تحرير المسألة (٤):
لو طرأ عتق الأمة، فإما أن يكون الابتداء بالحرة؛ فتكون سابقة في القَسْم وإما أن يكون الابتداء بالأمة.
ففي الحالة الأولى: أن يكون الابتداء بالحرة. فإما أن تعتق في نوبة الحرة، وإما في نوبة الأمة.
فإن كان في نوبة الحرة إما أن يكون العتق في ليلتها الأولى أو الثانية.
الحالة الثانية: بدأ بالأمة فعتقت في نوبتها.
ومسألتنا فيما إذا كانت البداية في القَسْم بالحرة، وقد عتُقَت الأمة في نوبة الحرة، وقد جرى العتق أثناء الليلة الثانية، فللزوج ثلاث أحوال:
الأولى: أن يتم الليلة، ثم يمكث عند العتيقة ليلتين.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٥/ ٢١٨)، بدائع الصنائع (٢/ ٣٣٢)، الأم (٥/ ١١٨)، المهذب (٢/ ٤٨٣)، المغني (٧/ ٣٠٩)، كشاف القناع (٥/ ٢٠١).
(٢) انظر: المدونة (٢/ ١٩١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (٢/ ٣٤٠).
(٣) انظر: روضة الطالبين (٧/ ٣٥٣)، فتح الوهاب (٢/ ٧٦)، مغني المحتاج (٤/ ٤٢٠)، كشاف القناع (٥/ ٢٠١).
(٤) انظر: نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، روضة الطالبين (٧/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
[ ١١٨ ]
الثانية: أن يدخل على العتيقة في نصف الليل، ويقيم عندها ليلة ونصف، ثم يرتب من النوبة ما يريد.
الثالثة: أن يخرجَ إلى حين العتق إلى مسجد أو بيت صديق ويبيتَ فيهما، وهي المسألة المراد بحثها هنا.
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يلزمه أن يقضي للأمة ما مضى من تلك الليلة قبل العتق، ويبيت عند العتيقة ليلة، وهو مقتضى قول الحنفية، والمذهب عند الشافعية، والحنابلة (١)، وهو اختيار الصيدلاني (٢).
القول الثاني: يُحسب عليه ما مضى من الليل قبل العتق، ويلزمه أن يقضيه للأمة، وهو وجه عند الشافعية (٣).
أما عند الإمام مالك وأصحابه - ﵏ -، فإن هذه المسألة لا تَرِد عليهم؛ لأن مذهبهم التسوية بين الحرة والأمة في القَسْم (٤).
تعليل القول الأول:
١. قالوا: لأن النوبة أدركت الأمة وهي حرة، فتستحق قَسْم حرة فقط (٥).
٢. إنَّ ما جرى من التبعيض بخروجه أثناء الليلة الثانية الى صاحب له أفسد تلك الليلة، حتى كأنه لم يُقم في شيء منها عند الحرة (٦).
ونوقش:
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق (٢/ ١٨٠)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٤٠)، التهذيب (٥/ ٥٣٥)، روضة الطالبين (٧/ ٣٥٣)، مغني المحتاج (٤/ ٤٢٠)، الإقناع (٣/ ٢٤٥)، منتهى الإرادات (٤/ ١٨٦).
(٢) قال الإمام الجويني - ﵀ -: "والحالة الثالثة: أن يخرجَ إلى صديق أو مسجد ويبيتَ فيهما، قال الصيدلاني: إن ما مضى من الليل لا يحسب عليه". نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٣).
(٣) وهو أحد قولي الجويني. انظر: نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، روضة الطالبين (٧/ ٣٥٣).
(٤) انظر: المدونة (٢/ ١٩١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (٢/ ٣٤٠).
(٥) انظر: كشاف القناع (٥/ ٢٠١).
(٦) نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٢).
[ ١١٩ ]
بأنَّ هذا خارج عن القياس في وجوب رعاية النَّصَفة، والعدل، وتنزيل العتيقة إذا طرأ عتقها على نوبة الحرة منزلة الحرة الحقيقية (١).
وأجيب عنه:
بأنَّ العتيقة قبل العتق لا يثبت لها استحقاق نظير النصف المقسوم، كما لو كان عبد بين اثنين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه، فالمهايأة بينهما تكون يومين ويومًا، فإذا اشترى صاحب الثلث السدس من الآخر أثناء اليوم لم يرجع عليه بأجرة ما مضى (٢).
٣. قياس نصفي الليلة بالثلاثة أيام، والسبعة في حق الزفاف للثيب؛ فالثلاث حق لها، وإذا أقام عندها سبعًا قضى الجميع، فكذا إذا أقام النصف الثاني قضاه مع النصف الأول (٣).
٤. كما تقدم بأن العتيقة قبل العتق لا يثبت لها استحقاق نظير النصف المقسوم، كما لو كان عبد بين اثنين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه، فالمهايأة بينهما تكون يومين ويومًا، فإذا اشترى صاحب الثلث السدس من الآخر أثناء اليوم لم يرجع عليه بأجرة ما مضى (٤).
تعليل القول الثاني:
أن مقتضى العدل هو التسوية وقضاء بعض الليل الذي بات فيه عند الحرة (٥).
وقد نوقش قريبًا.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم وإمكان الإجابة على تعليل القول الأول.
* * *
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
(٢) انظر: أسنى المطالب (٣/ ٢٣٣)، مغني المحتاج (٤/ ٤٢١).
(٣) انظر: أسنى المطالب (٣/ ٢٣٣)، مغني المحتاج (٤/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٤) انظر: أسنى المطالب (٣/ ٢٣٣)، مغني المحتاج (٤/ ٤٢١).
(٥) انظر: نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
[ ١٢٠ ]