اختيار الشيخ المباركفوري: اختار جواز قول رمضان مطلقا دون إضافة لفظة شهر بلا كراهة، فقال: "وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه يجوز أن يقال رمضان بدون إضافة لفظ الشهر إليه" (٣).
تحرير محل الخلاف: قد سمى الله ﷾ في كتابه العزيز شهر (الصيام) (٤) شهر رمضان؛ وذلك في قوله ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٥).
_________________
(١) رمض: الراء والميم والضاد أصل مطرد يدل على حدّة في شيء من حرّ وغيره، فالرَّمْض: حرّ الحجارة من شدّة حرّ الشمس. وأرض رمضة: حارة الحجارة، ومنه سمي: "رمضان" لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة، فوافق رمضان أيام رمض الحر، وكان اسمه ناتقا ويجمع على رمضانات وأرمضاء. ينظر: معجم مقاييس اللغة ٢/ ٤٤٠، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ٢٦٤، ولسان العرب ٤/ ٣٤.
(٢) شهر: الشين والهاء والراء أصل صحيح يدل على وضوح في الأمر وإضاءة، والشهر: واحد الشهور، وقد أشهرنا، أي أتى علينا شهر، والعرب تسمي الهلال شهرا، سمى به لشهرته وظهوره. ينظر: معجم مقاييس اللغة ٣/ ٢٢٢، والصحاح ٢/ ٧٠٥، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ٥١٥.
(٣) مرعاة المفاتيح ٦/ ٣٩٩.
(٤) الصَّوْم والصِّيام: في اللغة: هو الكف والإمساك. يقال: صامت الشمس في كبد السماء أي قامت في وسط السماء ممسكة عن الجري. والإمساك عن الكلام يسمى صوما، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [سورة مريم: ٢٦]، أي: ممسكة عن الكلام. والصائم من الخيل القائم الساكن الذي لا يطعم شيئا. قال النابغة: خَيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تَحت العجاج، وأخرى تَعْلِك اللُجُما. ينظر: الصحاح ٥/ ١٩٧٠، ومقاييس اللغة ٣/ ٣٢٣، ولسان العرب ١٢/ ٣٥١. وفي الشرع: عرفه النسفي الحنفي بقوله: "عبارة عن الإمساك عن الأكل والشرب والمباشرة، مع النية في جميع النهار". ينظر: طلبة الطلبة ص: ٢١. وعرفه ابن عرفة المالكي بقوله: "كفُّ بنيةٍ عن إنزالٍ يقظةً ووطء وإنعاظ ومذي ووصولِ غذاء غيرِ غالبِ غبارٍ أو ذباب أو فلقة بين الأسنان بحلق أو جوف زمن الفجر حتى الغروب دونَ إغماء أكثر نهاره". ينظر: شرح حدود ابن عرفة ص ٨٠. وعرفه النووي الشافعي بقوله: "إمْسَاك مَخْصُوص فِي زمن مَخْصُوص من شخص مَخْصُوص". ينظر: تحرير ألفاظ التنبيه ص ١٢٣. وعرفه البعلي الحنبلي بقوله: "عبارة: عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص بنية مخصوصة". ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع ص ١٨٢.
(٥) سورة البقرة: الآية: ١٨٥.
[ ٥٧ ]
واختلف أهل العلم في حكم إسقاط لفظ الشهر في اسم رمضان على ثلاثة أقوال:
القول الأول: كراهة قول رمضان دون لفظة الشهر.
وقال به: محمد بن الحسن (١) من الحنفية (٢).
وروي عن: أصحاب مالك (٣)، وهو اختيار ابن عقيل (٤) من الحنابلة (٥).
وروي عن: مجاهد (٦) (٧)، والحسن البصري (٨) (٩).
القول الثاني: جواز قول رمضان دون لفظة الشهر.
