ويسمى النُّشوق والنُّشوغ، وهو أن تُوضَعَ مادةٌ في الأنف وتُستنشَق، ويسمى الدواء الذي يُستنشق السَّعوط بفتح السين.
وقد ورد السُّعوط في عدد من الأحاديث كدواء، ولكن أيًا منها لم يتناوله بالذِّكر مع الصيام، ولذا لم يجد المحدِّثون من حديثٍ نبوي يذكرونه في هذا الباب إلا ما رُوي عن لقيط بن صَبْرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أَسبغ الوضوءَ وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا﴾ رواه ابن ماجة (٤٠٧) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد. فأدخلوا الاستنشاق في الوضوء في باب السُّعوط.
وقد اختلف الفقهاء في السُّعوط هل هو جائز للصائم ولا يفطِّره أم هو مُفطِّر؟ فقال البخاري (١٩٣٤) [وقال الحسن: لا بأس بالسَّعوط للصائم إن لم يصل إلى حلقه، ويكتحل] وذكره ابن أبي شيبة موصولًا بلفظ قريب. وروى ابن أبي شيبة (٢/٤٦٢) عن القعقاع قال [سألت إبراهيم – النخعي- عن السُّعوط بالصَّبِرِ للصائم فلم ير به بأسًا] وفي رواية أخرى [قال: لا بأس بالسُّعوط للصائم] وذهب الجمهور إلى أن الاستعاط يفطِّر ويوجِب القضاء.
[ ٢٤٢ ]
واختلفوا في الماء يستنشقه الصائم، فيصل إلى الحلق دون قصد: فقالت الحنفية والمالكية والشافعي في أحد قوليه: إنه يفسد الصوم. وقال أحمد وإسحق بن راهُويه والأوزاعي وأصحاب الشافعي: إنه لا يُفسد الصوم كالناسي. وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي: إنه يُفسد الصوم إن لم يكن لفريضة. فأقول ما يلي:
إن الحديث الذي رواه ابن ماجة من طريق ابن صبرة لا يصح إِدراجه في باب السُّعوط، وذلك لأن السُّعوط هو أن تُدخِلَ مادةً في الأنف وتقوم باستنشاقها لتَدخُل كلُّها أو جزءٌ منها في الرئتين، فهذا هو السُّعوط. وأما إدخال ماء أو دواء في الأنف لعلاج التهاب الجيوب الأنفية مثلًا، دون أن يصل الماء، أو الدواء إلى الرئتين، فليس بسُّعوط. ولذا فإن استنشاق الماء في الوضوء لا يصح إِدراجه في باب السُّعوط. وقد جاء النهي عن المبالغة فيه في حالة الصوم تحرُّزًا من أن يصل الماء إلى الحلق، ومن ثم إلى البلعوم والمعدة، وهو ما نوَّه به الحسن وذكره البخاري. وعليه فإني أقول إنه لم يرد في هذه المسألة أي حديث نبوي.
أما ما رُوي عن عائشة ﵂ قالت ﴿دخل رسول الله ﷺ، فقال: يا عائشة هل من كِسرة؟ فأتيته بقُرْصٍ، فوضع على فيه، وقال: يا عائشة هل دخل بطني منه شيء؟ كذلك قُبلة الصائم، إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج﴾ رواه أبو يَعلى (٨/٤٩٥٤) . قال الهيثمي [رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه] ففيه راوٍ مجهول، فهو ضعيف. وهو يشير إلى راوية الحديث المدعوَّةِ سلمى من قبيلةِ بكرِ بن وائل، وهي مجهولة لا تُعرف، فيترك هذا الحديث.
