قال جابر - ﵁ -: "وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة (١) فسار رسول الله - ﷺ - ولاتشك قريش إلّا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها":
مسجد نمرة من موقف عرفة
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج ٨ ص ٣٣٨، وقوله " (بنمرة) هي بفتح النون وكسر الميم هذا أصلها ويجوز فيها ما يجوز في أصلها وهو إسكان الميم مع فتح النون وكسرها وهي موضع بجنب عرفات وليست في عرفات".
[ ٣٠٣ ]
عندما ينفر الحجاج صباح اليوم التاسع من منى فالمستحب عند أهل العلم نزولهم بنمرة التي تقع على الحدود المتاخمة لعرفات دون أن تدخل فيها، وهناك يَنْصِبُ من كان له خيمة قُبّة يستظل بها (١) من حر الشمس اقتداء منه برسول الله - ﷺ - الذي أمر بضرب قبة له من شعر في نمرة وافاها لدى نزوله تلك الأرض.
ومن السنة اغتسالهم حيث ضربوا خيامهم استعدادًا لاجتماع ضيوف الرحمن في موقف عرفة، ومن عجز عن الاغتسال تيمم ويكون ذلك قبل الزوال.
ومن أعمالهم في نمرة المكث فيها حتى تزول الشمس عن منتصف السماء في الهاجرة (٢)، فإذا زالت ذهب الإمام والناس جميعًا إلى المسجد الذي صلى فيه رسول الله - ﷺ - ويدعى مسجد إبراهيم - ﵇ - وهو يعرف الآن بمسجد نمرة، وهو قائم اليوم كالعلم في تلك الأرض، وفيه يخطب الإمام في الجزء الذي لا يدخل في عرفة (٣)
خطبتين خفيفتين، ثم يؤذن المؤذن، ثم يقيم لصلاة الظهر، ثم يقيم لصلاة العصر حيث يصليهما جمع تقديم كما
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في نفس الجزء والصفحة: "وفي هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها ولا خلاف في جوازه للنازل واختلفوا في جوازه للراكب فمذهبنا جوازه وبه قال كثيرون وكرهه مالك وأحمد".
(٢) قال الإمام محمد بن علي الشوكاني في نيل الأوطار ج ٥ - ص ٧٠: "الهاجرة منتصف النهار، وعند اشتداد الحر. والتوجه وقت الهاجرة في ذلك اليوم سنة لما يلزم من تعجيل الصلاة ذلك اليوم، وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث - أي حديث ابن عمر: حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله - ﷺ - مهجرًّا - في صحيحه فقال: باب التهجير في الرواح يوم عرفة أي من نمرة".
(٣) قال الإمام النووي: "واعلم أنه ليس من عرفات وادي عُرَنة ولا نمرة ولا المسجد الذي يصلي فيه الإمام المسمى مسجد إبراهيم - ﵇ - ويقال أيضًا مسجد عرنة، بل هذه المواضع خارج عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة ومنى ومكة". أقول: لقد زيد به بعد الشافعي ﵀ لذلك قال الإمام أبو محمد الجويني: مقدّم هذا المسجد في طرف وادي عرنة لا في عرفات. اُنظر الحاشية للإمام ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي ص ٣١٢.
[ ٣٠٤ ]
سيأتي من كلام جابر، ثم يتوجهون جميعًا إلى عرفات حيث الموقف العظيم وهو - كما تعلم - خارج حدود الحرم المكي على تخومه من أرض الحل لذلك لم تكن قريش تقف فيه وإنما تنتهي بها الإفاضة في مزدلفة عند مشعرها الحرام وهو جبل فيها يقال له قزح (١)! يُعلّل القرشيون ذلك بقولهم: "نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه (٢)! ويقولون أيضا: نحن قواطن البيت لا نجاوز الحرم (٣)! وكان يُدعى هؤلاء الحمس (٤) وعلى هذا فمحمد - ﷺ - منهم؛ لأنه من قريش (٥)،
لذلك لما سار - ﷺ - لم تكن قريش تشك في متابعتهاعلى عادتها؛ وأنه واقف معها عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في جاهليتها، لكنه - ﷺ - جدّ السير إلى أرض الموقف في عرفة مخالفًا ما عليه قومه من التمييز العنصري الذي يمقته الإسلام، ودعوى الخصائص المزعومة التي تقوم على خلفية الابتداع والمقاييس الاجتماعية المبتذلة، وتبتعد عن جوهر الاتباع وإخلاص العمل لله تعالى لذلك انتهى به - ﷺ - الوقوف إلى أرض عرفة من حيث أفاض الناس وليس من حيث أفاض قومه إلى جمع، استجابة منه للنداء العلوي الخالد الذي ينأى بهذه الفريضة عن الأغراض الدونية ويرتقي بها إلى قمة العلياء في الهدف والأداء وذلك هو قوله تعالى في محكم التنزيل ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
_________________
(١) وقيل: إن المشعر الحرام هو كل المزدلفة. اُنظر شرح النووي على صحيح مسلم ج ٨ ص ٣٣٨.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي برقم (٩٥٣٦).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي برقم (٩٥٣٤).
