ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة المأموم جالسًا إذا كان الإمام يصلي جالسًا لعذر قد نسخ؛ لذلك إذا كان الإمام يصلي جالسًا لعذر فإن المأمومين يصلون خلفه قيامًا لا قعودًا (^١).
وممن روي عنه القول بالنسخ أو قال به: عبد الله بن المبارك (^٢)، والإمام الشافعي (^٣)، والحميدي (^٤)، والبيهقي (^٥)، وابن عبد البر (^٦)، والسرخسي (^٧)، والحازمي (^٨).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد الأسباب الرئيسيَّة لاختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأحاديث الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (^٩).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن أنس بن مالك -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- ركب فرسًا فصُرع عنه
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٦٨؛ المجموع ٤/ ١١٥؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٨٦.
(٣) انظر: الأم ١/ ٣٠٣؛ الرسالة للإمام الشافعي ص ٢٥٤؛ الاعتبار ص ٢٨٩.
(٤) انظر: صحيح البخاري ص ١٣٩؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨.
(٥) انظر: السنن الكبرى له ٣/ ١١٤.
(٦) انظر: التمهيد ٤/ ٢٧١.
(٧) انظر: المبسوط ١/ ٢١٤.
(٨) انظر: الاعتبار ص ٢٨٦، ٢٨٧.
(٩) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٩٤؛ الاعتبار ص ٢٨٦.
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
فجُحِشَ (^١) شِقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتَمّ به فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد. وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون» (^٢).
ثانيًا: عن جابر -﵁- قال: اشتكى رسول الله -ﷺ- فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا، فلَمّا سلّم قال: «إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمُّوا بأئمتكم إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» (^٣).
ثالثًا: عن عائشة﵂- قالت: لما ثقل رسول الله -ﷺ- جاء بلال يُؤْذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس»، فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى ما يقم مقامك لا يُسمع الناسَ، فلو أمرت عمر. فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس» فقلت لحفصة: قولي
_________________
(١) جُحش أي انخدش جلده. النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣٩، كتاب الأذان، باب إنما جُعل الإمام ليؤتَمّ به، ح (٦٨٩)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٢٣٣، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، ح (٤١١) (٧٧).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٢٣٤، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، ح (٤١٣) (٨٤).
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
له: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لم يُسمع الناس فلو أمرت عمر. فقال: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس» فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله -ﷺ- في نفسه خفة، فقام يُهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله -ﷺ-، فجاء رسول الله -ﷺ- حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله -ﷺ- يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله -ﷺ-، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر -﵁- (^١).
رابعًا: حديث ابن عباس -﵁- وفيه: ثم جاء بلال يُؤْذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق حَصِر (^٢)، ومتى لا يراك يبكي، والناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلي بالناس. فخرج أبو بكر فصلى بالناس، فوجد رسول الله -ﷺ- من نفسه خِفَّة، فخرج يُهادى بين رجلين، ورجلاه تخُطَّان في الأرض، فلما رآه الناس سَبّحوا بأبي بكر، فذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي -ﷺ- أي مكانك، فجاء رسول الله -ﷺ- فجلس عن يمينه، وقام أبو بكر، وكان أبو بكر يأتم بالنبي -ﷺ-، والناس
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٣، كتاب الأذان، باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم، ح (٧١٣)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٢٤٠، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، ح (٤١٨) (٩٥).
(٢) الحصر الحبس والمنع، يقال حصر القارئ أي مُنع القراءة فهو حصر. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٨٦؛ المصباح المنير ص ١٢١.
