جمع الصلاة في المسافر:
تعريف الجمع وبيان حكمه:
والجمع: هو ضم إحدى الصلاتين للأخرى، ويكون الجمع بين الظهر والعصر، كما يكون بين المغرب والعشاء، ولا يكون في غيرهما، وهو سنة إذا وجد سببه لوجهين:
الأول: أنه رخصة، والله ﷿ يحب أن تؤتى رخصه.
الثاني: أن فيه اقتداء بالرسول ﷺ، حيث كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع، ويدخل هذا في عموم قوله ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي.." ١.
وقت الجمع وصفته:
إذا جاز الجمع لوجود السبب المبيح له، صار الوقتان وقتا واحدا، فأنت مخير بالجمع في وقت الأولى، أو في الوقت الذي بينهما، لما روى عن معاذ بن جبل ﵁: " أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل
_________________
(١) رواه البخاري ١/١٥٥ كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة..
[ ١٩٨ ]
العشاء، ثم نزل فجمع بينهما"١.
الأسباب المبيحة للجمع:
١- يجوز الجمع للمسافر سفرا تقصر فيه الصلاة، قال النووي: وفي السفر الذي لا يقصر فيه الصلاة قولان: أحدهما: يجوز لأنه سفر يجوز فيه التنقل على الراحلة، فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل، والثاني: لا يجوز، وهو الصحيح لأنه إخراج عبادة عن وقتها، فلم يجز في السفر القصير كالفطر في الصوم٢ والسفر الذي يجوز للمسافر أن يجمع فيه هو السفر المباح، ولا يجوز في غيره.
واختلف أهل العلم حول جواز الجمع للمسافر نازلًا أو سائرًا على قولين:
الأول: لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا لحديث ابن عمر ﵄ قال: " إن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء "٣ يعني إذا كان سائرًا، ولأن النبي ﷺ لم يجمع بين الصلاتين في حجة الوداع لأنه كان نازلًا، ولا شك أنه في سفر لأنه يقصر الصلاة.
واحتج عليهم بأن النبي ﷺ جمع بين الظهرين في عرفة وهو نازل، وأجابوا بأن النبي ﷺ فعل ذلك ليدرك الناس صلاة الجماعة، لأنهم بعد الصلاة سوف يتفرقون في موقفهم في عرفة ويشق
_________________
(١) ١رواه أبو داود ٢/١٢ح١٢٠٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٢٣، ٢٢٤ح١٦٠٧ ٢ المجموع: النووي ٤/٣٧٠. ٣ رواه مسلم ١/٤٨٨ح ٧٠٣
[ ١٩٩ ]
جمعهم.
ونظير ذلك أن الناس يجمعون بين المغرب والعشاء في المطر من أجل تحصيل الجماعة، وإلا فبإمكانهم أن يصلوا الصلاة بوقتها في بيوتهم لأنهم معذورون بالوحل.
الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر سواء أكان نازلًا أم سائرًا، واستدلوا بأن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك وهو نازل، وبأن المسافر في الغالب يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها، إما للمشقة والعناء، وإما لقلة الماء، وإما لغير ذلك، وبأنه إذا جاز الجمع للمطر ونحوه فجوازه في السفر من باب أولى، ولعموم حديث ابن عباس ﵄ قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر"١.
والصحيح أن الجمع للمسافر مستحب في حق السائر، وجائز في حق النازل، إن جمع فلا بأس، وإن ترك فهو أفضل.
ولا تشترط النية للجمع، قال النووي: وقال المزني وبعض الأصحاب لا تشترط، لأن النبي ﷺ جمع، ولم ينقل أنه نوى الجمع ولا أمر إلى بنيته، وكان يجمع معه من تخفي عليه هذه النية، فلو وجبت لبينها٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازع العلماء في الجمع والقصر: هل يفتقر إلى نية؟ فقال جمهورهم: لا يفتقر إلى نية، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب أحمد وقال
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٤٩٠،٤٩١ح٧٠٥ ٢ المجموع: النووي ٤/٣٧٤.
[ ٢٠٠ ]
الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد: إنه يفتقر إلى نية، وقول الجمهور هو الذي تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
فالنية ليست شرطا عند إحرام الأولى، وإنما يشترط وجود سبب الجمع عند الجمع، لذا للمصلي أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الأولى، أو عند إحرامه في الثانية عند وجود السبب.
