صلاة الجمعة:
وسميت بذلك لجمعها الخلق الكثير، أو من أجتماع الناس لها، أو لأن آدم خلقه الله فيها أو لما جمع فيها من الخير.. وهي من أوكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين١.
حكم صلاة الجمعة:
وهي واجبة وفرضها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، يصليها المسلمون ركعتين جماعة، وهي فرض عين، والظهر عوض عنها إن فاتت لعذر.
من القرآن: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب، ولايجب السعي إلى واجب،
ونهي عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة، لما نهى عن البيع من أجلها٣.
ومن السنة: عن حفصة زوج النبي ﷺ، أن النبي ﷺ قال: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" ٤، وعن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما
_________________
(١) ١ الإحكام شرح أصول الأحكام: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ١/٤٣٢، ٤٣٣. ٢ سورة الجمعة، الآية (٩) . ٣ المغني: ابن قدامة ٢/٢٩٥. ٤ رواه النسائي، ٣/٨٩ كتاب الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ١/٢٩٧ ح ١٢٩٩.
[ ٢٣٠ ]
سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" ١، وعن أبي الجعد الضمري أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه" ٢.
والإجماع: حكى ابن المنذر العربي الإجماع على أنها فرض عين٣.
على من تجب الجمعة؟ ولا تجب إلا على من اجتمعت فيه شرائط ثمانية: الإسلام، والبلوغ، والعقل، لأنها
من شرائط التكاليف بالفروع، والذكورية، والحرية، والاستيطان، لما روى طارق بن شهاب قال: إن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة، عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض " ٤ ولأن المرأة ليست من أهل الجماعات، وكان النبي ﷺ بعرفة يوم جمعة، فلم يصل جمعة ، ولأن العبد مملوك المنفعة محبوس على سيده، أشبه المحبوس بدين،
السابع: انتفاء الأعذار المسقطة للجماعة، الثامن: أن يكون مقيما بمكان الجمعة، الثامن: أن يكون مقيما بمكان الجمعة أو قريب منه٥.
فلا تصح الجمعة من الكافر ولا المجنون، ولو أدياها لم تنعقد بهما، لكونهما ليسا من أهل العبادات، وتجب وتنعقد بالبالغ الذكر الحر
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٥٩١ ح ٨٦٥. ٢ رواه أبو داود١/ ٦٣٨ح ١٠٥٢، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٩٦ ح٩٢٨: حسن صحيح. ٣ الإحكام شرح أصول الأحكام: عبدا لرحمن بن محمد بن قاسم ص/ ٤٣٣. ٤ رواه أبو داود ١/٦٤٤ ح ١٠٦٧، وصححه الإلباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٩٩ ح٩٤٢. ٥ الكافي: ابن قدامة ١/٢١٣.
[ ٢٣١ ]
المستوطن، ولا يؤم من أخل بشرط منها لسقوط الوجوب عنه، وكذا لا تنعقد بمن أخل بشرط منها، لأن سقوطها رخصه في حقهم كالصبي والمرأة والعبد والأمة والمسافر، فإن أدوها أجزتهم.
وإنما تجب عند انتفا الأعذار، فلو تكلف المريض الحضور وجبت عليه وانعقدت به، لأن الرخصة لرفع المشقة ‘ وبحضوره زالت المشقة وارتفعت الرخصة.
والاستيطان شرط للانعقاد، فأهل البادية الذين يطلبون المرعى تصح منهم ولا تنعقد بهم.
قال السيوطي: الناس في الجمعة أقسام:
الأول: من تلزمه وتنعقد به، وهو كل ذكر صحيح، مقيم مستوطن مسلم بالغ عاقل حر، لاعذر له.
الثاني: من لا تلزمه ولا تنعقد به، ولكن تصح منه، وهم: العبد والمرأة والخنثى والصبي والمسافر.
الثالث: من تلزمه ولا تنعقد به، وذلك اثنان: من داره خارج البلد، وسمع النداء، ومن زادت إقامته على أربعة أيام وهو على نية السفر.
الرابع: من لاتلزمه وتنعقدبه: وهو المعذور بالأعذار السابقة١.
حكمة مشروعية صلاة الجمعة:
شرع اجتماع المسلمين فيه لتنبيههم على عظم نعمة الله عليهم،
_________________
(١) ١ الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٤٢.
[ ٢٣٢ ]
وشرعت فيه الخطبة لتذكيرهم بتلك النعمة، وحثهم على شكرها، وشرعت فيه صلاة الجمعة في وسط النهار؛ ليتم الاجتماع في مسجد واحد١.
وفي هذا الاجتماع الأسبوعي تعليم وتوجيه وموعظة وتذكير، وتجديد للبيعة، وإحياء لعاطفة الأخوة، وتركيز للوحدة، وإظهار للقوة٢.
وفي يوم الجمعة خلق الله آدم، عن عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق ادم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" ٣.
والإنسان ما خلق إلا للعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٤، فناسب أن يتفرغ الإنسان فيه من هموم الدنيا وشواغلها، ويشتغل بالعبادة والشكر للخالق، وليكون وقفة مع النفس يتذكر فيها المبدأ والمعاد.
_________________
(١) ١ الملخص الفقهي: صالح بن فوزان ١/١٧٠ ٢ العبادة في الإسلام: يوسف القرضاوي ص٢٢٣ ٣ رواه مسلم ١/٥٨٥ ح٨٥٤. ٤ سورة الذاريات، الآية (٥٦)
[ ٢٣٣ ]