[ ٢ / ١٠٤١ ]
يأتَمُّون بأبي بكر. قال ابن عباس: وأخذ رسول الله -ﷺ- من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أنس، وجابر﵄يدلان على أن المأمومين يصلون قعودًا إذا كان الإمام يصلي جالسًا، وحديث عائشة وابن عباس -﵃فيهما أن النبي -ﷺ- صلى قاعدًا، وصلى أبو بكر -﵁- والصحابة﵃خلفه قيامًا، وهذا كان في مرض موت رسول الله -ﷺ-، فدل ذلك على نسخ صلاة المأمومين قعودًا إذا كان الإمام يصلى قاعدًا لعذر؛ لأن صلاة الصحابة﵃- خلف رسول الله -ﷺ- قعودًا لما صلى قاعدًا وأمره لهم بالقعود إذا صلى الإمام قعودًا كان قبل ذلك؛ وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله -ﷺ- (^٢).
واعترض عليه: بأن الإمام في تلك الصلاة كان أبو بكر -﵁- وهو كان يصلي قائمًا فصلى الناس خلفه قيامًا، والنبي -ﷺ- كان فيها مأمومًا، يدل على ذلك:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٢٢٠، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في صلاة رسول الله -ﷺ- في مرضه، ح (١٢٣٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٥، وابن عبد البر في التمهيد ٤/ ٢٨٤، ونحوه البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١١٥. وصححه ابن عبد البر، وحسنه ابن حجر والشيخ الألباني. انظر: التمهيد ٤/ ٢٨٤؛ فتح الباري ٢/ ٢١٧؛ صحيح سنن ابن ماجة ص ٢١٩.
(٢) انظر: الأم ١/ ٣٠٣؛ الرسالة للشافعي ص ٢٥٤؛ شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٥؛ التمهيد ٤/ ٢٧١؛ الاستذكار ٢/ ١٦٩؛ الاعتبار ص ٢٨٨.
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
أولًا: عن عائشة﵂- قالت: «صلى رسول الله -ﷺ- خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدًا» (^١).
ثانيًا: عن أنس -﵁- قال: «آخر صلاة صلاها رسول الله -ﷺ- مع القوم، صلى في ثوب
واحد متوَشِّحًا (^٢)، خلف أبي بكر -﵁-) (^٣).
وأجيب عنه: بأن صلاة النبي -ﷺ- خلف أبي بكر -﵁- كان في غير تلك الصلاة في مرضه، فهما واقعتان لا واحدة، ويدل على أن النبي -ﷺ- كان هو الإمام لا أبو بكر: ما ذكر في حديث عائشة﵂- أن النبي -ﷺ- جلس عن يسار أبي بكر -﵁- وهو موقف الإمام، وكما جاء في بعض الأحاديث من أنه -ﷺ- أخذ القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر، فدل ذلك أنه
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ص ٩٩، أبواب الصلاة، باب منه، ح (٣٦٢)، والسنائي في سننه ص ١٣٠، كتاب الإمامة، باب صلاة الإمام خلف رجل من رعيته، ح (٧٨٦)، الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١١٧. وصححه الترمذي، والشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٩٩؛ صحيح سنن الترمذي ص ٩٩.
(٢) التوشّح بالثوب: هو أن يدخله تحت إبطه الأيمن ويلقيه على منكبه الأيسر كما يفعله المحرم، ويقال: توشّح بثوبه أي تغشّى به. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٨٥٠؛ المصباح المنير ص ٥٤٢.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ص ٩٩، أبواب الصلاة، باب منه، ح (٣٦٣)، والسنائي في سننه-واللفظ له-ص ١٣٠، كتاب الإمامة، باب صلاة الإمام خلف رجل من رعيته، ح (٧٨٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٦، وصححه الترمذي والشيخ الألباني. انظر: صحيح سنن الترمذي ص ٩٩.
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
-ﷺ- كان هو الإمام، وقد صلوا خلفه قيامًا (^١).
