المرض ابتلاء من الله وامتحان، به تنكشف حقيقة العبودية للواحد الديان، لذا يجب على المريض أن يرضى بقضاء الله، وأن يعبد ربه بالصبر فيما قدر له من ضر، وعليه أن يحسن الظن بالله وأن يتذكر نعم الله السابقة والحاضرة، وأن يطهر قلبه بالإيمان.
ولا حرج على المريض في التداوي بمباح، ولا يجوز بمحرم، لما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أنزل الله داء إلا انزل له شفاء" ١، وقال ﷺ: "إن الله خلق الداء والدواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام" ٢.
ولا يجوز التداوي بما يفسد العقيدة، بالذهاب إلى السحرة والمشعوذين والكهان والمنجمين، أو بالذبح لغير الله، أو بتعليق التمائم
وينبغي أن يدرك المريض أن المرض لا يدني من الموت، كما أن الصحة لا تباعد منه، ومرد ذلك كله إلى الأجل الذي قدره الله للإنسان، فما هي إلا أنفاس معدودة في أماكن محددة، فإذا انقضت الأنفاس حل الموت بالإنسان صحيحًا كان أو مريضًا.
ولكن إذا كانت التوبة إلى الله واجبة على الإنسان في كل حال، ففي حالة المرض أوجب.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٧/١٢ كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. ٢ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٨٦، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٢٨٥ ]
فإذا اشتد المرض، لا يجوز للمريض أن يتمنى الموت، ولا يدعو لذلك، لقول النبي ﷺ: "لا يتمنى أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله زاد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب" ١، أي يسترضي الله بالإقلاع الاستغفار٢.
وروى مسلم في صحيحه: "لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا" ٣.
وينبغي أن يكون المريض بين الخوف والرجاء، لما روي عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت، فقال: "كيف تجدك؟ " قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسم: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف" ٤.
ويجب عليه أن يرد الحقوق والودائع إلى أهلها، وأن يسترد حقوقه، فإن لم يتيسر له ذلك، أوصى بوفاء ما عليه من حقوق للعباد كالديون ونحوه، ألله كالكفارات والزكاة ونحوهما، وينبغي أن يبادر المسلم بالوصية، وألا يؤخرها إلى حضور أمارات الموت، لقول النبي ﷺ: "ماحق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٨/١٣٠ كتاب التمني، باب ما يكره من التمني. ٢ فتح الباري: ابن حجر ١٣/٢٢٢. ٣ رواه مسلم ٣/٢٠٦٥ ح٢٦٨٢. ٤ رواه الترمذي ٣/٣١١ ح٩٨٣، وقال: حسن غريب، وقد روى هذا الحديث بعضهم عن ثابت عن الرسول مرسلا.
[ ٢٨٦ ]
عنده" ١.
فإذا أوصى بمال جاز له الثلث في غير محرم، لا ما زاد عليه، والثلث كثير، ولا تجوز الوصية لوارث، ولا يجوز الإضرار في الوصية، كأن يحرم بعض الورثة، أو يفضل أحدهم على الآخر.
ويجب أن يوصي المسلم بأن يجهز ويدفن على السنة، وأن يجتنبوا البدع في ذلك، وأن يتولى هذا الأمر أهل الخير والصلاح.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٣/١٨٦ كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي ﷺ وصيته الرجل مكتوبة عنده.
[ ٢٨٧ ]
ما يسن عند الاحتضار:
ويسن تلقين المحتضر قول (لا إله إلا الله)، لما روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" ١، وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٢، فإذا تكلم بكلام بعدها، أعيد تلقينه، ليكون آخر كلامه في الدنيا كلمة التوحيد.
ويسن توجيه المحتضر إلى القبلة، بأن يوضع على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، ورأسه مرفوعًا قليلًا مواجهًا القبلة، لما رواه البيهقي في سنته، أن النبي ﷺ حين قدم المدينة، سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: "توفي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله صلى الله عيه وسلم: "أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده.." ٣.
علامات الموت:
فإذا بدت علامات الموت، يستحب أن يكون حوله أهل التقى والصلاح، من أهله وأصحابه، ويكثرون الدعاء له وللحاضرين، ويعرف موته بما يلي:
١-بانخساف صدغيه.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٦٣١ ح٩١٧. ٢ رواه البخاري ٢/٧٠ كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه. ٣ انظر حاشية الروض المربع ابن قاسم العاصمي ٣/٢٤، ٢٥.
[ ٢٨٨ ]
٢-غيبوبة سواد عينيه في البالغين.
٣-ميل الأنف.
٤-انفصال كفيه، بأن تسترخي عصبة اليد فتبقى كأنها منفصلة في جلدتها عن عظم الزند.
٥-استرخاء رجليه، أي لينها واسترسالها بعد خروج الروح لصلابتها قبله.
٦-امتداد جلدة وجهه، وجلدة خصيته، لا نشمارهما بالموت.
٧-وأوضح علامات موته، تغير رائحته.
[ ٢٨٩ ]