قال جابر: "فحل النَّاس كلهم وقصّروا إلَّا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي":
لفظ جابر هذا من الألفاظ العامة التي يراد بها الخصوص؛ لأن عائشة
- ﵂ - لم تحل، ولم تكن ممن ساق الهدي وعليه يكون مراد جابر في قوله: "حل الناس كلهم أي معظمهم" (١)
ثم التحلل الذي أتى على ذكره جابر ومارسه أغلب حجاج الصحابة كان من نسك العمرة؛ لأنهم لم يكونوا قد أحرموا بالحج بعد كما يدل عليه سياق الحديث وقد تحللوا من عمرتهم بالتقصير دون الحلق ليتم لهم الجمع بين الفضيلتين فقي المنسكين فضيلة إزالة الشعر بالتقصير في العمرة وفضيلة إزالة الشعر بالحلق في الحج، وقد وافق تأخير الحلق إلى فريضة الركن الخامس؛ لأنها أرفع شأنًا من العمرة والله أعلم (٢).
وإذا كانت العمرة تتم بتحلل واحد بإزالة شعر الرأس تقصيرًا أو حلقًا يحل له بعد كل شيء فإن الحج يتم التحلل من محظوراته على مرحلتين بسبب الأعمال الكثيرة له، وامتداد زمن أدائه وذلك بالتحلل الأول ويسمى التحلل الأصغر ويحصل بفعل اثنين من ثلاثة هي: الرمي والحلق وطواف الزيارة المسبوق بسعي (٣)
هذا التحلل يحل بعده كل شيء
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ج ٨ - ص ٣٣٦ ـ
(٢) نفس المرجع والجزء والصفحة.
(٣) التحلل الأول عند الشافعية يحصل كما قلنا بفعل اثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة والحلق أو بطواف الإفاضة والحلق أو بطواف الإفاضة =
[ ٢٩١ ]
إلّا النساء أي الجماع ودواعيه كالقبلة واللمس بشهوة بدليل الحديث الذي رواه النسائي وابن ماجة موقوفًا على ابن عباس وفيه يقول ابن عم رسول الله - ﷺ -: "إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء إلّا النساء" فقال رجل يا ابن عباس والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت
_________________
(١) = ورمي جمرة العقبة لكن بشرط أن يكون الطواف مسبوقًا بسعي بعد طواف القدوم أو متبوعًا بسعي بعده أي بعد طواف الإفاضة. فإن طاف طواف الركن (الإفاضة ويسمى الزيارة) وكان قد سعى تحلل التحل الأول بالحلق أو التقصير والحلقُ عند الشافعية نسك لذلك عدوه ركنًا أما الرمي فهو عندهم من أسباب التحلل لذلك لا يكفي التحلل برمي جمرة العقبة دون أن يتبع ذلك حلق أو طواف نال حظه من السعي (والسعي ركن) بعده أو بعد طواف القدوم. أما الذبح عند الشافعية فلا عبرة فيه؛ لأنه لا مدخل له عندهم في مسألة التحلل. لا فرق في ذلك بين أن يكون الإحرام بالإفراد أو التمتع أو القران. أما السادة الحنفية فالتحلل عندهم لا يتأتى إلا بالحلق، فلو رمى الحاج وذبح وطاف ولم يحلق لم يتحلل عندهم. ولو طاف عند الحنفية للإفاضة ولم يسعَ بعده ولم يكن قد سعى بعد طواف القدوم فإنه يتحلل بالحلق ولا يضر ترك السعي إذ لا يتوقف الإحلال على السعي عندهم؛ لأنه من الواجبات ولأنهم علقوا التحلل بالحلق. وعند الإمام مالك التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة فقط، وهو قول الإمام أحمد، وهو ما يؤيده ظاهر الحديث الذي رواه ابن ماجة موقوفا على ابن عباس وفيه يقول ابن عم رسول الله - ﷺ - "إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ". هذا في التحلل الأصغر أما التحلل الأكبر وهو الثاني والأخير فيحصل عند الشافعية والحنبلية بتكميل فعل الثلاثة: جمرة العقبة والحلق والطواف بشرط السعي بعد القدوم أو الإفاضة، وإلا لم يتحلل التحلل الكامل حتى يسعى. أما الحنفية فالتحلل الثاني يحصل بطواف الزيارة إذا سبقه الحلق؛ لأن الحلق يتوقف على فعله التحلل الأول وطواف الإفاضة يتوقف على فعله التحلل الثاني إذا سبقه