فائدة قد تقدم أن ركعة المسبوق لا تختص بالأولى بل قد تكون ثانية أو ثالثة أو رابعة ولا يتصور أن يكون مسبوقا بركعتين متواليتين إلا في مسألة الزحام في الجمعة أو غيرها وصورتها إدراك الإمام راكعا في الركعة الأولى أو أدرك معه زمنا يسع بعض الفاتحة ثم ركع معه واعتدل ثم زحم عن السجود فلم يفرغ منه حتى ركع الإمام في الثانية فإنه يركع وتسقط القراءة وكذلك لو أدرك معه بعض الفاتحة ثم ركع فإنه يقطع ويركع معه ولو حصل الزحام في صلاة الظهر فزحم عن السجود في الأربع ركعات ترك الفاتحة في الجميع وصحت صلاته وإن يكن أي المسبوق بما يسن من نحو الافتتاح والتعوذ شارعا أي آتيا أو سكت بعد تحرمه زمنا قبل أن يقرأ مع علمه بأن الفاتحة واجبة عليه واستمع قراءة إمامه والحال أنه ظن إدراك الإمام أي أن يدرك [ق٢٠٢/ أ] إمامه راكعا قرأ بإبدال الهمزة ألفا وجوبا من الفاتحة بقدر ما أتى به من السنة لتقصيره (١) بعد، وله من فرض إلى غيره قال بعضهم أي أتى بقدر ما ذكر يقينا ويعلمه بالزمن الذي يسع ذلك بخلاف من جهل الفاتحة يقف بقدرها في ظنه إذ لا يعلم ما يسعها انتهى (٢).
وقال م ر هنا أيضا في ظنه قال: وينبغي أن يكون المراد أنه يجب أن يقرأ قدر ما يسع الزمن الذي فوقه في نحو الافتتاح بالقراءة المعتدلة، ولا يجب أن يقرأ بعدد حروف ما قرأ في ذلك الزمن من نحو الافتتاح ولعل المتجه أن يقال الواجب أن يقرأ بقدر حروف ما كان يقرؤه في ذلك الزمن بقراءة نفسه؛ لأن هذا واجبه انتهى (٣) أو بقدر زمن سكوته قال م ر: وقضية التعليل يعني تقصيره بعد وله من فرض إلى غيره (٤) أنه إذا ظن إدراكه في ركوعه فأتى بالافتتاح والتعوذ فركع أمامه على خلاف عادته أن اقتصر على الفاتحة وأعرض عن السنة التي قبلها والتي بعدها أنه يركع معه وإن لم يكن قرأ من الفاتحة شيئا ومقتضى إطلاق الشيخين (٥) وغيرهما عدم الفرق يعني بين [ق٢٠٢/ب] ظن إدراك الفاتحة وعدم إدراكها، هو المعتمد كما قاله الشيخ؛ لبقاء محل القراءة لا نسلم أن تذكيره بما ذكر منتف في ذلك إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه انتهى (٦).
قال ع ش: وعليه فإن أدرك مع الإمام زمنا يسع الفاتحة فهو كبطيء القراءة وإلا فيقرأ بقدر ما فوته اهـ (٧).
أما إذا جهل الفاتحة (٨) واجبة عليه فهو بتخلفه لما لزمه متخلف بعذر قاله القاضي (٩) وأقره م ر (١٠).
_________________
(١) الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (١/ ٤٣٧).
(٢) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٧٧).
(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٧٨) ونسبه لابن القاسم.
(٤) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٢٢٨).
(٥) المقصود بهما هنا: الاسفراينى والجوينيُّ.
(٦) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٥٠٨).
(٧) تحفة المحتاج (٢/ ٣٤٩).
(٨) «في الحاشية: كذا بأصله.
(٩) «هو القاضي حسين بن محمد بن أحمد العلامة شيخ الشافعية بخراسان أبو علي المروذي، ويقال له أيضا المروروذي الشافعي، كان من أوعية العلم، وهو من أصحاب الوجوه في المذهب، وله: التعليقة الكبرى والفتاوى وغير ذلك. توفي بمرو الروذ في المحرم سنة اثنتين وستين وأربع مئة. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٦٠)، طبقات الشافعية (١/ ٢٣٤)، الأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٤).