_________________
(١) هو: محمد بن الحسن الشيباني، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان، صاحب الفضل الأكبر في تدوين مذهب الحنفية، انتهت إليه رياسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف، من مؤلفاته: كتب ظاهر الرواية، توفي في الري سنة ١٨٩ هـ. ينظر مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ص ٧٩، ومغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار ٣/ ٥٤٠، وتعجيل المنفعة ٢/ ١٧٤.
(٢) ينظر: الأصل للشيباني ٢/ ١٨٦ - ١٨٧، والمبسوط للسرخسي ٣/ ٥٥، ورد المحتار ٢/ ٣٧٠.
(٣) الذخيرة ٢/ ٤٨٦، مواهب الجليل ٢/ ٣٧٩، شرح خليل للزرقاني ٢/ ٣٥١، الفواكه الدواني ١/ ٣٠٣.
(٤) هو: أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، شيخ الحنابلة في زمانه، كان مبرزا في المناظرة، من أعظم تآليفه كتاب الفنون في ٤٠٠ مجلد، سمع: ابن بشران، والقاضي أبو يعلى، وغيرهما، وعنه: أبو بكر السمعاني، وأبو طاهر السلفي، وآخرون، توفي سنة ٥١٣ هـ. ينظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٣٠، ومناقب الإمام أحمد ص ٧٠٠، وذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣١٨.
(٥) الفروع ٤/ ٤٠٣، المبدع ٣/ ٣، الإنصاف ٣/ ٢٦٩، كشاف القناع ٢/ ٣٠٠.
(٦) هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج مولى قيس بن السائب المخزومي، شيخ المفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، أجمعت الأمة على إمامته، له مؤلف واحد اسمه: تفسير مجاهد، توفي عام ١٠٤ هـ. ينظر طبقات الفقهاء ص ٦٩، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩، والأعلام ٥/ ٢٧٨.
(٧) تفسير الطبري ٣/ ٤٤٥، تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣١٠، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٣٣٩.
(٨) هو: الحسن بن أبي الحسن أبو سعيد البصري، فقيه مشهور، رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم، كان سيد أهل زمانه علما وعملا، روى عن: عمران بن الحصين، والمغيرة بن شعبة، وغيرهما، وعنه: مالك بن دينار، وعباد بن راشد، وغيرهما، توفي بالبصرة سنة ١١٠ هـ. ينظر: التاريخ الأوسط ١/ ٢٤٤ وطبقات الفقهاء ص: ٨٧، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣.
(٩) السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٣٣٩، المجموع ٦/ ٢٤٨، عمدة القاري ١٠/ ٢٦٥.
[ ٥٨ ]
وبه قال: عامة الحنفية (١)، وهو الصحيح عند المالكية (٢)، وهو (المعتمد عند الشافعية) (٣) (٤)، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة (٥).
وهو قول المحققين من أهل العلم: كالبخاري (٦) (٧)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: التفصيل: جواز قول رمضان دون لفظة الشهر، إذا كانت هناك قرينة (٨) تدُل على أنه الشهر كصمنا رمضان، والكراهة إذا لم تكن هناك قرينة تدل على أنه الشهر كجاء رمضان.
وبه قال: أكثر الشافعية (٩)، واختاره ابن الباقلاني (١٠) من المالكية (١١).
_________________
(١) ينظر: المبسوط ٣/ ٥٥، النهر الفائق ٢/ ٦، رد المحتار ٢/ ٣٧٠.
(٢) الذخيرة ٢/ ٤٨٦، المنتقى ٢/ ٣٥، إكمال المعلم ٤/ ٥، شرح خليل للزرقاني ٢/ ٣٥١.
(٣) المعتمد في مذهب الشافعية للحكم والفتوى: هو ما اتفق عليه الشيخان: النووي والرافعي، فإن اختلفا فما جزم به النووي، فالرافعي، فما رجحه الأكثر، فالأعلم، فالأورع. ينظر: فتح المعين ص ٦٢٣، إعانة الطالبين ٤/ ٢٦٧.