واعترض عليه كذلك: بأنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى النسخ، وهنا أمكن الجمع بينها، وذلك بحمل حديث عائشة وابن عباس﵃- الذين سبق ذكرهما على ما إذا بدأ الإمام قائمًا ثم حصلت له علة، فإن من خلفه يتمُّون صلاتهم قيامًا، أما إذا بدأ الإمام الصلاة قعودًا فإن المأمومين يصلون خلفه قعودًا؛ للأحاديث الدالة على ذلك (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في صلاة المأموم وكيفيتها إذا كان الإمام يصلي قاعدًا لعذر على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تجوز الصلاة خلف الإمام القاعد، لكن من ليس له عذر فلا يجوز له أن يصلي خلفه قعودًا.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٧؛ السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ١١٨؛ التمهيد ٤/ ٢٨٠. قال البيهقي في سننه ٣/ ١١٨: (وذهب موسى بن عقبة في مغازيه إلى أن أبا بكر صلى من صلاة الصبح يوم الاثنين ركعة، وهو اليوم الذي توفي فيه النبي -ﷺ- فوجد النبي -ﷺ- في نفسه خفة فخرج فصلى مع أبي بكر ركعة، فلما سلم أبو بكر قام فصلى الركعة الأخرى. فيحتمل أن تكون هذه الصلاة مراد من روى أنه صلى خلف أبي بكر في مرضه، فأما الصلاة التي صلاها أبو بكر خلفه في مرضه فهي صلاة الظهر يوم الأحد أو يوم السبت، كما روينا عن عائشة وابن عباس في بيان الظهر، فلا تكون بينهما منافاة، ويصح الاحتجاج بالخبر الأول).
(٢) انظر: المغني ٣/ ٦٢؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨؛ نيل الأوطار ٣/ ١٧٢.
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
وهو مذهب الحنفية (^١)، ورواية عن الإمام مالك (^٢)، ومذهب الشافعية (^٣)، وقول سفيان الثوري، وأبي ثور، والحميدي (^٤).
القول الثاني: لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد، فلا يصلي خلفه لا قائمًا ولا قاعدًا.
وهو مذهب المالكية (^٥)، وقول محمد بن الحسن من الحنفية (^٦).
القول الثالث: لا تصح الصلاة خلف الإمام العاجز عن القيام إلا إمام الحيّ المرجُوّ زوال علته فتصح، ويصلون خلفه جلوسًا ندبًا، وإن اعتل الإمام في أثنائها فجلس فإن من خلفه يتمُّونها قيامًا وجوبًا.
وهو مذهب الحنابلة (^٧). وروي القول بالصلاة قعودًا خلف الإمام إذا صلى قاعدًا عن: جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس بن قَهد (^٨) -رضي
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٨؛ مختصر القدوري ص ٣٠؛ المبسوط ١/ ٢١٣؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٩٠.
(٢) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ٢٩٢؛ التمهيد ٤/ ٢٨١.
(٣) انظر: الأم ١/ ٣٠٣؛ مختصر المزني ص ٣٦؛ الحاوي ص ٣٠٦؛ المجموع ٤/ ١١٤.
(٤) انظر: الحاوي ٢/ ٣٠٦؛ المجموع ٤/ ١١٤.
(٥) انظر: الإشراف ١/ ٢٩٢؛ التمهيد ٤/ ٢٨١؛ بداية المجتهد ١/ ٢٩٤؛ جامع الأمهات ص ١٠٩؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٤١٩.
(٦) انظر: الحجة ١/ ١٢٨؛ شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٨؛ المبسوط ١/ ٢١٣؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٩٠.
(٧) انظر: المغني ٣/ ٦٠، ٦٤؛ الشرح الكبير ٤/ ٣٧٥؛ الفروع ٣/ ٣٣؛ شرح الزركشي ١/ ٤١٥؛ الإنصاف ٤/ ٣٧٥، -٣٧٧؛ زاد المستقنع ص ١٧؛ منتهى الإرادات ١/ ٨٠.
(٨) هو: قيس بن قهد الأنصاري، له صحبة، وشهد بدرًا، وروى عنه قيس بن أبي حازم، وسليم بن قيس. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٢٤؛ الإصابة ٣/ ١٦٤٤.
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
الله عنهم- (^١).
