لما احتيج الى علم أحوال الارض في شكلها ومقدارها، ومساحتها، وأوضاع البلدان فيها، ومبلغ المعمور وما لا يلحقه العمارة منها، وكان الوقوف على حقيقة ذلك بالمعاينة وادراكه بالمشاهدة، متعذرا على الانسان لقصور عمره وعجزه عن القدرة على الوصول الى المواضع التي يحتاج الى مشاهدتها، لتحصيل أمرها. عاد الى ما أعطاه الله تعالى بلطفه، من قوة التمييز، الذي اذا عجز خمسه عن بلوغ ما يريده لضعفه، كان في هذه القوة عوض له مما نقصه، فاستخرج أولا: شكل الارض، بأن وجد الشمس تطلع في المشرق أول النهار. ثم تغيب في المغرب آخره ثم تعود «١» كذلك في اليوم الثاني، فعلم ان شكل ما يدار عليه من الاجسام، لابد من أن يكون وسطا لما يدور حواليه. واذا كان وسطا لم يحل أن يكون مستديرا أو ذا هيئة اخرى غير الاستدارة. فلو ان شكله كان غير مستدير للزمته [على] «٢» طول الازمان الاستدارة، لان زواياه وزوائده، كانت تندرس لكثرة مرور الاشياء المصادمة له، مثل الريح والامطار وغيرها من الآثار.
فكان يعود الى الكريه كما يوجد في الحصى الذي في البحر من ان أكثره قد صار أملس مستدير الطول «٣»، ملاقاته ما يلقاه من الاجسام المصادمة له
[ ١٣٢ ]
التي أزالت الزوايا منه، واذهبت التضريس عنه. ثم استخرج علم مساحة الارض من النجوم وذلك انه لما لم يكن الى علم مساحة الكرة سبيل الاستخراج أعظم دائرة تقع عليه وهي التي تقسمها «٤» نصفين، وكان استخراج هذه الدائرة بالذراع ومباشرتها بالفعل متعذرا. أما واحدة فلحاجة الانسان الى قطع دور الارض بجسمه وذلك غير ممكن لما وصفناه من ضعفه وقصر عمره. وأما ثانية فلانه لو كان قادرا على ذلك لم يأمن أن يلقاه في وجهه اذا أمعن في السير للمساحة والذرع ما يعوقه عن وجهه من الجبال الشامخة والاودية المنقعرة والبحار المنكرة والامم المختلفة المذاهب والخلائق قصد كسوفا قمريا في مدينتين من المدن التي تحت خط واحد من الخطوط الموازنة لفلك معدل النهار، وأخذ قدر المسافة بين هاتين المدينتين فقايس به ما بين وقتي الكسوف فيهما، فجعل للمدة من الزمانين قسطا من المسافة بين البلدين، وعمل على ذلك في زمان مسير الشمس يوما وليلة، وهو دور الارض فنسب مسافة الارض من درج الفلك. ونبين به ما أراد تبينه وما أرى أكثر من تعدا هذا الموضع ممن لم يطالع أشياء من صناعة النجوم، بتحققه ولا بأس ان تبسطه ليظهر عند من لم يكن عارفا بهذه الصناعة، وما أردناه به. فنقول: ان البلدين اللذين استخرجا قسط ما يخص الاجزاء الفلكية ومسافة ما بينهما هما بلدان عرضهما واحد، ومعنى عرض البلد بعده عن معدل النهار وهو خط الاستواء فان لم يكن هذان البلدان في الطول الذي هو بعده ما بين المشرق والمغرب مسافة ما قصد كسوف قمري، وكان مثلا في البلد المشرقي على ساعتين من الليل، وفي المغربي على ساعة وكانت مسافة ما بينهما من الاميال ألف ميل فيعلم «٥»
[ ١٣٣ ]
ان قسط الدرجة وهي جزء من خمسة عشر جزءا من الساعة المنسوبة من مسافة ما بين البلدين المذكورين ستة وستون ميلا وثلثا ميل، فضربت هذه الاميال في أجزاء الفلك المسماة بالدرج وهي ثلثمائة وستون جزء، فخرج من الضرب أربعة وعشرون ألف ميل فحكم بأن ذلك دور الارض وهو ما كان لو احتيج الى مساحته «٦» بالمساحة الارضية تعذر للاسباب التي بيناها.
فأما علم المعمور من الارض مما لا يصلح فيه العمارة، فكان الاستدلال عليه أيضا مع الاخبار الصحيحة التي قبلها بطليموس من رسله وقايس بها غيرها بما صح عنده من الاخبار المتقدمة قبله من جهة الكواكب أيضا.