[ ٢٤٣ ]
فلم تبق إلا آثار الصحابة رضوان الله عليهم. فوجدنا عبد الرزاق (٧٥١٨) يروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال ﴿إنما الصيام مما دخل وليس مما خرج والوضوء مما خرج وليس مما دخل﴾ ووجدنا ابن أبي شيبة (٢/٤٦٧) والبيهقي يرويان عن عبد الله بن عباس ﵁ قال ﴿في الحجامة للصائم قال: الفطر مما دخل وليس مما خرج﴾ وذكره البخاري تعليقًا. وهذان الأثران صحيحان. فأقول ما يلي:
هذان الأثران ورد اللفظ فيهما عامًا، دون بيان إن كان الداخل يدخل إلى الصدر والبطن أو كان يدخل إلى الجمجمة أي إلى الدماغ ويبعد أن يكون الصحابيان الجليلان قد قصدا الجمجمة أي الدماغ، لأن مثل هذا القصد بعيد التوقع، فمن أراده وقصده فإنه يتوجب عليه أن يفصح عنه وإلا انصرف القول إلى المتبادر إلى الأذهان منه وهو ما يدخل في الصدر والبطن، لا ما يدخل في الجمجمة، ولذا فإن قول الفقهاء إنَّ ما يصل إلى الدماغ يفطِّر الصائم استدلالًا بهذين الأثرين غير صحيح. والغريب هو أن الفقهاء كانوا يظنُّون أن السَّعوط يصل إلى الدماغ فقالوا إن ما يصل إلى الدماغ يفطِّر لأجل ذلك.
والحق – وهو ما توصَّل إليه العلم بشكل يقيني قطعي – هو أن السَّعوط وكلَّ ما يستنشقه الإنسان يدخل في الرئتين مرورًا بالبلعوم أي يذهب إلى داخل الصدر وليس إلى الدماغ، فوجب بحث هذه المسألة على هذا الصعيد، ولذا أقول ما يلي:
[ ٢٤٤ ]
إنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديمًا وحديثًا أن دخول جسم في الحلق ومن ثم بلعه، أي نزوله إلى البلعوم يفطِّر الصائم، دون اشتراط أن يصل إلى المعدة أو إلى الرئة فنزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم، وهذا هو مقتضى اللغة، فاللغة تُطلِق على من بلع جسمًا صلبًا أنه أكله، أو سائلًا أنه شربه، فنزول الشيء إلى البلعوم يعتبر أكلًا له أو شربًا له، وحيث أن الأكل والشرب يفطِّران، فإن بلع أي شيء يفطِّر الصائم. وإنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديمًا وحديثًا، إلا من شذَّ، أن نزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم، سواء كان مغذيًا، أو غير مغذٍّ كحصاةٍ أو حفنة تراب.
بقي أن نعرف مواصفات هذا الجسم، فأقول إن الجسم إن دخل كلُّه دفعةً واحدة فإنه لا خلاف في أنه يفطِّر، كاللقمة أو كحبة الحمص أو كجرعة ماء أو دواء وهو مُجْمَعٌ عليه عند المسلمين قديمًا وحديثًا، فإذا جاء أحدهم ليحتال على الصيام، فسحق حبةَ الحمص أو حبة الدواء، ثم أدخل المسحوق بالتدريج في جوفه إما ببلعه مع الريق، أو باستنشاقه مع الهواء فإنه يكون قد أفطر، ولا تنفعه حيلته هذه، لأن النتيجة واحدة في الحالتين، وهي إن جسمًا قد نزل إلى البلعوم ومن ثمَّ إلى الرئتين في الصدر، أو إلى المعدة في البطن، ولا يختلف الحال إن كان قد دخل جسمًا على حاله، أو دخل مسحوقًا فبلعه مع الريق فوصل إلى المعدة، أو استنشقه مع الهواء، فوصل إلى الرئتين، وإذن فإن دخول أي جسم عن طريق البلعوم يفطِّر على أيةِ حالةٍ دخل، لأنه في واقعه فعلٌ واحد.