(٤) المجموع ٦/ ٢٤٨، تحفة المحتاج ٣/ ٣٧١، الغرر البهية ٢/ ٢٠٦، تحفة الحبيب ٢/ ٣٧٢.
(٥) الإنصاف ٣/ ٢٦٩، المبدع ٣/ ٣، الروض المربع ص ٢٢٥، كشاف القناع ٢/ ٣٠٠.
(٦) هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، سمع من نحو ألف شيخ، وجمع نحو ست مئة ألف حديث، اختار منها في صحيحه ما وثق برواته، وكتابه في الحديث أوثق الكتب الستة المعول عليها، توفي في سمرقند سنة ٢٥٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩١، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٠٤، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٧، والأعلام ٦/ ٣٤.
(٧) ينظر: شرح النووي على مسلم ٧/ ١٨٧، وفتح الباري ٤/ ١١٣، وعمدة القاري ١٠/ ٢٦٥.
(٨) القرينة: في اللغة: فعيلة بمعنى المفاعلة، مأخوذ من المقارنة، أي: ضمّ الشي إلى شيء آخر. وفي الاصطلاح: أمر يشير إلى المطلوب. والقرينة: إما حالية، أو معنوية، أو لفظية. ينظر: التعريفات للجرجاني ص ١٧٤، مقاييس اللغة ٥/ ٧٦.
(٩) ينظر: الحاوي الكبير ٣/ ٣٩٦، والبيان ٣/ ٤٥٩، والمجموع ٦/ ٢٤٨، وفتح الباري ٤/ ١١٣.
(١٠) هو: محمد بن الطيب بن محمد، أبو بكر البصري، الفقيه الأصولي المتكلم، المعروف بابن الباقِلاني، أخذ عن: أبي عبد الله بن مجاهد الطائي، وأبي بكر الأبهري، وغيرهما، وعنه: عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي، وأبو ذر الهروي، وغيرهما، من مؤلفاته: التقريب والإرشاد في أصول الفقه، توفي سنة ٤٠٣ هـ. ينظر: الديباج المُذَهَّب ٢/ ٢٢٨، شجرة النور الزكية ١/ ١٣٨، وفيات الأعيان ٤/ ٢٦٩.
(١١) المنتقى ٢/ ٣٥، إكمال المعلم ١/ ٢١١، مواهب الجليل ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
[ ٥٩ ]
واختاره: ابن قدامة (١) من الحنابلة (٢).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- إثبات كون (رمضان) اسم من أسماء الله الحسنى (٣).
أدلة القول الأول: القائلين بكراهة قول رمضان دون لفظة الشهر.
الدليل الأول: قول الله ﷾: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤).
وجه الاستدلال من الآية: أن الله سماه في كتابه شهر رمضان، أي: شهر الله، فلا يسمى إلا كما سماه الله، فلذلك لا يصح تسميته دون لفظة شهر (٥).
الدليل الثاني: عن ابن عمر (٦) - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقولن أحدكم صمت رمضان، وقمت رمضان، ولا صنعت في رمضان كذا وكذا، فإن رمضان اسم من أسماء الله ﷿ العظام، ولكن قولوا: شهر رمضان كما قال ربكم ﷿ في كتابه» (٧).
_________________
(١) هو: عبد الله بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، أبو محمد موفق الدين؛ فقيه من أكابر الحنابلة، له تصانيف منها: المغني شرح به مختصر الخرقي في الفقه، وروضة الناظر في أصول الفقه، وغيرها، توفي بدمشق سنة ٦٢٠ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١٣/ ١١٧، وذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٨١، والأعلام ٤/ ٦٦.
(٢) ينظر: المغني ٣/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) ملاحظة: كل سبب خلاف أو وجه استدلال أو مناقشة لا أحيل على مصدرها فهي من عندي.
(٤) سورة البقرة: الآية: ١٨٥.