(١٠) تحفة المحتاج (٢/ ٣٥٠)، حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٧٧).
[ ٣٣ ]
وإذا قرأ عليه ركعا بألف الإطلاق وجوبا، فإن ركع معه بدون قراءة بقدر ما ذكر بطلت صلاته إن كان عامدا عالما بطلت (١)، وإلا لم يعتد بما فعله فيأتي بركعة بعد سلام الإمام. وهل يجب عليه العود لتتميم القراءة مع نية المفارقة إذا هوي إمامه للسجود، إذا علم بالحال إذ حركته غير معتد بها حينئذ فلا وجه لمضيه فيما هو فيه أو لا يجب؟ الظاهر الأول (٢) وإذا ركع حسبت ركعته إن كان فيه أي الركوع معه بسكون العين على قلة أي مع إمامه اجتمعا بألف الإطلاق بأن أدركه فيه واطمأن معه يقينا قبل رفعه عن أقله وذلك اليقين يحصل بالمشاهدة في البصير وبوضع كل يده [ق٢٠٣/أ] على ظهره في نحو الأعمى (٣)، وكذا لو ظن بل أو غلب على ظنه إدراك ذلك وإن بعد عن الإمام أي فإنه كاليقين ونظرفيه الزركشي ونقل أيضا عن الفارقي (٤) أنه إذا كان المأموم لا يرى الإمام فالمعتبر أن يغلب على ظنه أنه أدركه في القدر المجزي (٥). وفي ق ل على الجلال (٦): واطمأن أي يقينا ومثله ظن لا تردد معه كما هو ظاهر في نحو بعيد أو أعمى واعتمده شيخنا م ر (٧) اهـ (٨).
فلو شك في إدراك الحد المعتبر بأن تردد في طمأنينته قبل ارتفاع إمامه عن أقل الركوع لم تحسب ركعته في الأظهر (٩)؛ لأن الأصل عدم الإدراك بل يأتي بدلها ركعة بعد سلام الإمام ويسجد للسهو آخر صلاته؛ لأنه أتى بركعة حال انفراده وهو شاك في زيادتها فهو كمن شك هل صلى ثلاثا أو أربعا وبقي ما لم يطمئن مع الإمام قبل ارتفاعه لكن لما قام الإمام شك يعني الإمام في ركوعه فأعاده فهل يعود المأموم معه للركوع ويدرك الركعة وإلا
_________________
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٧٨)، حاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ٣٤٢).
(٢) تحفة المحتاج (٢/ ٣٤٩)، حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٧٨).
(٣) تحفة المحتاج (٢/ ٣٦٤)، حاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ٣٤٦).
(٤) الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون الفارقيّ، أبو علي: فقيه شافعيّ. ولد بميافارقين عام ٤٣٣ هـ، وانتقل إلى بغداد، فولي قضاء واسط فتوفي فيها عام ٥٢٨ هـ، وكان حسن السيرة في القضاء. له: الفوائد على المهذب للشيرازي، والفتاوي. وله ترجمة في: الأعلام للزركلي (٢/ ١٧٨)، معجم المؤلفين (٣/ ١٩٥)، وفيات الأعيان (١/ ١٣٠).
(٥) حاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ٣٤٧)، حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٨٥).
(٦) أي حاشية أحمد القليوبي على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي (١/ ٢٩٢).
(٧) أي الرملي.
(٨) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٨٥).
(٩) المصدر السابق نفس الموضع.
