ذهب الطحاوي إلى أن الوتر على الراحلة، كان أولًا، ثم نسخ، لذلك لا يجوز لأحد أن يصلي الوتر على الراحلة، بل يصليه على الأرض كالفرائض (^١).
وتبين منه أن القول به أحد أسباب الاختلاف، كما أن الخلاف في حكم الوتر سبب آخر لاختلافهم في المسألة (^٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن ابن عمر﵄- (أنه كان يصلى على راحلته، ويوتر بالأرض، ويزعم أن رسول الله -ﷺ- كان يفعل كذلك) (^٣).
وقال مجاهد: (أن ابن عمر﵄- كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به، فإذا كان في السحر نزل فأوتر) (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٣١؛ فتح القدير لابن الهمام ١/ ٤٢٥.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٣١؛ بدابة المجتهد ١/ ٣٩٠.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٢٩.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٢٩. وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ٧١١ - بعد حديث ابن عمر -﵁- أنه كان يوتر على راحلته-: (وقوله: (يوتر عليها) لا يعارض ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن سعيد بن جيبر "أن ابن عمر كان يصلي على الراحلة تطوعًا فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض" لأنه محمول على أنه فعل كلًا من الأمرين).
[ ٢ / ٩٥٨ ]
ثانيًا: عن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر» (^١).
ثالثًا: عن خارجة بن حذافة (^٢) -﵁- قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- فقال: «إن الله قد
أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٢٠، كتاب الصلاة، باب استحباب الوتر، ح (١٤١٦)، والترمذي في سننه ص ١٢١، كتاب الوتر، باب ما جاء في أن الوتر ليس بحتم، ح (٤٥٣)، والنسائي في سننه ص ٢٧٥، كتاب قيام الليل، باب الأمر بالوتر، ح (١٦٧٥)، وابن ماجة في سننه ص ٢٠٨، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوتر، ح (١١٦٩). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٢٢٠.
(٢) هو: خارجة بن حذافة بن غانم، القرشي العدوي، أسلم عام الفتح، وروىعن النبي -ﷺ-، وروى عنه عبد الرحمن بن جبير، وغيره، وسكن مصر، وقتل بها سنة أربعين. انظر: الإصابة ١/ ٤٥٢؛ التهذيب ٣/ ٦٨.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٢٠، كتاب الصلاة، باب استحباب الوتر، ح (١٤١٨)، والترمذي في سننه ص ١٢١، كتاب الوتر، باب ما جاء في فضل الوتر، ح (٤٥٢)، وابن ماجة في سننه ص ٢٠٨، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوتر، ح (١١٦٨)، والدارمي في سننه ١/ ٤٤٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٠، والدارقطني في سننه ٢/ ٣٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٤٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٦٧١. قال الترمذي: (حديث غريب). وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في التلخيص ٢/ ١٦: (وضعفه البخاري، وقال ابن حبان: إسناد منقطع، ومتن باطل). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ١٥٦: (صحيح دون قوله "هي خير لكم من حمر النعم")، ثم ذكر طرق الحديث وصحح إسناد بعضها.
[ ٢ / ٩٥٩ ]
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عبد الله بن عمر -﵄- يدل على أن النبي -ﷺ- كان يوتر على الأرض، وحديث علي، وخارجة بن حذافة -﵄يدلان على تأكيد أمر الوتر وإحكامه وتغليظه، فيجوز أن يكون وتر رسول الله -ﷺ- على الراحلة قبل أن يحكم الوتر ويغلظ أمره، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لوتره على الراحلة (^١).
واعترض عليه: بأنه لا منازعة في أولوية الوتر على الأرض، أما ما ذكر من وجه الاستدلال على النسخ فمجرد احتمال، إذ لا دليل على أن هذه الأحاديث بعد وتر النبي -ﷺ- على الراحلة حتى تكون ناسخة له، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (^٢).
وعلى تقدير أن الأمر بالوتر وتأكيده كان بعد وتر النبي -ﷺ- على الراحلة، فليس فيه كذلك ما يدل على النسخ؛ لأن المروي عن النبي -ﷺ- أنه كان يصلي التطوع ويصلي الوتر على الراحلة، ولا يصلى عليها المكتوبة، ففيه فرق بين المكتوبة وغيرها، فلم يكن يصلي المكتوبة على الراحلة، ويصلي عليها غير ذلك سواء كان الوتر أو غيره من الصلوات، فإن كان الوتر من التطوع فقد كان -ﷺ- يصلي التطوع على الراحلة، وإن
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣١؛ فتح القدير ١/ ٤٢٥.
(٢) انظر: مختصر قيام الليل ص ٣٠٢؛ فتح الباري ١/ ٧٤٥، ٢/ ٦٠٢؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٥٩٢.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
كان الوتر غير التطوع فكذلك كان يصليه على الراحلة، ولم يكن يصلي المكتوبة على الراحلة وليس الوتر منها بلا خلاف
بين أهل العلم (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الوتر على الراحلة على قولين:
القول الأول: لا يصلى الوتر على الراحلة.
