من دخل في صوم تطوعٍ استحب له إتمامه، ولم يجب، وإن أفسده لم يلزمه قضاء، نص عليه، وهو المذهب (وش)؛ لقول عائشة: يا رسول الله، أهدي لنا حيس. قال: «أرينيه فلقد أصبحت صائما» . وفي أوله أنه دخل عليها يوما، فقال: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا. قال: «فإني إذا صائم» رواه مسلم والخمسة، وزاد النسائي بإسناد جيد، ثم قال: «إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» وله أيضا بإسناد حسن: «إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله، فجاد منها بما شاء، فأمضاه، وبخل منها بما شاء، فأمسكه»، وسبق في الجمعة حديث جويرية، وعن أم هانئ أن النبي ﷺ دعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: أما إني كنت صائمة، فقال: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» .
[ ٢٣٦ ]
له طرق، فيه كلام يطول، رواه أحمد - وصححه - وأبو داود والنسائي - وضعفه - والترمذي، وقال: في إسناده مقال، وضعفه أيضا البخاري، وكصوم مسافر رمضان له الخروج؛ لكونه كان مخيرا حالة دخوله فيه، وكفعل الوضوء والاعتكاف سلمه أبو حنيفة على الأصح عنه، وكشروعه في أربع بتسليمةٍ له أن يسلم من ركعتين (و) خلافًا لأبي يوسف وغيره، وكدخوله فيه ظانًا أنه عليه، فلم يكن، سلمه أبو حنيفة وصاحباه وأشهب (١)،
_________________
(١) يُفهم من هذا أن الإنسان إذا دخل في صوم تطوع فله أن يخرج منه؛ للأحاديث التي ذكرها المؤلف - ﵀-، ولكن لا ينبغي أن يخرج إلا لغرض صحيح، كما لو حضر مأدبة وأفطر تطييبًا لقلب صاحبها وما أشبه ذلك، أو قدم عليه ضيوف وكان من العادة أن إكرامهم يكون بأكل صاحب البيت معهم، وإلا فالأولى أن يبقى على صيامه؛ لأن هذه طاعة شرع فيها لله ﷿، فلا ينبغي أن يدعها، وأما المثل الذي ضربه النبي ﷺ فهو يدل على أن الإنسان لو عزل مالًا على أنه سيتصدق به، ثم بدا له أن لا يتصدق فله ذلك، سواء كان دراهمَ، أم دنانير، أم طعامًا، أم لباسًا، أو غير ذلك، فإنه مخير: إن شاء أمضاه، وإن شاء رده..
[ ٢٣٧ ]
وعن أحمد: يجب إتمام الصوم، ويلزم القضاء، ذكره ابن البناء وفي «الكافي»: (وهـ م)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد ٣٣]، ولقوله ﷺ لعائشة وحفصة وقد أفطرتا: «لا عليكما، صوما يوما مكانه» رواه أبو داود وغيره وضعفوه، ثم هو للاستحباب؛ لقوله: «لا عليكما»، وعن شداد مرفوعا: «أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية»، وفيه: «والشهوة الخفية: أن يصبح أحدهم صائما، فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه» رواه أحمد من رواية عبد الواحد بن زيد، وهو شيخ الصوفية متروك بالاتفاق، وكالحج والعمرة، وسبق ما يبين الفرق (١)،
_________________
(١) ذكر المؤلف - ﵀ - عن الإمام أحمد ﵀ رواية أنه يجب، وذكر ما استدلوا به، وهو قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وهذه الآية ليست نصًا صريحًا في أنه لا يجوز أن يخرج الإنسان مما بدأه من عمل، ولهذا قال بعض أهل العلم: ولا تبطلوا أعمالكم بالردة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فلا يتعين أن يكون المراد بها: ولا تبطلوا أعمالكم أي: لا تخرجوا مما شرعتم فيه من الأعمال، وأما الحديث: «لا عليكما صُومَا يومًا مكانه» [أخرجه أبو داود في الصوم/باب من رأى عليه القضاء (٢٤٥٧)؛ والترمذي في الصوم/ باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه (٧٣٥)؛ والنسائي في «الكبرى» في الصيام/ باب ما يجب على الصائم المتطوع إذا أفطر (٣٢٩١) . وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/٢١٢): (وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا) ا. هـ]، فقصد النبي ﷺ بذلك أن يطيب قلوبهما، وأنهما إذا صاما يومًا مكانه لم يفتهما فضيلة النفل، وليس المراد أنه ألزمهما بذلك حتى يقال: يلزم القضاء، ولهذا قال المؤلف ﵀: «هو للاستحباب لقوله: «لا عليكما»»، وأما حديث شداد ﵁ فهو كما ذكر من رواية عبد الواحد بن زيد، وهو شيخ الصوفية، وهو متروك، فليس بشيء. وقوله: «كالحج والعمرة» يعني: كما أنه لو شرع في حج تطوع، أو عمرة تطوع، لزمه الإتمام، لكن هناك فرق.