وذلك ان هذا الرجل ضعف آراء من نظر في أمر المعمورة من الارض مما لا يصل اليه العمارة مثل مارسيوس ومثل طيملسالس وابرخيس وغيرهم، في قبولهم أقوال التجار الذين أخذوا الاخبار عنهم وقال: التجار لا يؤمن تخرصهم فيما يحكونه قصدا للمماراة والمفاخرة لبلوغ المواضع التي يدعون بلوغها وانفذ رسلا قاصدين لتعرف حقيقة ما أراد أن يعرفه من أمر المواضع في الجهات، واعتمد من له النظر والفهم، والبعد من التزيد والكذب. يعمل على أخبارهم مقايسا لها بما وجده من الادلة النجومية، وكان استدلاله من جهة الكواكب، انه نظر في مسير الشمس الخاص لها وفي ادارة فلك الكل أياها فوجد لها بها دينا وموضع فلكها المنسوب اليها لزوما لذلك قربا منه في وقت وبعدا آخر «٧» وانحرافا عنه في غير ذلك الوقت، وذلك أن يكون الزرع والضرع اللذان يجدهما في موضع يسمى
[ ١٣٤ ]
عامرا «٨» وهو بالاعتدال في الهواء «٩»، وبطول العمارة، وعدم الحرث والنسل، انما يكون بأفراط اداة الحر والبرد. ووجد الاعتدال، انما يكون باعتدال مسير الشمس منه والارتفاع عن الموضع والقرب منه والافراط في الحر والبرد انما يكون، أما بأن يجتمع بموضع الوبر «١٠» في الجو والمسامته معا، أو الدوام واتصال «١١» الطلوع فيسخن «١٢» الهواء سخونة تحترق «١٣» بها الحيوان والنبات، ولا يستقيم أمرها فيه أو يجتمع في موضع آخر الى البعد عن المسامتة والارتفاع في الجو والمقاربة في الطلوع اليه فيبرد «١٤» هواه بردا يكثر «١٥» معه الثلوج ويشتد الصهر والزمهرير، فلا يتم فيه عمارة ويهلك الحرث والنسل بواحدة.
ووجد الشمس اذا كانت في المنقلب الصيفي، والابراج الشمالية كان بين الموضع الذي عرضه أربع وستون جزءا، وبين الشمس أربعون جزءا، وتسع دقائق وعرض بغداد ثلاثة وثلاثون جزءا وخمس عشرة دقيقة. واذا كانت الشمس عالية في المنقلب الصيفي كعلوها اذا كانت في سبع عشرة درجة في الميزان، وهو أول تشرين الاول ولكن الشمس اذا كانت في المنقلب الصيفي كانت قريبة من بعدها الا بعد في الجو وكان الموضع الذي عرضه أربعة وستون جزءا «١٦» في الصيف
[ ١٣٥ ]
أبرد كثيرا من زمان بغداد وفي أول تشرين الاول اذا كان الموضع الذي عرضه أربعة وستون جزءا. على هذه الحال في الصيف فهو الشتاء لا يسكن فيه البتة لشدة البرد فيه لا سيما اذا انضاف مع ذلك قصر نهاره وطول ليله، وان النهار يكون في ذلك الموضع في الشتاء ساعتين وسبع ساعة، والليل احدى وعشرين «١٧» ساعة وستة أسباع ساعة، وانما من هذا الموضع الذي يبطل نهاره في الشتاء، وليله في الصيف جزءان وبعض الاجزاء، لان الموضع الذي يبطل نهاره في الشتاء، وليله في الصيف هو الموضع الذي عرضه ستة وستون جزءا وتسع دقائق، لان ميل تلك البروج جزءا واحدى وخمسون دقيقة، والشمس تكون في المنقلب الشتوي في الابراج الجنوبية وهي الناحية البعيدة عنا لان مساكننا انما هي نحو الشمال، فاذا زيد ميل الشمس في الجنوب على عرض الموضع الذي وصفنا، وقلنا انه ستة وستون جزءا وتسع دقائق بلغ ذلك تسعين جزءا فحينئذ لا يوجد للشمس على ذلك الموضع ارتفاع ولا فيه طلوع الى ان يعود بعد ستة أشهر الى المنقلب الصيفي فاذا كان الصيف دام طلوعها عليه ستة أشهر اخرى، فلم يكن لها غيبة عنه بما قدمنا شرحه. فقد وافق هذا الاستدلال المبين شرحه من حركة الشمس ما ذكره بطليموس عن رسله وعمن قبله قوله ممن عنى بهذا الامر ومحص عنه قبله. وذلك انه حكي عنهم ان أقصى ما وجد من العمارة في جهة الشمال، الجزيرة المعروفة بتولى التي عرضها- وهو بعدها عن خط الاستواء- ثلاثة وستون جزءا. وأطول النهار في هذا الموضع يكون عشرين ساعة «١٨» فهذا ما يدل عليه النظر ووافقه الخبر من مبلغ حد العمارة في ناحية الشمال.
[ ١٣٦ ]
وأما جهة الجنوب فلما كان افراط الحر مانعا من كون العمارة في الموضع كما ان افراط البرد مانع منها أيضا، كان أشد المواضع حرا هو الموضع الذي يجتمع فيه الى مسامته الشمس أياه دنوها منه وانحطاطها عليه وهذا الموضع فهو من وراء خط الاستواء بواحد وعشرين جزءا وخمس وثلاثين دقيقة في الجنوب، حيث مسامته الشمس وهي في غاية دنوها الى الارض وذلك اذا كانت من الابراج الجنوبية في خمس درج ونصف من القوس. وقد ذكر بطليموس عن «١٩» رسله ومن وافق عليه من تقدمه ان نهاية ما وجدوه من العمارة في الجنوب وراء خط الاستواء ستة عشر «٢٠» جزاء وربع وسدس وهذا الموضع فالشمس بسامته اذا كانت في ثلاث عشرة درجة من العقرب فبين الموضع الذي أتت الاخبار ببلوغ العمارة اليه وبين ما أوجب الاستدلال بمجرى الشمس منه يسير، يجوز أن تكون العمارة لم يتجاوز للتشابه بينه وبين الموضع المتقدم ذكره بالمجاورة فاذ قد وضح من الارض مبلغ أقصى العمارة من جهتي الشمال والجنوب ما وضح بالدليل الذي وافقته الاخبار فلنذكر كيف قسم المعمور من الارض.
[ ١٣٧ ]