[ ٢٤٥ ]
أما إن دخل في البلعومَ ما ليس له جسمٌ محسوس، أو ما لا يتشكل منه جسمٌ محسوس فإنه لا يفطِّر وذلك كالعطور والروائح بأنواعها الزكية والكريهة فهذه العطور والروائح لا شيء في تعمُّد شمِّها، فقد روى الطبراني في المعجم الأوسط (٤٤٤٩) وفي المعجم الصغير (٦١٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿سُئل رسول الله ﷺ: أيقبِّل الصائم؟ فقال: وما بأس بذلك ريحانةٌ يشمُّها﴾ وسنده حسن. فقد شبه الرسول الكريم ﵊ تقبيل الصائم بشمِّ الريحان، فدل هذا التشبيه على أن شمَّ الريحان لا يفطِّر الصائم كالتقبيل. فما يدخل في الصدر أو في البطن من طريق الحلق والبلعوم يفطِّر، لا فرق بين أن يدخل على شكل جسم محسوس أو على شكل مسحوقٍ مُذاب في الريق، أو على شكل مادة تطير في الهواء ثم تنعقد في الداخل مادةً محسوسة. أما الحالتان الأُوْليان فإنه لا خفاء فيهما، ولا يحتاجان منا إلى ضرب أمثلة عليهما، وأما الحالة الثالثة فهي ما تحتاج إلى ضرب أمثلة عليها:
أ - السَّعوط، وهو نوع من التبغ يُسحَق ويستنشقه الشخص فيدخل في الرئتين.
ب - دخان التبغ، ودخان البخُّور.
ج - بخار الماء وبخار الدواء.
د - بخَّاخ الرَّبْو.
[ ٢٤٦ ]
هذه الأنواع الأربعة يدخل منها من طريق الحلق والبلعوم في الرئتين في الصدر ما ينعقد أَجْرامًا وأجسامًا أما بالنسبة للسَّعوط فإنه يدخل كلُّه في الرئتين مرورًا بالبلعوم حاله كحال حبة حمص أو حبة دواء تُسحَق فتدخل مع الريق في المعدة. وأما دخان التبغ من سجاير وغلايين ونرجيلة فإنه يتشكَّل في الصدر أَجْرامًا وأجسامًا من القَطِران والنيكوتين وغيرهما وهي ما تشاهد بوضوح تام في ما يسميه الناس بـ (البِلْبِلة) لدى مرور الدخان من خلالها، وهي ما تشاهد بوضوح على الثياب إذا جرى تبخيرها بكثرة. وأما بخار الماء وبخار الدواء، فإن حقيقته وواقعه أنه ماء ودواء، فلا يصح استنشاقه وإدخاله في الداخل بحالٍ من الأحوال. وأما بخَّاخ الربو فإن حقيقته وواقعه أنه دواء ينبعث من الإناء الموضوع فيه كرذاذ يدخل في الفم ومن ثم ينزل إلى البلعوم، قسمٌ منه يختلط باللعاب فيدخل في المعدة، والقسم الأكبر يدخل مع الهواء في الرئتين. فالقاعدة هي أن أي جسم إذا دخل في البلعوم فطَّر الصائم سواء دخل على حاله، أو دخل على شكل دخان أو رذاذ أو بخار، ثم انعقد جسمًا ومادة في الداخل.
وهذا كله إن حصل بفعلٍ إراديٍّ من الإنسان، أي قام بالاستعاط، أو قام بالتدخين، أو استنشق عامدًا الدخان المتصاعد من البخور المشتعِل، أو ترك الماء، أو الدواء يغليان على النار وقام باستنشاق بخارهما للعلاج أو لغيره، أو رشَّ بخَّاخ الربو في فمه ليدخل منه في جوفه فكل ذلك في واقعه إِدخال أجرامٍ وأجسامٍ في البلعوم، فيُفْطِر الصائم بأي منها.