(٤) أورد البخاري في صحيحه حديثًا في هذا الموضوع في باب الوقوف بعرفة عن عروة بن الزبير قال: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمْسَ، والحُمْسُ قريش وما وَلَدَتْ، وكانت الحُمْسُ يحتسبون على الناس (أي يعطونهم حسبة دون مقابل) يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، فمن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عريانًا وكان يفيض جماعة الناس من عرفات ويفيض الحمس من جمع (أي مزدلفة) وأخبرني أبي عن عائشة ﵂: أن هذه الآية نزلت في الحمس ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قال: كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات. صحيح البخاري برقم (١٦٦٥).
(٥) روى البخاري في صحيحه برقم (١٥٨١) عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أضْلَلْتُ بعيرًا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي - ﷺ - واقفًا بعرفة فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه هاهنا" ..
[ ٣٠٥ ]
[البقرة: ١٩٩]، ولهذا قال جابر - ﵁ - "فأجاز رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة" (١).
إنها العودة بهذه الفريضة الشامخة إلى سكة الرسل والأنبياء وفي مقدمتهم خليل الرحمن باني البيت بأمر من ربه المتعال، مرورًا بكليم الله موسى - ﵇ -، وبروح الله وعبده الكريم عيسى بن مريم عليه منا أزكى تحية وتسليم.
إنه تصحيح للمسار الذي تدخلت فيه يومًا أهواء الجانحين ومطامع الشاذين الحالمين على حساب العقيدة والنهج الإلهي وحكمة رب العالمين.
وإنه الإصلاح دونما تنازل أو مراوغة في لوحة تنطق بحرص رسول الله - ﷺ - عن تقصد على مخالفة المشركين وإمساكه بعناية لدفة سفينة الركن الخامس في توجيه بوصلته من جديد إلى الأصول الصحيحة والجذور الراسخة وهي الخطوات التي توّجها رسولنا محمد ﵊ في خطبة الوداع حين ألقى تحت قدميه بقايا الجاهلية دون لبس أو تأويل (٢).
روى ابن ماجة في سننه عن يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفًا تُباعده من الموقف (٣)، فأتانا ابن مربع فقال: إني رسولُ رسولِ الله - ﷺ - إليكم يقول: "كونوا على مشاعركم فإنكم اليوم على إرثٍ من إرث إبراهيم" (٤).
_________________
(١) قال الإمام النووي: "أما أجاز فمعناه جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات. وأما قوله: حتى أتى عرفة فمجاز والمراد قارب عرفات؛ لأنه فسره بقوله: وجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها، وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جميعًا خلاف السنة". اُنظر النووي على صحيح مسلم ج ٨ ص ٣٣٨.
(٢) هذا ما سيأتي معك مفصلًا بإذن الله من كلام جابر.
(٣) أي واقفين في مكان تعده وتراه بعيدًا من موقف الإمام، وهو هنا النبي - ﷺ -، وأصل الكلام من باعد بمعنى بعّد، أي مكانًا تُقَدِّر بُعدَه.
(٤) سنن ابن ماجة برقم (٣٠١١).
[ ٣٠٦ ]
وفي صحيح مسلم بن الحجاج عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - مرّ بوادي الأزرق فقال: أيُّ وادٍ هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرق. قال: كأني اُنظر إلى موسى - ﵇ - هابطًا من الثنية هذه وله جؤار إلى الله بالتلبية (١).