(٥) ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٢٩١، ومفاتيح الغيب ٥/ ٢٥١، وتفسير البغوي ١/ ٢١٦، وفتح الباري لابن حجر ٤/ ١١٣.
(٦) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أسلم مع أبيه قبل بلوغه سنة ثلاث من البعثة، وهاجر وعمره عشر سنين، وأول ما شهد من الغزوات الخندق، كان شديد الاتباع لآثار النبي - ﷺ -، ويعد من المكثرين من رواية الحديث بعد أبي هريرة، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد فقهاء الصحابة، توفي بمكة سنة ٧٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٠٤، الإصابة ٤/ ١٥٥.
(٧) رواه تَمّام في فوائده ١/ ١٠٤ رقم ١١٠٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٢/ ١٤٤، وذكره صاحب كنز العمال ٨/ ٤٨٤. وفي سنده ناشب بن عمرو، وهو منكر الحديث. ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٣٩ رقم ٨٩٨٦.
[ ٦٠ ]
الدليل الثالث: عن أبي هريرة (١) - ﵃ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان» (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي - ﷺ - نهى عن تسميته برمضان دون لفظة شهر، فوجب امتثال أمره؛ وذلك لأن القائل شهر رمضان، كأنه قال: شهر الله؛ لأن رمضان اسم من أسماء الله الحسنى (٣).
الدليل الرابع: ولأن اسم رمضان، مشتق من الإرْماض، وهو الإحراق، والمُحرِقُ للذنوب المُذهِبُ لها هو الله تعالى (٤).
أدلة القول الثاني: القائلين بجواز قول رمضان دون لفظة الشهر
الدليل الأول: عن أبي هريرة - ﵃ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب جهنم وسُلسِلت الشياطين» (٥).
الدليل الثاني: وعنه أيضا - ﵃ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة» (٦).
الدليل الثالث: وعنه أيضا - ﵃ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان رمضان فُتحت أبواب الرحمة، وغُلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (٧).
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقيل غير ذلك، الملقب بأبي هريرة، الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، كان أكثر الصحابة حفظا للحديث، أسلم سنة ٧ هـ، ولزم صحبة النبي - ﷺ -، توفي بالمدينة سنة ٥٩ هـ. ينظر سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٧٨، والإصابة ٧/ ٣٤٩، والأعلام للزركلي ٣/ ٣٠٨.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل ٨/ ٣١٣، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٣٩ رقم ٧٩٠٤، كتاب الصيام، باب ما روي في كراهية قول القائل جاء رمضان وذهب رمضان، وذكره الدارقطني في الموضوعات ٢/ ١٨٧، وقال فيه: "هذا حديث موضوع لا أصل له"، وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/ ٨٢: "موضوع"، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة رقم ٦٧٦٨: "باطل".
(٣) ينظر: المسالك في شرح موطأ مالك ٢/ ٤٧٤.
(٤) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٥٥.
(٥) رواه البخاري ٤/ ١٢٣ رقم ٣٢٧٧، كتاب بدأ الخلق، باب صفة إبليس وجنوده.
(٦) رواه البخاري ٣/ ٢٥ رقم ١٨٩٨، كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعا، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٧٥٨ رقم ١٠٧٩، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان.
(٧) رواه مسلم ٢/ ٧٥٨ رقم ١٠٧٩، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان.
[ ٦١ ]
الدليل الرابع: عن عبد الله بن عباس (١) - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ - لامرأة من الأنصار: «فإذا كان رمضان اعتمري (٢) فيه؛ فإن عمرة في رمضان حَجَّة» (٣).
الدليل الخامس: عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة (٤)، وإيتاء الزكاة (٥)، والحج (٦)، وصوم رمضان» (٧).
الدليل السادس: عن أبي هريرة - ﵃ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه» (٨).
_________________
(١) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، صحابي جليل، وابن عم النبي - ﷺ -، حبر الأمة، وترجمان القرآن، أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، من تلاميذه: مجاهد ابن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهما، توفي بالطائف سنة ٦٨ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٣/ ١٦٩٩، وأسد الغابة ٣/ ٢٩١، سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣١.