إذا حدث فصل بين الصلاتين يمنع الموالاة:
قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز:
الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عرفًا، لما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك ، أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع، لأن الثانية تفعل في وقتها، ولكن الأفضل هو المولاة بينهما تأسيا بالنبي ﷺ في ذلك " ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في الوقت الأولى، ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة ٣ لأن معنى الجمع عنده: هو ضم وقت الثانية للأولى، بحيث يكون الوقتان وقتا واحدا. وليس ضم الفعل.
٢- ويجوز الجمع في الحضر للمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة وضعف، ويشمل ذلك المريض بأي مرض يجد من الأفراد في الصلاة مشقة، لعموم قول الله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا
_________________
(١) ١مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٤/٢٨. ٢فتاوى مهمة تتعلق بالصلاة من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ص٩٣، ٩٤. ٣مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٤ / ٥٤
[ ٢٠١ ]
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر"٣، وقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. فدل ذلك على انتفاء الخوف والمطر، وعلى انتفاء السفر أيضا لكونه في المدينة، ومن هنا نأخذ أنه متى لحق المكلف حرج في ترك الجمع جاز له أن يجمع، فيجمع المريض متى لحقه بالإفراد مشقة، سواء أكان صداعا في الرأس أم وجعا في الظهر أم في البطن أم في الجلد أم غير ذلك.
قال ابن قدامة: وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر، فلم يبق إلا المرض، ولأن النبي ﷺ أمر سلهة بنت سهيل وحمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين لأجل الإستحاضة، وهو نوع مرض، ثم هو مخير بين التقديم والتأخير، أي ذلك كان أسهل عليه فعله، لأن النبي ﷺ كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله طلبا للأسهل، فكذلك المريض، وإن كان الجمع عنده واحدا فالأفضل التأخير٤.
٣- ويجوز الجمع لمطر يبل الثياب لوجود المشقة من بلل أو برد، وتزداد المشقة مع هذا بوجود ريح شديدة مع هذا بوجود ريح شديدة. ويجوز الجمع لوحل يشق على
_________________
(١) ١سورة البقرة، الآية (١٨٥) . ٢سورة الحج، الآية (٧٨) ٣رواه مسلم ١/٤٩٠، ٤٩١ح ٧٠٥. ٤سورة البقرة، الآية (١٨٥) .
[ ٢٠٢ ]
الناس أن يمشوا عليه، ويجوز الجمع للريح إذا كانت شديدة باردة أو كانت شديدة تحمل ترابًا يتأثر به الإنسان ويشق عليه.
روى البيهقي عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ جمع ين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة"١
وكون النبي ﷺ جمع في ليلة مطيرة لا يمنع أن يجمع في يوم مطير، لأن العلة هي المشقة، لذا يجوز الجمع بين الظهرين لهذه الأعذار، كما يجوز الجمع بين العشاءين لوجود المشقة.
ولا تنحصر أسباب الجمع فيما ذكرنا من أسباب، ولكن٢ إذا دعت الحاجة وشق على الإنسان أن يصلي كل صلاة في وقتها فلا حرج عليه أن يجمع حينئذ.
ومثال ذلك:
المستحاضة بين الظهرين، وبين العشاءين يجوز لها الجمع لمشقة التوضؤ عليها كل صلاة، وكذا مرافق المريض الذي لا يستطيع أن يغيب عن مراقبته ومتابعته قليلًا من الوقت خشية هلاك المريض أو تأخر برئه.. فإنه يجمع ولا حرج عليه، والمرضع والشيخ الضعيف وأشباههما ممن يشق عليه ترك الجمع.
ولا يجوز الجمع لغير عذر شرعي، لأن كل صلاة لها وقتها الذي لا تصح ولا تقبل إلا بدخوله، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ
_________________
(١) ١رواه البيهقي موقوفا على ابن عمر ٣/١٦٨كتاب الصلاة، باب الجمع في المطر ين الصلاتين، وضعفه الألباني في الإرواء ٣/٣٩ح ٥٨١، وقال: ضعيف جدا وسنده واه جدا. ٢فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٠٣)
[ ٢٠٣ ]
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ١.، وتقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها المشروع أداؤها فيه دون عذر، ظلم للنفس، وتعد لحدود الله ﷾: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ٣، وهكذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض.٤.
قال عمر بن الخطاب ﵁: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر٥.
_________________
(١) ١سورة النساء، الآية (١٠٣) ٢سورة البقرة، الآية (٢٢٩) ٣سورة الطلاق الآية (١) ٤مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٢/٣٠. ٥المصدر السابق ٢٢/٣١
[ ٢٠٤ ]