وهل انعزل الْمَلِك الحق عن ملكه لما عزله الخلق؟! .. لقد ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾! (١).
وقال ابن القيم - أيضًا - عن الطبيعة: (ولم يعلم هؤلاء الجهال الضُّلاّل أن الطبيعة قوّة وصِفَة فقيرة إلى محلها ومحتاجه إلى حامل لها، وأنها من أدَل الدلائل على وجود أمر مَن طَبَعها وخلقَها وأوْدَعها الأجسام، وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة؛ فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته، ومملوك من مماليكه وعبيده، مسخّرة لأمره تعالى، مُنْقادة لمشيئته.
ودلائل الصَّنْعَة، وأمارات الخلق، والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق، ولا تفعل، ولا تتصرف في ذاتها ونفسها، فضْلًا عن إسناد الكائنات إليها) انتهى (٢).
وقال - ﵀ - عن الطبيعة وتفاعلات عناصرها وآثارها، قال: (فعناصر العالَم ومَوَادّهُ مُنْقادة لربها وفاطرها وخالقها يُصَرِّفها كيف يشاء ولا يسْتعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طَوْع مشيئته، مُذَلَّلَة مُنْقادة لقدرته، ومَن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين، وكَفَر به، وأنكر ربوبيته) انتهى (٣).
_________________
(١) سورة غافر، من الآية: ٨٣.
(٢) طريق الهجرتين، ص (١٥٢).
(٣) كتاب الروح، ص (٧٣).
[ ٤٠ ]
وقال ابن القيم - ﵀ - في كلام له نفيس يضع فيه الطبيعة موضعها الصحيح، وأن الربَّ سبحانه بتصرُّفهِ فيها وتقليبه أحوالها: (يُظهر عليها أثرَ القهر والتسخير والعبودية، وأنها مصرفة مدبرة بتصريف قاهرٍ قادرٍ كيف يشاء، ليدل عباده على أنه هو وحده الفعال لِمَا يريد المدَبِّر لخلقه كيف يشاء، وأن كلَّ ما في المملكة الإلهيةِ طوْعَ قدرته وتحت مشيئته، وأنه ليس شيء يستقل وحده بالفعل إلا الله).
وذكر - ﵀ – أن الأسبابَ هي مظهَر أفعال الربِّ سبحانه وحكمته، ومع ذلك فقد جعل سبحانه للأسباب ما يُعاوِقها ويُمانِعها ويسلبها تأثيرها، فتارة يسلب سبحانه النارَ إحراقها ويجعلها برْدًا كما جعلها على خليله بَردًا وسلامًا، (وتارة يمسك بين أجزاء الماء، فلا يتلاقى كما فعل بالبحر لموسى وقومه، وتارة يشق الأجرام السماوية كما شق القمر لخاتم أنبيائه ورسله، وفتح السماء لمصعده وعروجه، وتارة يقلب الجماد حيوانًا كما قَلَبَ عصا موسى ثعبانًا، وتارة يغير هذا النظامَ ويُطْلِع الشمسَ من مغربها كما أخبر به أصدق خلقه عنه، فإذا أتى الوقت المعلوم فشق السموات وفَطَرها، وَنَثَر الكواكبَ على وجه الأرض، ونَسَفَ جبالَ العالَم ودَكَّها مع الأرض، وكوَّرَ شمسَ العالَم وقَمَرَه، ورأى ذلك الخلائق عيانًا .. ظهرَ للخلائق كلهم صدقه وصدقَ رسله وعموم قدرته وكمالها، وأن العالمَ بأسره منقادٌ لمشيئته، طوْع قدرته، لا يستعصي عليه انفعاله لما يشاؤه ويريده
[ ٤١ ]