الحلق، فإن طاف للزيارة ولم يحلق لم يتحلّلْ. ولا يضرّ السعي إذا تركه عند الحنفية لما سبق أنه واجب. أما المالكية فالتحلل الثاني عندهم يحصل بطواف الإفاضة لمن حلق ورمى جمرة العقبة فيتحلل بالإفاضة والحلق بشرط السعي أيضًا. قال الدكتور نور الدين عتر: "وحصول التحلل الأكبر باستيفاء الأربعة: رمي جمرة العقبة والنحر، والحلق وطواف الإفاضة بشرط السعي موضع إجماع أئمة المسلمين لا خلاف فيه بينهم، لكن يجب عليه فعل بقية أعمال الحج إن كان حلالًا". وما أحسن قول الرملي: "ويجب عليه الإتيان بما بقي من أعمال الحج وهو الرمي والمبيت مع أنه غير محرم كما يخرج المصلي بالتسليمة الأولى من صلاته ويطلب منه الثانية". اُنظر لهذا وغيره من الفوائد: "الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. عتر فقرة (٦٨) و(٦٩) من ص ١١٦ (إلى) ١١٨ - وفقرة ١٥٤ ص ٢٣٢. وانظر الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي ج ٣ - ص ٢٢٨٦ - ٢٢٩٠. والحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص ٣٨٠ والصفحات من ٣٨٩ إلى ٣٩٢.
[ ٢٩٢ ]
رسول الله - ﷺ - يضمخ رأسه بالمسك. أفطيب ذلك أم لا؟
وزاد الشافعية والحنبلية عقد النكاح لما رواه مسلم وغيره لا يَنْكِحُ المحرم ولا يُنكِح أي لا يتولى ذلك لنفسه ولا لغيره، ويبدو أنهم عدوا ذلك من أمر النساء الذي لا يحل إلّا بعد التحلل النهائي. وزاد المالكية والصيد، فلا يحلّ عندهم بعد التحلل الأول لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وما دام الحاج لم يتحلل التحلل الأكبر فهو في اجتهادهم يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
وإذا تحلل الحاج وبات في منى، ورمى ما عليه من حصى الجمار في الأيام المعدودة وأدى ما عليه من مناسك الحج بأركانه وواجباته سن له عند الحنفية أن ينزل بوادي المحصّب أو الأبطح في النفر من منى إلى مكة المكرمة، وهو الوادي الذي يقع اليوم داخل حدود مدينة مكة المكرمة العمرانية بعد توسعها حيث نلحظه عند مدخل المدينة المقدسة بين الجبلين في طريقنا لى المقبرة المسماة بالحَجون بين قصر الملك عبد العزيز في المعابدة وجبانة المَعْلاة التي تليها من جهة الحرم المكي الشريف وهو المكان المشغول اليوم ببعض الأبنية.
وفي هذه السنّة التي اقتصرت على اجتهاد السادة الحنفية يقول الشيخ الدكتور نور الدين عتر وهو حنفي المذهب: "فيسن أن تنزل فيه، وتصلي في أي مسجد هناك: الظهر والعصر والمغرب والعشاء أو امكُثْ ما تيسر لك تحصيلًا للسنة قدر الإمكان لتعيش بقلبك وروحك في ذكريات الجهاد الذي قاده النّبيّ - ﷺ - فهذه حكمة هذه السنة. قال - ﷺ -: "نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر" (١).
_________________
(١) الخَيفْ هو هذا المحصّب أو الوادي الذي أحدثك عنه. وقوله - ﷺ -: " حيث قاسمت قريش على الكفر" يشير به إلى تحالف قريش وبني كنانة على بني هاشم وبني المطلب في صدر الدعوة الإسلامية حين تعاهدوا على إخراجهم إلى شِعب أبي طالب وألّا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلّموا إليهم رسول الله - ﷺ - وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة التي تضمنت ألوانًا من الباطل وقطيعة الرحم والكفر وكان ذلك في خيف بني كنانة وهو الأبطح أو وادي المحصب. اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي عليه ج ٩ - ص ٢٣٣. الحج والعمرة في الفقه الإسلامي - د. نور الدين عتر الفقرة (١٥٥) ص ٢٣٥ و١٢٨.
[ ٢٩٣ ]
ثم قال: "ولما أن المحصب أصبح ضمن مكة فيمكث الحاج فيه ما تيسر أو في مسجدٍ مما هناك تحصيلًا للسنة قدر الإمكان".