[ ٢٤٧ ]
أما إن حصل كل ذلك بغير إرادةٍ من الإنسان فإنه لا يُفْطِر، لأن الله ﷾ لا يحاسب على فعلٍ لا إرادة للإنسان فيه فمن جلس إلى جوار مدخِّن أو قربَ عودِ بخُّورٍ مشتعلٍ في غرفة، ودخل في صدره شيءٌ منه دون قصد ولا إرادة فإنه يظلُّ صائمًا ولا يفطر، وإذا كان الجو رطبًا مُشْبَعًا ببخار الماء، أو كان الحمَّام مشبعًا ببخار الماء المتصاعد من الماء الحار، واستنشق الصائم بخار الماء هذا أو ذاك رغمًا عنه، دون إرادة ولا قصد، فإنه لا يفطر. وقل مثل ذلك بخصوص الغبار في الجو، وخاصةً في أيام الزوابع والعواصف الخماسينية، فإن استنشاق الغبار آنذاك لا يفطر الصائم، ولا يفطر إلا إذا أدخل هو بإرادةٍ منه وقصدٍ أشياءَ مما سبق.
يتضح مما سبق أن قول الجمهور إِنَّ الاستعاط يفطِّر ويوجب القضاء هو القول الصحيح وأنَّ ما عداه خطأ وأن أثري ابن مسعود وابن عباس ﵄ يرشدان إلى هذا (الصيام مما دخل)، (والفطر مما دخل) أما معنى (الصيام مما دخل) فهو أن يصوم الشخص أو يمتنع عن إدخال أي شيء في جوفه وأما معنى (الفطر مما دخل) فهو أن أي شيء يدخل في الجوف يفطِّر الصائم، فإدخال أي شيء في البلعوم ومنه السَّعوط يفطِّر الصائم.
تطبيقاتٌ على الطب:
وبناءً على ما سبق بيانُه فإني أذكر جملةً من التطبيقات الطبية المتعلقة بمسألتنا، وإنزال الحكم الشرعي عليها، وبيان أيٍّ منها يفطِّر الصائم وأيٍّ لا يفطِّر:
[ ٢٤٨ ]
١- قد يعمد الطبيب أو الجرَّاح إلى إدخال سلكٍ (أو منظارٍ كما يسمونه) في جسد المريض، إِما للعلاج، كوضع شبكةٍ في الشريان المصاب أو إجراء عملية نفخٍ لفتح الشريان المسدود، وإما للفحص فقط، فهذا السلك أو المنظار في كلِّ حالاته يُنظَر فيه فإن هو أُدخِل من طريق الأنف أو من طريق الفم فإنه يفطِّر الصائم، وكذلك إن هو أُدخل من طريق الجلد فوصل إلى الرئتين أو إلى المعدة أو إلى الأمعاء، فإنه أيضًا يفطِّر الصائم، ولكنه إن أُدخل من طريق الجلد فوصل إلى القلب مثلًا، أو إلى الكبد أو إلى المثانة، أي لم يصل إلى الرئتين، ولا إلى الجهاز الهضمي، فإنه لا يفطِّر الصائم.
٢- عمليات تخطيط الدماغ وعمليات تخطيط القلب وما يصاحبها من وضع أطراف الأسلاك على الجلد، هذه العمليات لا تفطِّر الصائم.
٣- العلاج بالأشعة كما يحصل أحيانًا في عمليات تفتيت الحصى في الكليتين، أو في الحالب أو في المثانة، وكما يحصل في علاج السرطان، هذا العلاجُ لا يفطِّر الصائم. ومثله العلاجُ بالرَّنين المغناطيسي، وذلك لأن الأشعة والرَّنين المغناطيسي ليست أجسامًا فدخولها في جسدِ الصائم لا يفطِّره بحالٍ من الأحوال.
٤- التقطير في ذَكَر الرجل، أو في الإحليل كما يقول الفقهاء، وهم يعنون بالتقطير إدخال سائل في الذَّكَر، هذا التقطير لا يفطِّر الصائم، وذلك لأن هذا السائل لا يصل إلى الرئتين ولا إلى الجهاز الهضمي. ومثله إدخال سلك (أو منظار) في الذَّكَر لتنظير المثانة أو الكليتين وكذلك عمليةُ التنظير لرحم المرأة، فإِنَّ كلَّ ذلك لا يفطِّر الصائم.
[ ٢٤٩ ]