(٢) العُمْرة: في اللغة: مأخوذة من الاعتمار، وهو الزيارة والقصد إلى مكان عامر. وشرعا: قصد بيت الله بأفعال مخصوصة، وتسمى: بالحج الأصغر، وأفعالها أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وهي غير مؤقتة بوقت، وجمع العمرة العُمُر والعُمرات. ينظر: النهاية ٣/ ٢٩٧، لسان العرب ٤/ ٦٠٥، التعريفات الفقهية ص ١٥٢.
(٣) رواه البخاري ٣/ ٣ رقم ١٧٨٢، أبواب العمرة، باب عمرة في رمضان، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٩١٧ رقم ١٢٥٦، كتاب الحج، باب فضل العمرة في رمضان.
(٤) الصلاة: في اللغة الدعاء. وفي الشرع: عبارة عن أركان مخصوصة وأذكار معلومة بشرائط محصورة بصفات معينة، أو هي: عبادةٌ ذاتُ أقوال وأفعال، مفتتحة بالتَّكبير، مختتمة بالتَّسليم. ينظر: النهاية ٣/ ٥٠، التعريفات الفقهية ص ١٢٩، الشرح الممتع ٢/ ٥.
(٥) الزكاة: في اللغة: الزيادة والنماء والطهارة. وفي الشرع: عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالكٍ مخصوص. ينظر: لسان العرب ١٤/ ٣٥٨، طلبة الطلبة ص ١٦، التعريفات ص ١١٤.
(٦) الحَجُّ: في اللغة: القَصْدُ. وشرعا: قصدٌ لبيت الله تعالى بصفة مخصوصة، في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة. ينظر: القاموس المحيط ص ١٨٣، التعريفات للجرجاني ص ٨٢.
(٧) رواه البخاري ١/ ١١ رقم ٨، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس»، ومسلم ١/ ٤٥ رقم ١٦، كتاب الإيمان باب قول النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس» واللفظ لهما.
(٨) رواه البخاري ١/ ١٦ رقم ٣٧، كتاب الإيمان، باب تطوع قيام رمضان من الإيمان، ومسلم ١/ ٥٢٣ رقم ٧٥٩، كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في قيام رمضان، واللفظ لهما.
[ ٦٢ ]
الدليل السابع: وعنه أيضا - ﵃ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاكم رمضان، شهر مبارك فَرَض الله ﷿ عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلّ (١) فيه مَرَدَة (٢) الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم» (٣).
وجه الاستدلال من الأحاديث: أن الأحاديث جاءت مُصرِّحة باسم رمضان مطلقا دون إضافة كلمة شهر، مما يدل على أن رمضان اسم للشهر نفسه وليس اسما لله ﷿ (٤).
قال القاضي عياض (٥): "فيه حجة على جواز قول مثل هذا دون ذِكر الشهر، خلافا لمن كرهه، وروي أثر في النهي عن ذلك، وأن رمضان اسم من أسماء الله وهو أثر لا يصح" (٦).
الدليل الثامن: ولأن الكراهة إنما تَثبُت بنَهي الشرع، ولم يَثبُت نهي في تسميته برمضان دون إضافة لفظ شهر (٧).
الدليل التاسع: ولأن قولهم: إن (رمضان) من أسماء الله ﷾ ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تُطلَق إلا بدليل صحيح (٨).
أدلة القول الثالث: القائلين بالتفصيل: جواز قول رمضان دون لفظة الشهر، إذا كانت هناك قرينة تدُل على أنه الشهر كصمنا رمضان، والكراهة إذا لم تكن هناك قرينة تدل على أنه الشهر كجاء رمضان.
_________________
(١) الغُلّ: واحد الأغلال. يقال في رقبته غُلّ من حديد. وقد غُلّ فهو مَغلول، أي جعل في أيدي المَرَدَة وأعناقهم الغُلَّ، وهو القيد المختص بهما. ينظر: الصحاح ٥/ ١٧٨٣، والنهاية ٣/ ٣٨١.