وفي صحيح مسلم وغيره ما يؤيد ذلك حيث روي عن نافع أن ابن عمر كان يرى التحصب سنة، وأنه كان يصلي الظهر يوم النفر بالحصْبة. قال مسلم: قال نافع: قد حصّب رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده" (١).
أما غير الحنفية فقد اكتفوا باستحباب النزول بوادي المحصب أو الأبطح دون أن يرتقي استحبابهم إلى رتبة السنية يؤيد ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله - ﷺ -؛ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج" (٢).
كما يؤيده قول ابن عباس في صحيح مسلم قال: "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله - ﷺ - " (٣).
وروى مسلم عن أبي رافع قال: لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل (٤).
وهناك اجتهاد آخر في المحصب ذكره النووي قال: "قال: بعض العلماء: وكان نزوله - ﷺ - هنا شكرًا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء وعلى إظهار دين الله تعالى والله أعلم" (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم (١٣١٠/ ٣٣٨).
(٢) صحيح مسلم (١٣١١/ ٣٣٩).
(٣) صحيح مسلم (١٣١٢/ ٣٤٠).
(٤) صحيح مسلم (١٣١٣/ ٣٤٢).
(٥) صحيح مسلم بشرح النووي ج ٩ - (٤٣٣).
[ ٢٩٤ ]
يوم التروية والإحرام فيه
قال جابر - ﵁ -: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلّوا بالحج":
يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة سمي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات لاستعماله في الشرب وسائر الوجوه الأخرى؛ لأن تلك الأماكن لم يكن فيها آنذاك ماء (١).
وقيل:؛ لأن إبراهيم تروّى في ذبح ولده وهو شاذ (٢).
ويوم التروية يسمى يوم النُّقْلَةُ؛ لانتقالهم فيه إلى منى (٣).
وكلام جابر دليل للشافعي وموافقيه في أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج فإنه يحرم يوم التروية عملًا بهذا الحديث وهو محل اتفاق جمهور الفقهاء، ويشهد له رواية أخرى عند مسلم في باب إحرام أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة عن ابن
_________________
(١) اُنظر حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص ٣٠٤ - هذا وقد قال فيه الإمام ابن حجر: "وعليه فقياسه أن يسمى يوم الإراء لا التروية" وانظر كذلك فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ج ٣ - ص ٦٤٠.
(٢) اُنظر فتح الباري للعسقلاني في نفس الجزء والصفحة.
(٣) أما اليوم السابع من ذي الحجة فقد صرح النووي في المجموع أن لا اسم له لكن ذكر غيره أنه يسمى يوم الزينة لتزيينهم المحامل فيه إلى عرفة وأنكر ذلك النووي. وأما اليوم التاسع فيسمى يوم عرفة، والعاشر يدعى يوم النحر والحادي عشر يسمونه يوم القر؛ لأنهم يقرون فيه بمنى، والثاني عشر يوم النفر الأول أو يوم الرؤوس؛ لأكلهم فيه رؤوس الهدي، والثالث عشر يوم النفر الثاني أو يوم الخلاء، لخلو منى منهم. اُنظر نفس المرجع والجزء ص ٧٢٦ - والحاشية للعلامة ابن حجر الهيتمي ص ٣٠٤.
[ ٢٩٥ ]
جريح أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄: يا أبا عبد الرحمن: رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها. قال: ما هنّ يا ابن جريج؟ قال رأيتك لا تمسّ من الأركان إلّا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السِّبْتيّة (١)، ورأيتك تصُبغُ بالصُّفرة (٢)، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلّ الناس إذا رأوا الهلال ولم تُهلل أنت حتى يكون يوم التروية.
فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان فإني لم أرَ رسول لله - ﷺ - يمس إلّا اليمانيين، وأما النّعال السِّبْتيّة فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن أفعل ذلك، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يَصْبُغُ بها فأنا أحب أن أصبُغَ بها، وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله - ﷺ - يُهلّ حتى تنبعث به راحلته (٣) " (٤).