وهو قول الأوزاعي، وحماد بن زيد (^٢)، وإسحاق وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن حبان (^٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنهم يصلون خلفه قيامًا-بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة وابن عباس -﵃-.
ووجه الاستدلال منهما: أن الصحابة﵃- صلوا قيامًا خلف النبي -ﷺ-، وهو كان يصلي قاعدًا، فدل ذلك أن المأمومين يصلون قيامًا إذا كان الإمام يصلي جالسًا لعذر. ويؤكد ذلك أن القيام ركن من أركان الصلاة، فإذا أطاقه الإمام صلى قائمًا وكان ذلك فرضه، وإذا لم يطقه صلى جالسًا وكان ذلك فرضه، فكذلك يصلي المأمومون كما يطيقون (^٤).
واعترض عليه: بأن الأحاديث التي فيها الأمر بالصلاة قعودًا إذا كان
_________________
(١) انظر: التمهيد ٤/ ٢٨٠؛ المغني ٣/ ٦١؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨.
(٢) هو: حماد بن زيد بن درهم، الأزديّ الجهضميّ أبو إسماعيل البصرى، مولى آل جرير بن حازم. ثقة، وروى عن: ثابت البناني، وأبي حازم، وغيرهما، وروى عنه: ابن المبارك، وابن مهدي، وغيرهما. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٩؛ التقريب ١/ ٢٣٨.
(٣) انظر: المغني ٣/ ٦١؛ المجموع ٤/ ١١٤؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨.
(٤) انظر: الأم ١/ ٣٠٣؛ شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٨؛ التمهيد ٤/ ٢٧٠.
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
الإمام يصلي قاعدًا لم يختلف في سياقها، ثم هي صريحة في المراد بها، أما الأحاديث التي يستدل منها على صلاة المأموم قائمًا إذا كان الإمام يصلي جالسًا فهي تحتمل ذلك وغيره؛ حيث إنها تحتمل أنهم إنما صلوا قيامًا لأن الإمام بدأ الصلاة قيامًا، وإذا حملت تلك الأحاديث على هذا فلا تعارض بينها (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو عدم صحة الصلاة خلف من يصلي قعودًا- بما روي عن الشعبي أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يؤمن أحد بعدي جالسًا» (^٢).
فهذا يدل على أنه لا يصح الصلاة خلف من يصلي قعودًا (^٣).
واعترض عليه: بأنه ضعيف لا تقوم به حجة (^٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أنه إذا صلى إمام الحيّ جالسًا صلوا خلفه جلوسًا- بأدلة منها ما يلي:
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٦٢؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨؛ نيل الأوطار ٣/ ١٧٢.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٩٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١١٤. قال الدارقطني: (لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة). وقال ابن عبد البر في التمهيد ٤/ ٢٨٢ : (وهذا حديث مرسل ضعيف، لا يروى عن أحد من أهل العلم كتابته ولا روايته). وانظر كذلك المجموع ٤/ ١١٥؛ فتح الباري ٢/ ٢١٧.
(٣) انظر: التمهيد ٤/ ٢٨٢؛ المجموع ٤/ ١١٤؛ فتح الباري ٢/ ٢١٧.
(٤) راجع المصادر في الحاشية السابقة.
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
أولًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة وابن عباس -﵄-؛ حيث إنهما يدلان على أن الإمام إذا ابتدأ الصلاة قائما ثم حصلت له علة وجلس، فإن من خلفه يتمّون صلاتهم قيامًا (^١).
ثانيًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أنس، وجابر﵄-؛ حيث إنهما يدلان على أن المأمومين يصلون قعودًا إذا كان الإمام يصلي جالسًا.
ثالثًا: عن عائشة أم المؤمنين﵂- قالت: صلى رسول الله -ﷺ- في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتَمّ به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا» (^٢).
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين. وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة
الصف من حسن الصلاة» (^٣).