ثم أتى على ثنية هَرْشى (٢) فقال: أيُّ ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هَرْشى. قال: كأني اُنظر إلى يونس بن متى - ﵇ - على ناقة حمراء جَعْدَةٍ عليه جُبّةٌ من صوفٍ، خِطام ناقته خُلبَهٌ وهو يلبي. قال: ابن حنبل في حديثه: قال هشيم: يعني ليْفا (٣) " (٤).
وروى مسلم في صحيحه عن حنظلة الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يحدث
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج ٢ ص ٣٧١: "قال القاضي عياض ﵀: أكثر الروايات في وصفهم تدل على أنه - ﷺ - رأى ذلك ليلة أسري به وقد وقع ذلك مبينًا في رواية أبي العالية عن ابن عباس وفي رواية ابن المسيب عن أبي هريرة وليس فيها ذكر التلبية. قال: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات وهم في الدار الآخرة وليست دار عمل؟ فاعلم أن للمشايخ وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة أحدها أنهم كالشهداء بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا كما ورد في الحديث الآخر وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل. الوجه الثاني: أن عمل الآخرة ذكر ودعاء قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠] الوجه الثالث: "أن تكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء أو في بعض ليلة الإسراء كما قال في رواية ابن عمر ﵄: بينا أنا نائم رأيتني أطوف الكعبة" وذكر الحديث في قصة عيسى ﵊. الوجه الرابع أنه - ﷺ - أُرِيَ أحوالهم التي كانت في حياتهم ومُثّلوا له في حال حياتهم كيف كانوا وكيف حجهم وتلبيتهم كما قال - ﷺ -: كأني اُنظر إلى موسى وكأني اُنظر إلى عيسى وكأني اُنظر إلى يونس عليهم برقم .. الوجه الخامس: أخبر عما أوحي إليه - ﷺ - من أمرهم وما كان منهم وإن لم يرهم رؤية عين هذا آخر كلام القاضي عياض ﵀ والله أعلم". ثم قال النووي: "وله جؤار وله رفع الصوت".
(٢) قال الإمام النووي في ثنية هَرْشى: وهو جبل على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة. اُنظر نفس المرجع والجزء والصفحة.
(٣) قال الإمام النووي: أما الجَعْدَةُ فهي مكتنزة اللحم كما تقدم قريبًا وأما الخِطام بكسر الخاء فهو الحبل الذي يقاد به البعير يجعل على خطمه وقد تقدم بيانه واضحًا في أول كتاب الإيمان. اُنظر نفس المرجع والجزء ص ٣٧٢ أما الخُلْبة فقد فسرها ابن حنبل في نص الحديث بالليف أي الخطام الذي تربط به الناقة وتشد هو الليف.
(٤) صحيح مسلم برقم (١٦٦/ ٢٦٨).
[ ٣٠٧ ]
عن النبي - ﷺ - قال: "والذي نفسي بيده لَيُهِلَنّ ابن مريم بفجّ الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو لَيَثْنينّهما" (١).
فالحج من خلال السيرة النبوية يحمل بصمة التاريخ الطاهر الذي يفوح منه عبق الصالحين والذي يرسم همزة الوصل بين حاضر أجيال هذه الأمة وماضي الرجال الأبرار من أسرة الرسل والأنبياءمن أمثال الخليل والكليم والعبد الكريم الكائن من نفخة الله القادر الحكيم.
والحج من خلال المشهد السابق بخطوطه وتقاطعاته هو صيحة في شباب الإسلام وحملة راية القرآن وأمل المستقبل تنادي فيهم مراكز الخشية من الله ومواضع الغيرة على دينه تهيب بهم أن لا يتنازلوا عن ثوابت الأمة التي لم تكن يومًا في منهج السماء وأصحاب المبادئ مجالًا للمساومة أو المقايضة تحت أي مبرر أو مسمى.