[ ٢٣٨ ]
ولأن نفل الحج كفرضه في الكفارة، وتقرير المهر بالخلوة معه بخلاف الصوم، ونقل حنبل: إن أوجبه على نفسه فأفطر بلا عذر أعاد. قال القاضي: أي: نذره وخالفه ابن عقيل، وذكره أبو بكر في النفل، وقال: تفرد به، وجميع أصحابه: لا يقضي، وعند أبي حنيفة: يقضي المعذور، وهو رواية في «الرعاية» وغيرها، وعند مالك: لا يقضي، وعن مالك فيمن أفطر لسفر روايتان، ولو أكل ناسيًا لم يلزمه شيء عندهما؛ لصحة صومه عند أبي حنيفة وعذره عند مالك، وذكر ابن عبد البر: لا يقضي معذور إجماعًا، ولعل مراده عذر لا صنع له فيه كالحيض ونحوه، فإن غيره حكاه إجماعا، وعلى المذهب: هل يكره خروجه؟ يتوجه: لا يكره لعذر وإلا كره في الأصح، وفاقًا للشافعية. وهل يفطر لضيفه؟ يتوجه: كصائم دعي، وعند الشافعية: يفطر، وصرح أصحابنا في الاعتكاف: يكره تركه بلا عذر، وصلاة التطوع كصوم التطوع (و) (١)، وعنه: يلزم بخلاف الصوم. قال في «الكافي»: ومال إليه أبو إسحاق الجوزجاني، وقال: الصلاة ذات إحرام وإحلال كالحج. قال صاحب «المحرر»: والرواية التي حكاها ابن البناء في الصوم تدل على عكس هذا القول؛ لأنه خصه. وعلل رواية لزومه بأنه عبادة تجب بإفسادها الكفارة العظمى كالحج (٢)، والمذهب التسوية بينهما، ولم يذكر أكثر الأصحاب سوى الصلاة والصوم.
_________________
(١) الصحيح في مسألة الفطر للضيف أنه بحسب الحال، فإن كان الضيف يرى أن من عدم إكرامه أن لا يفطر أفطر؛ لأن إكرام الضيف واجب، وإن كان الضيف يعرف الحال والواقع ويعذره إذا قال: إنه صائم، فالأفضل أن لا يفطر، فالحكم بحسب الحال.
(٢) قوله: «تجب بإفسادها الكفارة العظمى كالحج» هذا فيه نظر؛ لأنه لو أكل أو شرب في الصوم لا كفارة عليه، وإنما تجب بالجماع فقط.
[ ٢٣٩ ]
وقيل: الاعتكاف كالصوم على الخلاف، يعني: أنه إذا دخل في الاعتكاف وقد نواه مدة لزمته ويقضيها (وم)، وذكره ابن عبد البر إجماعا لا بالنية، وإن لم يدخل خلافًا لبعض العلماء، ذكره ابن عبد البر، نقل ابن منصور: المعتكف يجامع يبطل، وعليه الاعتكاف من قابل (١) . ولعله في النذر، والأصح عند أبي حنيفة كقولنا وقول الشافعي: لا يلزمه، وعنه أيضا: يلزمه أقل الاعتكاف عنده يوم، ورد صاحب «المحرر» و«المغني» على كلام ابن عبد البر، وصلى ﷺ الصبح مريدا للاعتكاف في المسجد، وكله موضع له، ثم قطعه لما رأى أخبية نسائه قد ضربت فيه، ولم يقضين، ومجرد قضائه لا يدل على وجوبه، بدليل قطعه، وما في «السنن»: أنه كان إذا ترك الاعتكاف لسفر اعتكف من العام المقبل عشرين، ولو نوى الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة فأخرج بعضه، لم تلزمه الصدقة بباقيه إجماعا، قاله الشيخ وغيره، قال: وهو نظير الاعتكاف (٢)،
_________________
(١) قوله: «وعليه الاعتكاف من قابل» هذا فيه نظر أيضًا؛ لأننا نقول لو بطل الاعتكاف بالجماع فإنه يقضيه في شوال، كما قضى النبي ﷺ الاعتكاف في شوال حين تركه، وقوله ﵀ عليه: «الاعتكاف من قابل» فيقال: من قابل له حكم خاص، ولكن إذا كان منذورًا فعليه كفارة يمين لفوات الوقت.