_________________
(١) السِّبْتية بكسر السين وسكون الباء من السِّبْتِ وهو الجلد المدبوغ أي هي نعال سود مدبوغة لا شعر فيها كما هو صريح كلام ابن عمر في سياق الحديث والتخصيص بالسبتية؛ لأن بعض النعال كانت غير مدبوغة؛ ولأن بعض المدبوغات كان يبقى فيها الشعر. وهي أي المدبوغة، كانت تُعْمَلُ بالطائف وغيره وكان يلبسها أهل الرفاهية قال الهروي: سميت بذلك؛ لأنها انْسَبَتَتْ بالدباغ أي لانت يقال: رطبة منسبتة أي لينة. اُنظر صحيح مسلم ج ٨ ص ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٢) قوله "تصبُغُ" بضم الباء وفتحها لغتان مشهورتان والمراد بها صبغ الثياب، وقد نقل القاضي عن أبي داود أنه - ﷺ - كان "يصبغ" بالورس والزعفران ثيابه حتى عمامته وذكر أنّ هذا هو أظهر الوجهين، وأن القول الآخر هو ما رواه أيضا أبو داود في سننه أن النبي - ﷺ - كان يصفّر لحيته. اُنظر نفس المرجع والجزء ص ٢٧٠.
(٣) قال الإمام النووي وأما فقه المسألة فقال المازري: أجابه ابن عمر بضربٍ من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله - ﷺ - على المسألة بعينها فاستدل بما في معناه. ووجه قياسه أن النبي - ﷺ - إنما أحرم عند الشروع في أفعال الحج والذهاب إليه فأخّر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحج وتوجهه إليه وهو يوم التروية فإنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى ووافق ابن عمر هذا الشافعي وأصحابه وبعض أصحاب مالك وغيرهم وقال آخرون: الأفضل أن يحرم في أوّل ذي الحجة ونقله القاضي عن أكثر الصحابة والعلماء، والخلاف في الاستحباب، وكل منهما جائز بالإجماع والله أعلم.". اُنظر نفس المرجع والجزء ص ٢٧٠ - ٢٧١.
(٤) صحيح مسلم برقم (١١٨٧/ ٢٥) وانظر السنن الكبرى للبيهقي برقم (٩٥٢١).
[ ٢٩٦ ]
أعمال اليوم الثامن
قال جابر - ﵁ -: "وركب رسول الله - ﷺ - فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس":
يقع على عاتق الحاج بعد أن يبلغ منى يوم التروية سنن تأتي اتّباعًا لرسول الله - ﷺ -:
أولها: أن يأتي منى في اليوم الثامن من ذي الحجة تحديدًا فلو اندفع الحاج من مكة إلى منى قبل هذا التاريخ فمذهب الشافعية أنه خلاف السنة، وقال مالك بكراهة ذلك (١).
ثانيها: أن يأتيها راكبًا وأن يتردد فيما بينها راكبًا؛ لأن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي عملًا بسنة رسول الله - ﷺ - (٢).
ثالثها: أن يمكث في منى وأن يصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء من يوم
_________________
(١) هذا مع ملاحظة أن بعض السلف قالوا: لا بأس بتقدم النفرة إلى منى من مكة المكرمة قبل الثامن من ذي الحجة فعلى هذا قولهم يفيد الجواز والقول المعتمد أعلاه يفيد السنة. اُنظر شرح صحيح مسلم للنووي ج ٨ ص ٣٣٧.
(٢) قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ج ٥ ص ٦٨: "هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف أن المشي أفضل، وقال بعض أصحاب الشافعي الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن المناسك وهي مكة ومنى ومزدلفة والتردد بينهما". أقول: نقل الإمام النووي هذا الكلام أيضًا. اُنظر نفس المرجع والجزء والصفحة.
[ ٢٩٧ ]
التروية والصبح فجر يوم عرفة (١).
رابعها: أن يبيت بمنى هذه الليلة. قال الإمام الشوكاني: "وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع" (٢).
خامسها: أن لا يخرج من منى صباح اليوم التاسع حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه. قال الإمام النووي: فإذا طلعت الشمس يوم عرفة على ثبير وهو جبل معروف هناك ساروا من منى متوجهين إلى عرفات (٣).
سادسها: أن يدعو في طريقه من منى إلى عرفات وأن يكثر من التلبية. قال الإمام النووي: واستحسن بعض العلماء أن يقول في مسيره: اللهم إليك توجهت، ولوجهك الكريم أردت، فاجعلْ ذنبي مغفورًا، وحجي مبرورًا، وارحمني، ولا تخيبني إنك على كل شيء قدير (٤).