(٢) المَارِد: هو العاتي الشديد، المتجرد من الخير. ينظر: النهاية ٤/ ٣١٥، ومقاييس اللغة ٥/ ٣١٧.
(٣) رواه النسائي ٤/ ١٢٩ رقم ٢١٠٦، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، واللفظ له، وأحمد ١٢/ ٥٩ رقم ٧١٤٨، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٥٨٥ رقم ٩٩٨: "صحيح لغيره".
(٤) ينظر: المسالك في شرح موطأ مالك ٢/ ٤٧٤، ومرقاة المفاتيح ١/ ٦٨.
(٥) هو: عِياض بن موسى بن عياض اليحْصُبي السبتي، أبو الفضل الأندلسي، أحد عظماء المالكية، كان إماما حافظا محدثا فقيها، توفي سنة ٥٤٤ هـ، من تصانيفه: التنبيهات المستنبطة في شرح مشكلات المدونة في الفقه، والشفا في حقوق المصطفى؛ وإكمال المعلم في شرح صحيح مسلم. ينظر: الديباج المذهب ٢/ ٤٦، شجرة النور الزكية ١/ ٢٠٥، سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢١٢.
(٦) إكمال المعلم ٤/ ٥.
(٧) ينظر: المجموع للنووي ٦/ ٢٤٨.
(٨) ينظر: المصدر السابق.
[ ٦٣ ]
قالوا: بما أنه قد صح تسمية شهر رمضان دون إضافة لفظة (شهر) في أحاديث كثيرة، وجاء النهي عن تسمية الشهر برمضان دون لفظة شهر؛ لأنه من أسماء الله الحسنى، فجمعا بين الأدلة: نحمل النهي على ما إذا لم تدل القرينة على أنه الشهر، كقولك: أتى رمضان، وجاء رمضان، فالإتيان والمجيء يَصدُق على الشهر وعلى غيره، فيُكرَه لوجود اللَبس. أما إذا دلت القرينة على أنه الشهر، كقولك: صمنا رمضان، وقمنا رمضان، فلا يُكره؛ لوضوح المعنى (١).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يجوز قول رمضان دون لفظة الشهر، بقرينة وبغير قرينة؛ وذلك لما يلي:
أولا: لأن النصوص جاءت عن النبي - ﷺ - صحيحة صريحة في جواز تسمية شهر الصيام (رمضان) دون إضافة لفظ شهر، ولم تُفرِّق النصوص بين ما دلت عليه القرينة وما لم تدل عليه (٢).
ثانيا: ولأن الآية التي استدل بها أصحاب القول الأول، لا دلالة فيها على المنع من قول رمضان دون إضافة كلمة شهر.
وإنما معنى الآية الذي دلت عليه هو: إما أن يكون الإخبار عن شهر رمضان، أنه هو الأيام المعدودات، وذلك على قراءة الرفع (٣) في لفظة شهر، أو يكون أمرا بصيام شهر رمضان، على قراءة النصب (٤) في لفظة شهر (٥).
وقد ذكر الطاهر بن عاشور (٦) كلاما نفيسا في سبب إضافة لفظ الشهر إلى رمضان في الآية، فقال: "وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية -مع أن
_________________
(١) ينظر: البيان للعمراني ٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠، والمنتقى للباجي ٢/ ٣٥، والمغني ٣/ ١٠٤.
(٢) ينظر: المجموع ٦/ ٢٤٨.
(٣) وهي قراءة جمهور القراء ينظر: تفسير ابن عطية ١/ ٢٥٤، وتفسير الطبري ٣/ ٤٤٥.
(٤) تنسب قراءة النصب إلى الحَسَن، ومجاهد، وشهر بن حوشب، وهارون الأعور. ينظر: تفسير ابن عطية ١/ ٢٥٤، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٩٥، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١١٢.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ٣/ ٤٤٥، ومفاتيح الغيب ٥/ ٢٥١، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٩٥٦، وتفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٣٩٢، وفتح القدير للشوكاني ١/ ٢١٠.