إنها تقدم لهم مثالًا ينبض بالحياة في ترجمة تجديد الخطاب الديني من أداءِ وسنة رسول الله - ﷺ - الذي أحيا بعد قرابة ألفي عام من بعثة أبيه إبراهيم سنة خليل الرحمن في الحج إلى بيت الله الحرام عقيدة وممارسة؛ لأنه موقن أنها سنة السماء بين الأحياء فلم يمسّ خطابًا ثابتًا ولم يؤوّل تأويلًا فاسدًا، ولم يقدّم رؤى شخصية على طريقة الرؤى الاستشراقية التي يؤتى بها جاهزة كوجبة (الهمبرغر) الجاهزة بقالب إسلاميٍّ، التكلفُ فيه والتصنع واضح المعالم! حاشا رسول الله - ﷺ - وهو الذي قال الله فيه وهو النبي القريب والشفيع الحبيب ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
_________________
(١) قال الإمام النووي قوله - ﷺ - ليثنينهما هو بفتح الياء في أوله معناه يقرن بينهما وهذا يكون بعد نزول عيسى عليه برقم من السماء في آخر الزمان وأما فجّ الروحاء فبفتح الفاء وتشديد الجيم. قال الحافظ أبو بكر الحارثي: هو بين مكة والمدينة قال: وكان طريق رسول الله - ﷺ - إلى بدر وإلى مكة عام الفتح وعام حجة الوداع. اُنظر "شرح النووي" على صحيح مسلم ج ٨ - ص ٣٨٠.
[ ٣٠٨ ]
الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].
إنها اللوحة التي تحشد في الدعاة روح الأمانة للشريعة والعقيدة وثقافةِ الفضيلة وليس الوصاية على النصوص والإجماع؛ لأنه حينئذ من قبيل التلاعب من أدعياء الدعاة باسم الدين وباسم التجديد الذي لم يدركوه وباسم الجديد الذي ظنوا أنهم لبسوه والحقيقة أنه شباك آخرق ألبسوه.
اُنظروا أيها المسلمون إلى نبيكم محمد - ﷺ - كيف لم يمالئ قومه وعشيرته الأقربين وهو منهم فإذا به يخالف موقفهم في مزدلفة ويجاوزهم إلى موقف الناس في عرفة؛ لأنه موقف الحق الذي نزل به الروح الأمين، ومارسه إبراهيم قبل مئات السنين.
لقد علمهم بهذا أن الاقتداء يأتي من وحي السماء التزامًا واتباعًا وليس لحسابات وأطماع وأرقام.
وكما لم يمالئ قبيلته وأبناء عمومته كذلك لم يمالئ أبناء قوميته من العرب فأفاض من عرفات بعد مغيب شمس اليوم التاسع وكان المشركون يفيضون من عرفة قبل مغيب الشمس، كما كانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس! ويقولون: "أشْرِقْ ثبير كيما نغير"! فخالفهم - ﷺ - وأفاض قبل طلوع الشمس (١). وأنت تذكر كيف غيّر رسولنا محمد - ﷺ - عادة الجاهليين في العمرة حيث كانوا يرونها في أشهر الحج من أفجر الفجور! .
_________________
(١) سنن ابن ماجة برقم (٣٠٢٢) واللفظ له، كما رواه البخاري برقم (١٦٨٤) وثبير مر ذكره وهو أعظم جبال مكة وبوسعك اليوم أن تراه بوضوح وأنت تتخذ طريق غزة قرب الحرم المكي من جهة المروة، متجهًا إلى المعابدة، فإذا ما وصلت إلى الإمارة التي يليها على اليسار فندق السماح، نظرت أمامك، وعن يسارك فشاهدت الجبل المذكور بجلاء و" كيما نغير" أي لنسرع العَدْوَ والمعنى لتطلع عليك الشمس يا ثبير كيما نسرع في العَدْوِ لأجل النحر في منى.
[ ٣٠٩ ]
كما لا أظنك تنسى ما فرضه - ﷺ - على أصحابه من وجوب السعي بين الصفا والمروة مخالفًا المشركين الذين كانوا يتنسكون لأصنامهم سعيًا بين صنمي إساف ونائلة على شاطئ البحر الأحمر ويضمون إلى ذلك شعيرتي الصفا والمروة!
ومن تمام ذلك في منهج رسول الله - ﷺ - في إظهاره لشعائر الإسلام ومبادئ التوحيد في المواضع التي كان يعلن فيها الكفر وشعاره بناؤه - ﷺ - لمسجد الطائف في الموضع الذي كان يقام فيه نصب اللات والعزى.
كما تجلى ذلك في وأده لعادة قريش من أعمال جاهليتها حين كانت تمنع في الإحرام من يَقْدُم عليها ممن ليس قرشيًا أن يطوف بالبيت إلّا بثياب أبناء قريش يقدمها له أحدهم أو يطوف حول البيت عريانًا! فصارحهم - ﷺ - بما لا يقع فيه النقاش والجدال: "أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان".
