- يجوز للنساء الصلاة على الجنازة جماعة، ولا بأس إن صلين فرادى، لأن عائشة ﵂ صلت على سعد بن أبي وقاص. وأولى الناس بالصلاة على الميت من أوصي له بذلك، لإجماع الصحابة على الوصية بها، لأنها حق للميت، ثم الأب وإن علا، ثم الابن وإن نزل، ثم أقرب العصبة، ثم الرجال من ذوي أرحامه، ثم الأجانب، وفي تقديم الزوج على العصبة روايتان، فإن استووا فأولاهم بالإمامة في المكتوبات، والحر أولى من العبد القريب، لعدم لولايته، فإن استووا وتشاحنوا أقرع بينهم١.
-إذا اجتمعت أكثر من جنازة فيجوز الصلاة عليها جميعًا صلاة واحدة، ويجعل أفضلهم مما يلي الإمام، ويضعون بحيث تتساوى رؤوسهم. فإن اجتمع رجال ونساء وصبيان، قدم الرجال ثم الصبيان ثم النساء، ويكون وسط المرأة محاذيًا رأس الرجل.
- ويستحب أن يصف في صلاة الجنازة جمع كثير من المسلمين، لما روي عن عائشة ﵄، عن النبي ﷺ قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه" ٢.
وعن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من
_________________
(١) ١ الكافي ابن قدامة ١/٢٥٩، ٢٦٠ (بتصرف) . ٢ رواه مسلم ١/٦٥٤ ح٩٤٧.
[ ٣٠٣ ]
رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه" ١.
- ويستحب تسوية الصف في الصلاة على الجنازة، نص عليه أحمد ، وروي عن أبي المليح أنه صلى على جنازة فالتفت، فقال: استووا لتحسن شفاعتكم.٢
- فإن كبر الإمام على جنازة فجيء بأخرى، كبر الثانية عليهما، ثم إن جيء بثالثة كبر الثالثة عليهم، ثم إن جيء برابعة كبر الرابعة عليهم، ثم يتمم بسبع تكبيرات ليحصل للرابعة أربع تكبيرات، فإن جيء بأخرى لم يكبر عليها لئلا يفضي إلى زيادة التكبير على سبع، أو نقصان الخامسة من أربع، وكلاهما غير جائز، وإن أراد أهل الأولى رفعها قبل سلام الإمام لم يجز، لأن السلام ركن لم يأت به، ويقرأ في التكبيرة الرابعة الفاتحة، وفي الخامسة يصلي على النبي ﷺ، ويدعو لهم في السادسة لتكمل الأركان لجميع الجنائز٣.
- ويدخل المسبوق مع الإمام، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته على صفته، لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة: "صل ما أدركت واقض ما سبقك" ٤، فإن خشي رفع الجنازة قبل انتهائه، تابع التكبير من غير فصل، ثم سلم.
قال في المغني: وإن سلم ولم يقض فلا بأس، لأن ابن عمر رضي الله
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٦٥٥ ح ٩٤٨. ٢ المغني: ابن قدامة ٢ / ٤٩٣. ٣ الكافي: ابن قدامة ١/٢٦٣. ٤ رواه مسلم ١/٤٢١ ح ٦٠٢.
[ ٣٠٤ ]
عنه قال: لا يقضي، ولأنها تكبيرات متوالية حال القيام.
- ومن فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت، فله أن يصلي على إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم١.
وذكر ابن القيم أن النبي ﷺ صلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتًا٢.
والصحيح أن الصلاة على القبر سنة، وليس لها حد في الوقت، بشرط أن يكون الميت قد مات في حياة المصلي.
- وذكر ابن القيم ﵀ أنه لم يكن من هدي النبي ﷺ الصلاة على كل ميت غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب، فلم يصل عليهم. وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت، فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق:
١- أن هذا تشريع وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد.
٢- وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره.
٣- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه، صلى عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، لأنه مات بين الكفار، ولم يصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات، لم يصل عليه صلاة الغائب، لأن الفرض قد سقط
_________________
(١) ١ المغني: ابن قدامة ٢/٥١١ ٢ زاد المعاد: ابن القيم الجوزية ١/٥١٢.
[ ٣٠٥ ]
بصلاة المسلمين عليه، والنبي ﷺ صلى على الغائب، وتركه، وفعله وتركه سنة، وهذا له موضع، وهذا له موضع، والله أعلم. والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحها هذا التفصيل١.
- ويجوز الصلاة على الطفل، لما روي عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطفل يصلى عليه" ٢.
قال ابن القيم: قال أحمد بن أبي عبدة: سألت أحمد: متى يجب أن يصلى على السقط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه ينفخ فيه الروح٣.
وعن المغيرة ابن شعبة مرفوعًا قال: "و.. السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"٤ ولا يستغفر للطفل الصغير لأنه لم يجر عليه قلم ولأنه شافع غير مشفوع فيه.
- وتحرم الصلاة على المرتد والمنافق والكافر الأصلي، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون﴾ ٥.
- ولا يصلى على شهيد المعركة، لما روي عن النبي ﷺ في قتلى أحد أنه
_________________
(١) ١ زاد المعاد: ابن القيم الجوزية ١/٥٢٠، ٥٢١. ٢ رواه ابن ماجه ١/٤٨٣ ح ١٥٠٧، وصححه الألباني في صحيح سند ابن ماجه ١/٢٥٢ ح ١٢٢٤. ٣ زاد المعاد: ابن القيم الجوزية ١/٥١٣ ٤ رواه أبو داود ٣/٥٢٢،٥٢٢،٥٢٣ ح ٣١٨٠،وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٢/٦١٢ ح ٢٧٢٣. ٥ سورة التوبة، الآية (٨٤) .
[ ٣٠٦ ]
" أمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم"١.
- وتجوز الصلاة على من قتل في حد. قال الشوكاني: ومن المرجحات أيضًا الإجماع على الصلاة على المرجوم٢، وقد ترك النبي ﷺ الصلاة على الغال، وأمر بها أصحابه، فقال: "صلوا على صاحبكم" ٣ فلعله للزجر على الغلول٤.
ولم يصل النبي صلى الله عليه ولم على قاتل نفسه، لما روي عن جابر بن سمرة قال: "أتى النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص٥ فلم يصل عليه" ٦.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٢/٩٤ كتاب الجنائز، باب من يقدم في اللحد. ٢ نيل الأوطار: الشوكاني ٤/٥٥. ٣ رواه أبو داود ٣/١٥٥ ح ٢٧١٠، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ٢٦٤ ح ٥٧٩. ٤: نيل الأوطار: الشوكاني ٤/٥٣. ٥ المشاقص: جمع مشقص، نصله عريض أو سهم فيه ذلك". ٦ رواه مسلم ١/٦٧٢ ح ٩٧٨.
[ ٣٠٧ ]