سابعها: قال الإمام النووي: "قال أقضى القضاة الماوردي: يستحب أن يسيروا على طريق ضب (٥) ويعودوا على طريق المأزمين (٦) اقتداء برسول الله - ﷺ - وليكن عائدًا في
_________________
(١) قال الإمام ابن حجر الهيتمي في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص ٣٠٤. "قال الزعفراني: ويقصد مسجد الخيف فيصلّي فيه ركعتين ويصلي بها مكتوبات يومه وصبح غده عند الأحجار الكريمة التي بين يدي المنارة فإنها مصلى رسول الله - ﷺ - ".
(٢) اُنظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٥ ص ٦٨.
(٣) قال الإمام ابن حجر الهيتمي في شرحه على كلام النووي ص ٣٠٥. "قال في تهذيبه: على يمين الذاهب من منى إلى عرفات بالمزدلفة وخالفه المحب الطبري فقال إنه على يسار الذاهب إلى عرفة مشرف على منى في جمرة العقبة إلى تلقاء مسجد الخيف وأمامه قليلًا. وكلام الأزرقي يوافقه. قيل: وأهل مكة أدرى بشعابها ومن ثم اعتمده جمع متأخرون".
(٤) نفس المرجع ص ٣٠١ - ٣٠٦.
(٥) قال ابن حجر الهيتمي (ضبّ): هو بفتح المعجمة وتشديد الموحدة اسم الجبل الذي مسجد الخيف في أصله قاله البكري". اُنظر المرجع ص ٣٠٦.
(٦) قال الإمام ابن حجر في (المأزِمين) تثنية مأزِم بهمزة ألف فزاي مكسورة وهو كل طريق ضيق بين جبلين والمراد به هنا الطريق التي بين الجبلين اللذين فيما بين عرفة ومزدلفة وثُنّيت؛ لأن فيها انعطافًا فصارت كالطريقين". نفس المرجع والصفحة.
[ ٢٩٨ ]
طريق غير الذي صدر منها كالعيد، وذكر الأزرقي: وطريق ضب مختصر من المزدلفة إلى عرفة وهو في أصل المأزمين عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفات (١) والله تعالى أعلم" (٢).
ومن تمام الفائدة أن الإمام يخرج بالحجاج قبل طلوع فجر اليوم التاسع من منى - وذلك عند الشافعية - إن صادف وقوع يوم التروية يوم جمعة؛ لأن السفر عندهم في هذه الحالة بعد الفجر وقبل الزوال حرام (٣).
هذه هي الخطوط التفصيلية لما عليه عمل حجاج بيت الله الحرام في هذا الوقت الممتد في منى وهو ما ينبغي أن يحرص عليه كل الوافدين على الله في مواسم هذه الفريضة، وكذلك كل القائمين على تنظيم وخدمة ضيوف الرحمن من أمناء أفواج وشركات سياحية ومؤسسات إشراف حكومية؛ لأنه لا يوجد شيء في الدنيا يضاهي شرف متابعة خاتم الأنبياء محمد ﵊ خصوصًا في رحلة الرسل والأنبياء، عنوان الصلة الوثيقة بين الأرض والسماء.
إن الذي يصدر عن معظم الحجيج منذ زمن بعيد هو خلاف ما سار عليه سلف
_________________
(١) قال الإمام ابن حجر: "أي وتصير طريق المأزمين عن يسارك وظاهره أن ضب وهو ثبير عند المصنف يمتد إلى مزدلفة فيؤيد ما مر من اتصال ثبير منى بثبير مزدلفة". نفس المرجع والصفحة
(٢) اُنظر نفس المرجع والصفحة.
(٣) اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي ج ٣ ص ٢٢٧٤ - والذي أضاف: "وإذا كان يوم عرفة يوم جمعة جاز خروج الحجاج بعد الفجر ولم يُصلِّ النّبيّ - ﷺ - الجمعة بعرفة مع أنه قد ثبت في الصحيحين أن يوم عرفة الذي وقف فيه النبي - ﷺ - كان يوم جمعة".
[ ٢٩٩ ]
هذه الأمه ونقيض ما وثقه الفقهاء حيث ترى قوافل الناس تمضي عصر اليوم الثامن من ذي الحجة وليلة التاسع منه حثيثًا نحو أرض عرفات لاستلام الخيام المعدة لها هناك، ونقطة انطلاقها هي مكة وليس منى وهذا الخطأ أشار إليه وحذر منه إمامنا النووي الذي قال: "وأما ما يفعله الناس في هذه الأزمان من دخولهم أرض عرفات في اليوم الثامن فخطأ مخالف للسنة وتفوتهم بسببه سنن كثيرة منها الصلاة بمنى والمبيت بها والتوجه منها إلى نمرة والنزول بها والخطبة والصلاة قبل دخول عرفات وغير ذلك" (١).
