثم قضى ما فاته، وأنه أمر كل من سُبق بشيء من الصلاة أن يصلي مع الإمام ما أدركه وأن يقضي ما فاته.
فثبت من هذا كله نسخ أن يصلي المسبوق ما فاته ثم يدخل مع الإمام، وأن المسبوق إذا جاء يدخل مع الإمام، ويصنع كما يصنع الإمام، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٧٦ - ٢٧٨؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٦٣؛ نيل الأوطار ٣/ ١٥٢، ١٥٣.
[ ٢ / ١٠٣٨ ]