ثم إنه - ﷺ - لم يمالئ اليهود الذين يدّعون زورًا وبهتانًا جهارًا ليلًا نهارًا أن دين موسى مغاير لدين محمد - ﷺ - لذلك وجدناه يستقبل قبلة بيت المقدس تأليفًا لقلوبهم ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، فلما سخروا منه وهو الذي كان يقصد لفت انتباههم إلى حقيقة أعمتها عصبيتهم المقيتة! وهي أن الدين واحد وأن الدين عند الله له مضمون ثابت لم يتغير في رسالة سماوية صحيحة أيًّا كان اسم الرسول آدم أو نوح أو إبراهيم أو إسماعيل أو إسحاق أو موسى أو عيسى أو محمد أو غيرهم عليهم منا أعطر الصلوات والتسليمات، وأن الدين عند الله له مسمى واحد لا ثاني له هو الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فلما سخروا منه ويئس من إيمانهم توجه إلى الكعبة المشرفة وخالفهم.
لقد كررت هذا آيات الكتاب الحكيم بأساليب متنوعة، وترجمته السنة المطهرة بشتى الوسائل، وما ذاك إلّا لأن ما سبق يدخل في عداد البدهيات والمسلمات العقلية فإذا كان
[ ٣١٠ ]
المخبر واحدًا - وهو الصحيح - وهو الباري ﷿ فالخبر لا يجوز تعدده ولو تعدد المخبرون؛ لأن الأخبار هي من قبيل المعاني التي لا تحمل التناقض.
وكذا لْمَ يمالئ النصارى الذين يذهبون إلى أن عيسى - ﵇ - هو القسيم الثاني في آلهة ثلاثية الأركان! وأنه ابن الله: وأنه صلب فداء للبشرية فإذا به - ﷺ - يتقدم إليهم بأدب المحاور اللطيف الثابت على عقيدته وهو أحد أعضاء أسرة الرسالة السماوية بل أحد المتميزين فيها ولادة ومسيرة وفضلًا فهو واحد من أولي العزم من الرسل، تمامًا كنظيره موسى، ونظيره عيسى ﵉، لذلك تقدم إليهم بصريح العبارة التي لا يختلف فيها اثنان بأن عيسى صلوات الله عليه عبد الله ورسوله وأنه ما قتل وما صلب وأنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه وما قتلوه يقينًا، لا بل رفع إلى السماوات العلى بروحه الطاهرة وبجسده المبارك ونزل فيهم ضيفًا كريمًا على ربِّ العزة إلى أن يحين الأجل المضروب لنزوله نبيًا مباركًا وقائدًا موفقًا وقاضيًا ومفتيًا بشريعة القرآن التي ضمت بين دفتيها إنجيل عيسى وتوراة موسى وزبور داود وصحف إبراهيم، وأن المسلمين والمسيحيين وسائر الناس يومئذ أتباعه وجنوده وصحبه الكرام، وأنه يحج بيت الله الحرام ملبيًا ويملأ هذه الدنيا بركة وعدلًا بعد أن ملأت ظلمًا وجورًا، وأنه يموت كما يموت الخلق وكما مات من قبل موسى ومحمد وسائر الأنبياء والرسل عليهم جميعًا أزكى صلاة وسلام، وأنه يدفن كما يدفن سائر الخلق، على أنّ هناك من يقول إنه يدفن إلى جوار محمد - ﷺ - وصاحبيه أبي بكر الصديق والفاروق عمر بن الخطاب في المدينة المنورة.
هذا هو المنهج النبوي في تناول القضايا والثوابت الإسلامية تبرزه لنا هذه الفريضة وهي تسجل في رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ذكريات من امتزجت قلوبهم بنبض العبودية لخالقهم فرسمت مسيرة تلبيتهم إلى بيت الله الحرام وحدة الرسل
[ ٣١١ ]
والرسالة والمضمون والمقصد حتى أثمرت وحدة الخير للإنسانية قاطبة إذ لم يكن أنبياء الله ورسله يومًا عامل هدم وتخريب بل عامل ردم وبناء وتلاق لجميع أبناء البشرية دون استثناء.
* * *
[ ٣١٢ ]