ذهب الجمهور إلى أن صوم الصبيان، أي غير البالغين، غير واجب واستحبَّه جماعة من التابعين منهم ابن سيرين وابن شهاب الزُّهري. وقال الشافعي: إن الصبيان يُؤْمَرون بالصيام للتمرين عليه إذا أطاقوه. وحدَّه أصحابُه بالسبعِ، والعشرِ كالصلاة. وحدَّه إسحق باثنتي عشرة سنة. وأحمد في رواية عنه بعشرِ سنين. وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعفُ فيهن حُمِلَ على الصوم. والمشهور في مذهب مالك أن صوم الصبيان لا يُشرع في حقهم. فأقول ما يلي:
[ ٦١ ]
إن هذه المسألة ما كان ينبغي أن تختلف فيها أفهام الفقهاء والعلماء، إذ المعلوم في الشريعة أن التكاليف كلها شرطُها البلوغُ، فمن بَلَغ كُلِّف ومن لم يبلغ لم يُكلَّف، فإن جاء الشرع وأمر من هو دون البلوغ بالقيام بفعل، أو جاء يأمر وليَّ الصبي بحمل الصبي على القيام بفعل، فإنما هو من باب التمرين عليه فحسب كما يقول الشافعي، ولا يجب على الصبي القيام به قطعًا، وإن كان يُثاب على فعله هو ووليُّ أمره، ومن ذلك الصيام. فولي أمر الصبي يأمر صبيَّه بالصيام ويحثُّه عليه دون أن يصل الأمر والحث إلى حد الإكراه والإجبار، فإن امتثل الصبي للأمر فبها ونعمت، وإن رفض فلا شيء عليه ولا على وليِّه.
أما متى يبدأ الطلب من الصبي أن يصوم؟ فإن الشرع لم يحدِّد سنًا معينة لذلك كما فعل بخصوص الصلاة، ولا يصح القياس في العبادات، فلا يقاس الصيام على الصلاة، وتبقى السنُّ عامة غير مخصَّصة ومطلقة غير مقيَّدة، والأمر كله راجع لتقدير أولياء الأمور وصحَّة الصبيان وقُدُراتهم البدنية.
وقد مرَّ حديث الرُّبيِّع بنت معوِّذ ﵂ قالت ﴿أرسل النبي ﷺ غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فلْيتمَّ يومه، ومن أصبح صائمًا فلْيصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونُصوِّم صبيانَنا، ونجعل لهم اللعبةَ من العِهْنِ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك، حتى يكون عند الإفطار﴾ رواه البخاري (١٩٦٠) ومسلم وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي والطحاوي.
[ ٦٢ ]
فهذا في صيام التطوع كما أثبتناه سابقًا، وصيام التطوع ليس واجبًا على الكبار فلا يكون قطعًا واجبًا على الصبيان. وكون هؤلاء الصبيان يُلَهَّوْن باللُّعب من الصوف في أثناء صومهم، فإن ذلك يعني أن السنَّ التي كان صحابة رسول الله ﷺ يمرِّنون صبيانهم على الصيام فيها هي بلا شك فيما بين الخامسة والسابعة على أبعد تقدير، فهذه هي السنُّ التي يُتصوَّر فيها إلهاء الصبيان عن الجوع بالُّلَعب من الصوف وغيرها، ومع ذلك فإن هذه السن ليست للالتزام. وقد ذكر البخاري تعليقًا – أي بدون سند – هذا الأثر ﴿وقال عمر ﵁ لِنَشْوانَ في رمضان: ويلك وصبيانُنا صيامٌ؟ فضربه﴾ . ومعناه أن شخصًا قُبض عليه في رمضان وهو نشوان، أي سكران، فوبَّخه عمر وضربه قائلًا له: وصبياننا صيام؟ أي تفطر وتشرب الخمر أيضًا في رمضان في حين أن الصبيان يصومون؟ فالأصل عند المسلمين أن يُعوِّدوا أولادهم الصغار على أداء بعض التكاليف التي سيقومون بها كبارًا مما يطيقون القيام به.