[ ٣٤ ]
فيه نظر، والذي يظهر أنه إن علم أن عوده للشك كأن كتب له بذلك وجب العود معه؛ لتبين وجوب الركوع على الإمام وإلا فلا يعود بل يمتنع عليه ذلك قاله [ق ٢٠٣/ب] ع ش (١) فإن لم يجتمع معه فيه كما ذكر فاتت الركعة بناء على أنه متخلف بغير عذر وهو قول القاضي والمتولي (٢)؛ لتقصيره بما مر ومن عبر بعذره كالبغوي (٣) والشيخين نظر إلى أنه ملزوم بالقراءة كما أشار إلى ذلك الجلال المحلي ويجب عليه بعد رفع الإمام تكميل ما فاته حتى يريد الإمام الهوي للسجود قاله الشوبري وإلا يركع؛ لأنه لا يحسب له فإن هوي بفتح الواو أي الإمام أي سقط إلى السجود وافقه أي المأموم فيه إن كان أي المأموم قد قرأ ما عليه من الفاتحة كما جزم به في التحقيق واعتمده الرملي وإلا بإدغام إن الشرطية في لا النافية أي بأن لم يكن قرأ ما عليه فلا يوافق في الهوي المذكور بل فارقه بالنية؛ لأنه تعارض عليه وجوب وفاء ما لزمه وبطلان صلاته بهوي الإمام للسجود فلا مخلص بكل تقدير إلا نية المفارقة كما في شرح أر (٤)؛ لأنه تخلف بركنين فعليين قال في شرح العباب (٥) والأوجه عندي أنه تخلف لقراءة ما لزمه حتى يريد الإمام أن يهوي للسجود فإن كمل وافقه في الهوي وإلا لزمه نية المفارقة (٦)؛ لأنه تعارض عليه أمران وجوب قراءة ما فوته ووجوب [ق ٢٠٤/أ] متابعة الإمام وقدم الأول لما يلزم على الثاني من إسقاط الواجب لغير واجب لتمكنه من عدم المتابعة بنية المفارقة أهـ.
_________________
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٨٤).
(٢) عبد الرحمن بن مأمون النيسابورىّ، أبو سعد، المعروف بالمتولي: فقيه مناظر، عالم بالأصول. ولد بنيسابور عام ٤٢٦هـ، وتعلم بمرو، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية، ببغداد، وتوفي فيها عام ٤٧٨ هـ. له: تتمة الإبانة، للفوراني، وكتاب في الفرائض، وكتاب في أصول الدين، وله ترجمة في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٢٣)، وفيات الأعيان (١/ ٢٧٧)، معجم المؤلفين (٥/ ١٦٦).
(٣) الحسين بن مسعود بن محمد، الفراء أو ابن الفراء، أبو محمد، ويلقب بمحيي السنة، البغوي: فقيه، محدث، مفسر. نسبته إلى (بغا) من قرى خراسان، بين هراة ومرو. له: التهذيب، وشرح السنة، ولباب التأويل في معالم التنزيل، ومصابيح السنة، والجمع بين الصحيحين، وغير ذلك. توفي بمرو الروذ سنة ٥١٠، وقيل ٥١٦ هـ، وانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩)، طبقات الشافعية الكبرى (٧/ ٧٥)، وفيات الأعيان (١/ ١٤٥)، الأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٩).
(٤) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (٢/ ٢٢٨).
(٥) العباب المحيط بمعظم نصوص الشافعي والأصحاب، للقاضي صفي الدين أبي السرور القاضي أحمد بن عمر بن محمد بن عبدالرحمن المذحجي الشهير بالمُزَجّد، وقد حرر فيه مؤلفه الفصول والأبواب وهذب المسائل وجمع فيه أكثر فروع المذهب وأودعه خلاصة روضة الطالبين وعمدة المفتين مع زيادة فوائد عديدة وفرائد مفيدة انتزعها من كتب الأصحاب جازمًا بما رجحه الشيخان (الرافعي والنووي) ثم ما رجحه النووي في الأغلب مع التنبيه في الغالب على ما خالفا فيه الأصوب. وقد شرحه ابن حجر الهيتمي بكتاب سماه الإيعاب بشرح العباب.
(٦) فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين (ص/ ١٨٦)، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (٢/ ٤٤).
[ ٣٥ ]
لكن فهم ابن حجر وم ر من كلام شيخ الإسلام (١) إن غرضه عدم التقييد وإن مراده أن المأموم يتابع الإمام في الهوي سواء كمل ما عليه أم لا، وإن هذا الإطلاق معتمد عنده وعند التحقيق بحسب ما فهمه عنه واعترضه الرملي؛ لأن التحقيق إنها (٢) فرعه على المرجوح، وعبارته أعني الرملي: وقد نقل الشيخ عن التحقيق واعتمد لزوم متابعته في الهوي حينئذ ويوجه بأنه لما لزمته متابعته حينئذ سقط موجب تقصيره من التخلف لقراءة قدر ما لحقه فغلب واجب المتابعة وعليه فلا يلزمه مفارقته بحسب ما فهمه من كلامه، وإلا فعبارته صحيحة في تفريعه على المرجوح وانتهت (٣).