(٦) هو: محمد الطاهر بن محمد بن عاشور التونسي، كان رئيس المفتين المالكيين، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه، وكان من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة. من مصنفاته: مقاصد الشريعة = الإسلامية، والتحرير والتنوير في تفسير القرآن، وموجز البلاغة، وكَتب كثيرا في المجلات، توفي سنة ١٣٩٣ هـ. ينظر: الأعلام ٦/ ١٧٤، مقدمة التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور حياته وآثاره.
[ ٦٤ ]
الإيجاز المطلوب لهم يتقضي عدم ذكره-: إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم، وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال رمضان لكان (ظاهرا لا نصا) (١)، لا سيما مع تقدم قوله: ﴿أياما﴾ فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان" (٢).
ثالثا: ولأن الأحاديث التي استدلوا بها على المنع شديدة الضعف، ولا يصلح الاحتجاج بها لإثبات حكم الكراهة (٣).
رابعا: ولأن أسماء الله الحسنى توقيفية لا تثبت إلا بدليل صحيح. ولذلك حكم العلماء بأن اسم رمضان ليس من أسماء الله الحسنى؛ لأنه لم يرد إلا من هذه الطرق الواهية (٤).
قال أبو بكر ابن العربي (٥): "وهذا ضعيف سندا ومعنى (٦): أما طريقه فلم يصح، وأما معناه فساقط لقول النبي - ﷺ -: «إذا جاء رمضان» وقوله: «إذا دخل رمضان» وهذا يدل على أنه اسم من أسماء الشهر، وقد كانت العرب تسميه في الجاهلية، قبل أن يأتي الشرع بأسماء الله وصفاته، وهذا بين في بابه" (٧).
خامسا: ولأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل صحيح صريح (٨).
_________________
(١) النص والظاهر من أقسام المنطوق في علم أصول الفقه، فالنص ما لا يحتمل التأويل، والظاهر ما يحتمله. ينظر: إرشاد الفحول للشوكاني ٢/ ٣٦.
(٢) التحرير والتنوير ٢/ ١٧١.
(٣) ينظر: قاعدة جليلة ص ١٧٥، إرشاد الفحول ١/ ١٣٤، تدريب الراوي ١/ ٣٥١.
(٤) ينظر: المجموع ٦/ ٢٤٨.
(٥) هو: محمد بن عبد الله بن محمد المُعافِري، القاضي أبو بكر بن العربي الإشبيلي المالكي الحافظ، عالم أهل الأندلس، أخذ العلم عن: المازري، والغزالي، وغيرهم. وأخذ عنه: القاضي عياض، وابن بشكوال، وغيرهما. من مؤلفاته: عارضة الأحوذي؛ القبس شرح الموطأ؛ أحكام القرآن؛ توفي في فاس سنة ٥٤٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٩٨، شجرة النور الزكية ١/ ١٩٩، الأعلام ٦/ ٢٣٠.
(٦) يقصد حديث أبي هريرة الوارد في أدلة القول الأول، لكنه نسبه إلى ابن عباس، ولم أجده عنه.
(٧) القبس ١/ ٢٧٦، والمسالك ٢/ ٤٧٤.
(٨) ينظر: المجموع ٦/ ٢٤٨.
[ ٦٥ ]
سادسا: ولأن الجمع بين النصوص وإعمالها كلها -عند توهم التعارض بينها-، يكون عند تساويها في الثبوت والصحة (١).
أما أن نجمع بين نصوص صحيحة صريحة وبين نصوص ضعيفة واهية فلا. فتبين أن قول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله.
_________________
(١) ينظر: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص ٤١٦، والجامع لمسائل أصول الفقه للنملة ص ٤١٦.
[ ٦٦ ]