(٢) الذي يظهر أن النبي ﷺ إذا اعتكف وترك الاعتكاف من الأصل لعذر فإنه لا يقضيه، ولذلك لم ينقل الاعتكاف في فتح مكة، مع أنه لم يعتكف قطعًا ولم يقضه، لكن لما شرع في الاعتكاف ورأى زوجاته تتسابقن في ضرب الأخبية ويعتكفن ترك ذلك وقضاه في شوال، والفرق واضح بين من دخل ومن لم يدخل..
[ ٢٤٠ ]
قالوا: وما مضى من اعتكافه لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل، وقال في «الكافي»: وسائر التطوعات من الصلاة والاعتكاف وغيرهما كالصوم إلا الحج والعمرة، ثم ذكر ما سبق في الصلاة، والله أعلم (١) .
_________________
(١) ولكن التطوع الذي ينبني بعضه على بعض لو تركه لا يثاب على أوله، كالصلاة -مثلا-، فلو قطع صلاة النفل فإننا نقول: لا يؤجر على ما صلى منها؛ لأن بعضها مرتبط ببعض، بخلاف الاعتكاف، فلو اعتكف الخمسة الأولى من العشر الأواخر، ثم قطعها، فله أجرها، لكن لا يحصل له الأجر الكامل الذي جاءت به السنة، نعم لو فرض أنه قطع صلاة النافلة لعذر، فهنا يتوجه أن يقال: إنه يثاب على ما صلى منها.
[ ٢٤١ ]
ولو شرع في صلاة تطوع قائما لم يلزمه إتمامها قائما بلا خلاف في المذهب (و)، خلافا لأبي يوسف ومحمد والحسن بن صالح، وذكر القاضي وجماعة: أن الطواف كالصلاة في الأحكام إلا ما خصه الدليل، فظاهره: أنه كالصلاة هنا (وم)، وهو ظاهر كلام الحنفية، ويتوجه على كل حال أن في طواف شوط أو شوطين أجرا، وليس من شرطه تمام الأسبوع كالصلاة (١)، ولهذا قال عبد الرزاق: رأيت سفيان يفر من أصحاب الحديث إذا كثروا عليه دخل الطواف، فطاف شوطا أو شوطين ثم يخرج ويدعهم (٢)، ولا تلزم الصدقة والقراءة والأذكار بالشروع وفاقا، وقال ابن الجوزي في قوله: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ الآية [الحديد: ٢٧]، قال القاضي أبو يعلى: والابتداع قد يكون بالقول وبما ينذره، ويوجه على نفسه، وقد يكون بالفعل بالدخول فيه، وعموم الآية يقتضي الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها وإتمامها. كذا قال (٣)،
_________________
(١) قوله: «أن في طواف شوط أو شوطين أجرًا، وليس من شرطه تمام الأسبوع» هذا فيه نظر، والصواب أن الطواف عبادة واحدة كالصلاة تمامًا، فإذا لم يتمه فإنه لا يثاب عليه، اللهم إلا إن قطعه لعذر كالصلاة، فلو صلى ركعة ثم قال: أريد قطعها، فنقول: إذًا لا تثاب، إلا إذا قطعها لعذر فيثاب على ما صلى.
(٢) وفي فعل سفيان - ﵀ - دليل على أن الإنسان إذا اشتغل بالطواف فلا ينبغي أن يشتغل بالحديث ولا بالفتوى إلا الشيء اليسير الذي لا يشغله عن الطواف، أما أن يطوف ويبقى الناس خلفه وعن يمينه وشماله يسألونه، فهذا نقول: إذا كان الأمر لابد منه فاترك الطواف واجلس للناس، أما مسألة أو مسألتان فهذه أرجو أن لا يكون فيها بأس.
(٣) هذا القول في غاية ما يكون من السقوط، بل نقول كل من ابتدع عبادة قولًا أو فعلًا فعليه الإقلاع منها وأن يتوب؛ لقول النبي ﷺ: «كل بدعة ضلالة» [أخرجه مسلم في كتاب الجمعة/باب تخفيف الصلاة والخطبة (٨٦٧) .]،. وأما ما ذكر عن النصارى والرهبانية فإنه لا يدل على الإقرار، قال الله تعالى: ﴿ابتدعوها ما كتبنها عليهم إلا ابتغاء رضوان﴾ [الحديد: ٢٧] يعني: ما فعلوها إلا ابتغاء وجه الله.
[ ٢٤٢ ]
ويلزم إتمام نفل الحج والعمرة (و)؛ لانعقاد الإحرام لازما؛ لظاهر آية الإحصار (١)، فإن أفسدهما أو فسدا لزمه القضاء (و)، قال صاحب «المحرر»: لا أعلم أحدا قال بخلافهم، وفي «الهداية» و«الانتصار» و«عيون المسائل» لابن شهاب رواية: لا يلزم القضاء، قال صاحب «المحرر»: لا أحسبها إلا سهوا ويأتي في الحج.