إذا كان يوم الجمعة قد خص بكل هذه الخصائص، فلله در من تنبه إلى عظيم الفضل، فسعى لينال الأجر، ولم يغلبه الكسل والغفلة فسارع إلى التوبة.
١ـ وينبغي لمن أم المسجد ليصلى الجمعة أن يتطهر، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ١، وأن يكون على أحسن حال وأبهى صورة من النظافة والتزين والتطيب، وأن يلبس من ثيابه أحسنها، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٢، ثم يخرج وعليه السكنية والوقار، ولا يشبكن بين أصابعه لقوله ﷺ: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة " ٣.
ولما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ويلبس من أحسن ثيابه، ثم يخرج وعليه السكنية، حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية [٢٢٢] . ٢ سورة لأعراف: الآية [٣١] . ٣ رواه أبو داود ١/٣٨٠ ح٥٦٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١١٢ ح٥٢٦.
[ ٢٣٨ ]
يصلى، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى" ١.
وينبغي أن يسعى الإنسان إلى الصلاة للأمر به، وقد اختلف العلماء في معنى السعي في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢ على ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد به النية، أي سعي القلوب، وهي أول السعي ومقصوده الأكبر.
والثاني: أنه العمل، أي فاعملوا ما تستعدون به للمضي إلى ذكر الله من اغتسال وتمشط وادهان وتطيب وتزين باللباس.
والثالث: أن المراد به السعي على الأقدام، وهو الأفضل، لكنه ليس بشرط، قال ابن العربي: "وظاهر الآية وجوب الجميع، لكن أدلة الاستحباب ظهرت على أدلة الوجوب"٣.
٢ـ ويجب أن يتجنب الإنسان الروائح الخبيثة قبل ذهابه إلى المسجد، لما روى عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" ٤ ومن المشابه للثوم والبصل الكراث والفجل، ونحو ذلك مما له رائحة كريهة تؤذي الملائكة والمصلين، ويدخل في ذلك دخولا أولياء ما حرمه الله من الخبائث كالدخان وغيره.
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٥/٤٢٠، ٤٢١ من حديث أبي أيوب الأنصاري، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/١٧١: رواه كله أحمد والطبراني في الكبير، ورجال ثقات. ٢ سورة الجمعة: الآية [٩] . ٣ أحكام القرآن: ابن العربي ٤/١٧٩٢، ١٧٩٣ (بتصرف يسير) . ٤ رواه مسلم ١/٣٩٤ ح٥٦٤.
[ ٢٣٩ ]
٣ـ ويشرع له تنظيف الفم، وتخليل الأسنان حتى تكون رائحة فمه طيبة ولما روي عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "تسوكوا، فإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي" ١.
وينبغي أن يقول ما ورد من الدعاء، عند الخروج من بيته، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت" فتتنحى له الشياطين فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفى ووقي؟ " ٢.
وعن أم سلمة قالت: "ما خرج النبي صلى الله علية وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو اجهل أو يجهل علي" ٣.
فإذا بلغ المسجد قدم اليمنى ودعاء بالمأثور، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" قال: قط؟
_________________
(١) ١ رواه ابن ماجه١/١٠٦ ح٢٨٩، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه ص ٢٣ ح٥٨. ٢ رواه أبو داود ٥/٣٢٨ ح٥٠٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٥٩ ح٤٢٤٩. ٣ رواه أبو داود ٥/٣٢٧ ح٥٠٩٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٥٩ ح٤٢٤٨.
[ ٢٤٠ ]
قلت: نعم قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم"١.
وإذا أراد الخروج قدم اليسرى قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" ٢ فإذا دخل لا يتخطى رقاب الناس ولا يضيق على أحد في الصف أو ينازعه مكانه فإذا بلغ موضع جلوسه ألقى السلام على قريب منه ولا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" ٣.
ويجلس في الصف الأول بلا مزاحمة فإن لم يجد فالذي يليه، وميامن الصفوف أفضل عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" ٤ فإذا جلس كره تشبيك أصابعه لأنه في صلاة وفرقعتها، ولا يتنخم، ولا يبصق، وينبغي أن ينشغل بذكر الله.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود ١/٣١٨ ح٤٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٩٣ ح٤٤١. ٢ روا أبو مسلم ١/٤٩٤ ح٧١٣. ٣ روا أبو مسلم ١/٤٩٥ ح٧١٤. ٤ رواه أبو داود ١/٤٣٧ ح٦٧٦، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٣٢ ح٦٢٨: حسن بلفظ "على الذين يصلون الصفوف".
[ ٢٤١ ]