ثم ما تقرر من وجوب القراءة مع ظنه إدراك الركوع مع الإمام هو المعتمد كما نص عليه في الأم واعتمده ومال الطبلاوي إلى وجوب القراءة وإن لم يظن ذلك بل قال وإن ظن أنه لا يدركه فيه قال سم: لأنه قد يدركه على خلاف ظنه انتهى. قال الفارقي: وصورة تخلفه للقراءة أن يظن أن يدرك [ق٢٠٤/ب] الإمام قبل سجوده، وإلا فليتابعه قطعا ولا يقرا لكن المعتمد ما نص عليه في الأم.
أو لم يظنه أي وإن لم يظن المسبوق إدراك الإمام راكعا بعد قراءة قدر ما أتى به من السنة نوى المفارقة وجوبا عند عدم ظنه ذلك فإن أبى أي امتنع من نية المفارقة حينئذ حرمته أي فالحرمة بسبب إمتاعه محققة أي متفق عليها ولا تبطل الصلاة أي صلاة المسبوق ألا إن تخلفا بألف الإطلاق أي المسبوق عنه أي عن إمامه بركنين فعليين عامدا عالما بلا عذر وقولي كما قد عرفا بألف الإطلاق متعلق تبطل أي كالبطلان الذي عرف عند المحققين كالرملي وغيره أو كما قد عرف في حكم من لم يشتغل بسنة في قولي هناك وتبطل الصلاة إن تخلفا عنه بركنين إن العذر انتفى فإن الحكم بالتخلف بما ذكر لم يختلف.
تنبيه ما تقرر في هذه المسألة فهو المعتمد من أقوال ثلاثة:
ثانيها: يوافقها مطلقا سواء اشتغل بسنة أم لا ويسقط باقيها لخبر: (إذا ركع الإمام فاركعوا) (٤) فلو اشتغل بإتمام الفاتحة كان متخلفا بلا عذر فإن سبقه الإمام بالركوع وقرأ هذا المسبوق الفاتحة ثم لحقه في الاعتدال [ق٢٠٥/أ] لم يكن مدركا للركعة؛ لأنه لم يتابعه صرح بذلك إمام الحرمين، وهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان: قيل تبطل ترك متابعة الإمام، فيما فاتت به ركعته، فكان كالمتخلف بركعة، وأصحها لا تبطل، وعليه قال الإمام ينبغي
_________________
(١) زكريا الأنصاري، وسبقت ترجمته.
(٢) كذا بالأصل، والأقرب: "إنما" كما في حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٧٨).
(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٧٨).
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٢/ ٧٠) (١٢٣٦)، ومسلم في "صحيحه" (١/ ٣٠٩) (٤١٢) من طريق هشام عن أبيه عن عائشة مطولا بنحوه.
[ ٣٦ ]
أن لا يركع؛ لأن الركوع غير محسوب له، ولكن يتابع الإمام في الهوي للسجود، ويصير كأنه أدركه الآن، والركعة غير محسوبة له (١).
ثالثهما: يتم الفاتحة مطلقا؛ لأنه أدرك القيام الذي هو محلها فلزمته (٢) فلو تخلف ليقرأ كان متخلفا بعذر فيسعى خلف الإمام على نظم صلاة نفسه مالم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، وتحسب له الركعة فإن ركع ولم يتم الفاتحة عامدا عالما بطلت صلاته (٣) صرح بذلك في العباب اهـ، ولا يخفى أن حرمة التخلف بالركنين المذكورين من الكبائر كالسبق بركن أو بعضه، وأما التخلف بركن فمكروه كراهة تنزيه وكذا مجرد رفع الرأس من الركن ومجرد الهوي منه ولم يصل إلى الركن الآخر ومجرد القيام، وعن ابن حجر في الزواجر: مسابقة الإمام من الكبائر (٤).