لا خلاف بين أهل العلم في أن النبي -ﷺ- بعد ما هاجر إلى المدينة صلى قبل بيت المقدس سنة وبضعة أشهر، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى بيت الله الحرام، ونسخ كون بيت المقدس قبلة، وصارت قبلة المسلمين الكعبة المشرفة وبيت الله الحرام (^١).
لكنهم اختلفوا في صلاته -ﷺ- بمكة قبل الهجرة هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة على قولين:
القول الأول: أنه -ﷺ- كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، إلى أن قدم المدينة، ثم بالمدينة صلى إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا أو نحوها حتى صرفه الله إلى الكعبة (^٢).
_________________
(١) انظر القول بالنسخ في: الناسخ والمنسوخ للزهري ص ١٨؛ أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٠٢، ١٠٣؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٩؛ التمهيد ١/ ١٠٦، ٥/ ٣٦٤؛ الاستذكار ٢/ ٤٣٩؛ الاعتبار ص ١٩١؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ١٤٦، ١٤٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٢؛ مجموع الفتاوى ٢٧/ ١١، ٣٧٠؛ تفسير ابن كثير ١/ ١٨٠؛ فتح الباري ١/ ١٢١، ١٢٣.
(٢) انظر: التمهيد ٥/ ٣٦٥؛ الاستذكار ٢/ ٤٣٩؛ تفسير القرطبي ٢/ ١٤٦؛ فتح الباري ١/ ١٢١. وذكر ابن حجر أن هذا هو الأصح، وذكر ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨٠، أن هذا قول ابن عباس والجمهور.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
الثاني: أنه -ﷺ- كان بمكة يصلى إلى الكعبة طول مقامه بمكة، ثم لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس سنة وأشهرًا، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة (^١).
وكذلك اختلفوا في توجه النبي -ﷺ- إلى بيت المقدس هل كان بنص الكتاب، أم كان بالسنة على قولين:
القول الأول: أن ذلك كان ثابتًا بالكتاب، فيكون من باب نسخ القرآن بالقرآن (^٢).
القول الثاني: أن ذلك كان ثابتًا بالسنة، ونسخ بالقرآن، فيكون من باب نسخ السنة بالقرآن (^٣).
أدلة النسخ
من أدلة نسخ استقبال بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٤).
ثانيًا: عن البراء بن عازب -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- صلى نحو بيت
_________________
(١) وهذا صححه ابن عبد البر. انظر: التمهيد ٥/ ٣٦٦، ٣٦٧؛ الاستذكار ٢/ ٤٣٩؛ تفسير القرطبي ٢/ ١٤٦ فتح الباري ١/ ١٢١
(٢) انظر: الاعتبار ص ١٩٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٢.
(٣) انظر: الاعتبار ص ١٩٣؛ تفسير القرطبي ٢/ ١٤٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٢.
(٤) سورة البقرة، الآية (١٤٤).
[ ٢ / ٧٩٦ ]
المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله -ﷺ- يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﷿:: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس-وهم اليهود-: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] فصلى مع النبي -ﷺ- رجل ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله -ﷺ- وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة) (^١).
ثالثًا: عن ابن عمر -﵁- قال: بين الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله -ﷺ- قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها»، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (^٢).
رابعًا: عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فمرّ رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كماهم نحو القبلة) (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٧٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٧، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة، ح (٤٠٣)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٨٣، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، ح (٥٢٦) (١٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٨٤، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، ح (٥٢٧) (١٩).
[ ٢ / ٧٩٧ ]
خامسًا: عن ابن عباس -﵁- قال: (أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا-والله أعلم- شأن القبلة قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسول الله -ﷺ- فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، فقال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. يعنون بيت المقدس، فنسخها فصرفه الله إلى البيت العتيق فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]) (^١).
وفي رواية عنه -﵁- قال: (إن أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله -ﷺ- بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله -ﷺ- يحب قبلة إبراهيم ﵇، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٩٤، وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى -واللفظ له- ٢/ ١٩، والحازمي في الاعتبار ص ١٩٣.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال ابن عباس: وليميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة) (^١).
وفي رواية ثالثة عنه -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يصلي نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرًا، ثم صرف إلى الكعبة» (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٠، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٣٦٨.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٣٦٦، والاستذكار ٢/ ٤٤٠.
[ ٢ / ٧٩٩ ]