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٦٢؛ شرح الزركشي ١/ ٤١٧؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣٩، كتاب الأذان، باب إنما جُعل الإمام ليؤتَمّ به، ح (٦٨٨)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٢٣٤، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، ح (٤١٢) (٨٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٥، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، ح (٧٢٢)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٢٣٥، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، ح (٤١٤) (٨٦).
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
فهذه الأحاديث تدل على أن الإمام إذا صلى جالسًا فإن من خلفه يتابعونه ويصلون جلوسًا كما فعل النبي -ﷺ- وأمر به (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: إن القول بنسخ الصلاة قعودًا إذا كان الإمام يصلي جالسًا له وجه؛ لأن الصحابة﵃- قد صلوا خلف النبي -ﷺ- قيامًا في مرض موته -ﷺ- وهو جالس، وكان ذلك بعد ما بدأ أبو بكر -﵁- بالصلاة قيامًا واقتدى من خلفه به، ثم جاء النبي -ﷺ- فصلى بهم تلك الصلاة وهو جالس، وهم خلفه قيام. وقد كان ذلك بعد قول النبي -ﷺ- «وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا). فيدل ذلك على نسخه؛ لأنه لا شك أن صلاتهم خلفه -ﷺ- قيامًا وهو قاعد كان بعد الأمر الأول.
إلا أن صلاتهم خلف النبي -ﷺ- قيامًا في مرض موته -ﷺ- يتطرق إليه احتمالات منها:
أ-أن يكون ذلك ناسخًا للأمر الأول.
ب- أنه -ﷺ- لم يأمرهم بالقعود لأنهم ابتدءوا الصلاة قيامًا.
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٦٢؛ شرح الزركشي ١/ ٤١٥؛ فتح الباري ٢/ ٢١٩.
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال.
ثانيًا: إن الراجح أن الإمام إذا صلى جالسًا أن يصلي من خلفه جلوسًا، لما يلي:
أ- لكثرة الأدلة الدالة على ذلك مع صحتها وصراحتها (^١).
ب-لعمل بعض الصحابة -﵃- على ذلك بعد النبي -ﷺ-، فلو كان ذلك
منسوخًا لما عملوا به (^٢).
ج-ولأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث كلها، وذلك إذا حملت الأحاديث الدالة على الأمر بالجلوس- إذا كان الإمام يصلي جالسًا- على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة جلوسًا، والأحاديث التي فيها صلاة الصحابة -﵃- خلف النبي -ﷺ- قيامًا وهو قاعد في مرض موته، على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة قيامًا ثم حصل له عذر فجلس، فإن من خلفه يتمونها قيامًا، وعليها فلا تعارض إذَنْ بين النوعين من هذه الأحاديث، حيث حملت على حالتين، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار معه إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (^٣).
ثالثًا: إنه يجوز الصلاة جلوسًا خلف كل إمام إذا كان له حق الأسبقية على غيره وصلى جلوسًا لعذر، فلا فرق في ذلك بين إمام الحيّ وغيره؛ لأن
_________________
(١) انظر: التمهيد ٤/ ٢٦٩؛ فتح الباري ٢/ ٢١٨.
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ٢٨٠؛ فتح الباري ٢/ ٢١٩.
(٣) انظر: فتح الباري ٢/ ٢١٨؛ نيل الأوطار ٣/ ١٧١.
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
الأحاديث الواردة في الأمر بالجلوس إذا صلى الإمام جالسًا مطلقة.
رابعًا: إذا مرض الإمام ولم يستطع أن يصلي قائمًا، فإن الأولى أن يستخلف ويُقَدِّمَ من أحق بالإمامة من الأصحاء؛ وذلك خروجًا من خلاف أهل العلم، فإنه لا خلاف في جواز أن يؤم المفضول مع وجود من هو أفضل منه. أما إذا صلى هذا الإمام المعذور جالسًا فإن صلاة من خلفه لا تصح عند بعض أهل العلم؛ لذلك يكون الأولى الخروج من الخلاف (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٦٠؛ المجموع ٤/ ١١٤.
[ ٢ / ١٠٥١ ]