إن ترك جزئيات من السنة المطهرة هو تقصير بحد ذاته يدفع الغيورين الصادقين إلى أن يعتصرهم الأسى بسبب الإعراض عنه لكنه تقصير ربما يعذر المسلم فيه تحت سقف هذه الخصوصية التي عرف بها الحج في عصرنا حيث سهلت وسائل الاتصال والمواصلات وصول الناس إلى أرض الحرمين الشريفين برًا وبحرًا وجوًا فتسببت بازدحام شديد لا عهد لهذه الفريضة به وهو ما جعل حركة سير الحجاج معقدة وقاسية تفوق ألم ركوب الجمال في الصحراء قياسًا لما يتمتع به أبناء هذا الزمان من رفاهية عالية وتحملٍ هش.
ثم إذا كان عبء الازدحام محتملًا عند شرائح من الحجاج فإن ما لا يكاد يحتمل هو أن تفوت الفريضة برمتها بسبب إغلاق الطرق طبيعيًا أو بقرارت ارتجالية تهدف إلى تخفيف الضغط عن خط السير هذا أو ذاك، وهو ما أستطيع توثيقه بأحداث وصل أبطالها إلى تخوم عرفات حينما غادروا صباح اليوم التاسع فلم يتح لهم الوصول الموفق إلى ما خصص لهم من خيام وهو ما جعلهم يضطرون للوقوف في العراء تحت أشعة
_________________
(١) اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته ص ٣٠٧.
[ ٣٠٠ ]
الشمس الحارقة فكيف الحال حين يكون المنتظرون هناك شيوخ وقواعد من النساء؟ وكيف إذا كان هؤلاء أعدادًا غفيرة في قافلة واحدة ولا مأوى لهم ولا ظل يحميهم في ظروف درجات حرارة عالية أحيانًا إلى حد يتساقط فيه أفراد الحجاج تترى؟ .
وكيف يمكن للقائمين على هذه الأفواج أن يواجهوا الحجاج إن منعوا من دخول أرض عرفة أو الوصول إلى مواقع الخيام؟
أمام هذا الواقع الذي تحتاج معه فريضة الحج إلى سياسة جديدة تقصى بها الباصات ووسائل النقل المعتادة وتستقدم وسائل علمية تتناسب مع رقي هذا الركن وجليل حكمته من قطارات كهربائية بعشرات الخطوط، أو سلالم متحركة أفقيًا تنقل الحجاج فيما بين مواضع المناسك المختلفة بحيث يخصص لكل مجموعة من الأفواج قطار يقلهم تتلوه قطارات على ذات السكة، وبالتالي يتحول ركاب الحافلات إلى مرتادي حافلات القطارات، فتحافظ سماء المشاعر على صفائها المادي أُسوة بالصفاء الروحي والمعنوي.
أمام هذا الواقع لا يسعني إلّا أن أرمق بناظري عظمة الإسلام الذي لم يجعل مناسك الحج وسائر عبادات الدين الإسلامي لونًا واحدًا رحمة بالعباد الذين صادفوا في هذه العبادة أركانًا لا كفارة لها ولا يصح الحج إلّا بها، وواجباتٍ لو اضطر الحاج إلى تركها فلا تضطرب الصحة في الأداء - ويلزمه فقط كفارات تعوض النقص والخلل - وسننًا وآدابًا كلما اغترف الحجاج من ينابيعها الطاهرة غرفة صاروا إلى الحج المبرور أقرب أما إذا اضطرتهم الظروف والأولويات إلى تجاوز شيء منها فإن الحج الذي يؤدونه صحيح لا قضاء فيه ولا كفارة، وفي هذا يأتي كلام الإمام النووي حول سنن اليوم الثامن من ذي الحجة ضياء نستبين به الطريق ونعالج على وضوحه كل عقبة
[ ٣٠١ ]
كؤود قد تعترض هذا الركن السامي:
"وكل ذلك مسنون ليس بنسك واجب فلو لم يبيتوا بها أصلًا ولم يدخلوها فلا شيء عليهم لكن فاتتهم السنة (١) ".
* * *
_________________
(١) اُنظر الفقه الإسلامي وأدلته ص ٣٠٤.
[ ٣٠٢ ]