وهو قول الحنفية (^٢).
القول الثاني: يجوز أن يصلي الوتر على الراحلة.
وهو قول المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥). وروي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن عباس، -﵃-. وبه قال عطاء وسفيان الثوري، وإسحاق وداود (^٦).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يجوز أن يصلي الوتر على الراحلة- بالأدلة التي استدل بها للقول بالنسخ.
_________________
(١) انظر: مختصر قيام الليل ص ٣٠١، ٣٠٢؛ التمهيد ٤/ ١٩٦.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٣١؛ بدائع الصنائع ١/ ٦٠٨؛ البناية ٢/ ٥٦٩.
(٣) انظر: التمهيد ٤/ ١٩٥، ١٩٦، ٤٠٥؛ الاستذكار ٢/ ١١١؛ بداية المجتهد ١/ ٣٠٩.
(٤) انظر: مختصر المزني ص ٣٤؛ الحاوي ٢/ ٢٨٩؛ المجموع ٣/ ٣٥٨؛
(٥) انظر: المغني ٢/ ٥٩٣؛ الشرح الكبير ٤/ ١٠٩؛ الفروع ٢/ ٣٥٨.
(٦) انظر: مختصر قيام الليل ص ٣٠١، ٣٠٢؛ المجموع ٣/ ٣٥٨؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٥٩١.
[ ٢ / ٩٦١ ]
ووجه الاستدلال منها: أن الوتر أمره مؤكد، فهو فوق التطوع من الصلوات، لذلك نزل ابن عمر﵄- عن الراحلة فصلاه على الأرض.
قالوا: وما روي من أن النبي -ﷺ- صلى الوتر على الراحلة، فهو يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون صلى الوتر على الراحلة لعذر.
الثاني: أن ذلك لعله كان قبل أن يحكم الوتر ويغلظ أمره، ثم أحكم بعد، ولم يرخص في تركه (^١).
واعترض عليه: بأنه صح عن النبي -ﷺ- أنه كان يصلى التطوع والوتر على الراحلة في
السفر، كما ثبت ذلك عن ابن عمر﵄-، وما روي عن ابن عمر -﵄- أنه نزل عن الراحلة وصلاه على الأرض، فهو يدل على أن كلا من الأمرين جائز، وليس في الأحاديث أن النبي -ﷺ- صلى الوتر لعذر، فهو دعوى لا دليل عليها (^٢).
أما دعوى أن ذلك كان قبل أن يؤكد أمر الوتر ويغلظ، فقد سبق ما يرده في الاعتراض على وجه الاستدلال على النسخ.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يجوز أن يصلي الوتر على الراحلة- بما
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٤٠؛ بدائع الصنائع ١/ ٦٠٨؛ البناية ٢/ ٥٦٩؛ مختصر قيام الليل ص ٣٠٢.
(٢) انظر: مختصر قيام الليل ص ٣٠٢؛ بداية المجتهد ١/ ٣٩٠؛ فتح الباري ٢/ ٧١١.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
يلي:
أولًا: عن ابن عمر﵄قال: «كان النبي -ﷺ- يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يُومئُ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته» (^١).
ثانيًا: عن ابن عباس -﵄- «أن رسول الله -ﷺ- أوتر على راحلته» (^٢).
والحديثان صريحان في جواز الوتر على الراحلة في السفر، وقد عمل به بعض الصحابة -﵃- بعد النبي -ﷺ-، فكان يصلي الوتر على الراحلة، منهم علي ابن أبي طالب وابن عمر -﵄- (^٣).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: أنه يجوز الوتر على الراحلة في السفر، وذلك:
أ-لثبوت ذلك عن النبي -ﷺ- حيث كان يوتر على الراحلة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٩٧، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، ح (١٠٠٠)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٣٠، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النافلة على الدابة في السفر، ح (٧٠٠) (٣٩).
(٢) أخرجه محمد بن نصر المروزي في قيام الليل- مختصر قيام الليل- ص ٣٠١.
(٣) انظر: مختصر قيام الليل ص ٣٠١؛ التمهيد ٤/ ١٩٦؛ المغني ٢/ ٥٩٣؛ المجموع ٣/ ٣٥٨.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
ب-ولأن أدلة من قال بعدم جواز الوتر على الراحلة في السفر، لا يعارض دليل من قال
بجواز ذلك؛ لما فيها من الكلام، ثم هي ليست صريحة في النهي عن ذلك، ولذلك يكون القول بجواز الوتر على الراحلة في السفر جائزًا بلا شك.
ثانيًا: إن ادعاء نسخ الوتر على الراحلة ضعيف وغير صحيح؛ لأنه ليس عليه أي دليل، ثم يؤكد عدم النسخ عمل بعض الصحابة على ذلك بعد النبي -ﷺ-؛ حيث كان علي بن أبي طالب وابن عمر -﵃يوتران على الراحلة في السفر، فلو كان ذلك منسوخًا لما عملا به (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٠؛ مختصر قيام الليل ص ٣٠١.
[ ٢ / ٩٦٤ ]