١ - مجمع عليه كالشاهدين في الأموال والأربعة الشهود في الزنى، والإقرار في جميع ذلك إذا صدر من أهله في محله.
٢ - ومختلف فيه: نحو الشاهد واليمين وشهادة الصبيان في القتل والجراح، والإقرار إذا أعقبه رجوع. ونحن كما نقلد العلماء في الأحكام وأسبابها وشروطها وموانعها، فكذلك نقلدهم في الحجاج المثبتة لذلك.
فاختيار الأيسر من المذاهب مقيد إذن في هذا النطاق وهو الأحكام الفرعية الثابتة بغلبة الظن لدى المجتهد مثل وجوب الوتر والنية في الوضوء، وكون الدَّين مانعًا من الزكاة، وإباحة المعاطاة (١)، وقبول شهادة الصبيان في القتل والجراح، والشاهد واليمين، وشهادة النساء فيما يختص بهن الاطلاع عليه كعيوب الفروج واستهلال المولود، وجواز البيع بشرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين. والتطليق بسبب الغيبة أو الإعسار أو الإضرار، وتقويم منافع العقارات، وتضمين الأجراء والصناع، ومنع هدية المديان، ونحو ذلك.
الضابط الثاني - ألا يترتب على الأخذ بالأيسر معارضة مصادر الشريعة القطعية، أو أصولها ومبادئها العامة. يفهم هذا الشرط مما ذكره فقهاء المالكية - حتى الشاطبي - من ضرورة نقض حكم الحاكم أو قضاء القاضي في أمور أربعة ينقض فيها قضاؤه، مما يدل على أنه عند الأخذ بالأيسر لا يجوز الوقوع فيما يخالف هذه الأمور وهي ما يأتي (٢):
الأول - أن يحكم القاضي بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، فينقض هو حكم نفسه بذلك،،وينقضه القاضي الوالي بعده. ويلحق بذلك الحكم بالقول الشاذ.
_________________
(١) المعاطاة: المبادلة من غير إيجاب ولا قبول، كدفع الثمن وأخذ المبيع فعلًا من غير كلام صادر من العاقدين أو من أحدهما.
(٢) القوانين الفقهية لابن جزي: ٢٩٤، ط فاس.
[ ١ / ١٢١ ]
الثاني - أن يحكم بالظن والتخمين من غير معرفة ولا اجتهاد، فينقضه هو ومن يلي بعده.
الثالث - أن يحكم بعد الاجتهاد، ثم يتبين له الصواب في خلاف ما حكم به، فلا ينقضه من ولي بعده. واختلف هل ينقضه هو أم لا؟.
الرابع - أن يقصد الحكم بمذهب، فيذهل ويحكم بغيره من المذاهب، فيفسخه هو، ولا يفسخه غيره. ويهمنا في بحث الأخذ بالأيسر من هذه الأمور الأمر الأول، فقد عدد القرافي (١) صورًا أربعة ينقض فيها الحكم هي: مخالفة الإجماع، والقواعد، والقياس الجلي، والنص. ومثل لكل حالة وبين سبب النقض، ثم قال: فإن مثل هذا لايقر في الشرع لضعفه، وكما لا يتقرر إذا صدر عن الحكام، كذلك لا يصح التقليد فيه إذا صدر عن المفتي، ويحرم اتباعه فيه (٢). أما سبب نقض الحكم المخالف للإجماع: فهو أن الإجماع معصوم من الخطأ ولا يحكم إلا بحق، فخلافه يكون باطلًا قطعًا.
وأما سبب نقض الحكم لمخالفة القواعد والقياس الجلي والنص إذا لم يكن لها معارض راجح عليها فهو أنها واجبة الاتباع شرعًا ويحرم مخالفتها ولا يقر شرعًا ما يعارضها باجتهاد خطأ، لقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء:٥٩/ ٤].
فمخالفة النص: مثل لو حكم القاضي بإبطال وقف المنقول، فإنه ينقض حكمه، لمخالفته نصوص الأحاديث الصحيحة بصحة وقف المنقول، منها أن
_________________
(١) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص١٢٨، تبصرة الحكام: ٧٠/ ١،٧١، ط الحلبي البابي.
(٢) ويؤيده أن عز الدين بن عبد السلام (المتوفى سنة ٦٦٠هـ) اشترط لجواز التلفيق ألا يكون ما قلد فيه مما ينقض فيه الحكم أي أن تكون المسألة اجتهادية.
[ ١ / ١٢٢ ]
رسول الله ﷺ قال في حق خالد بن الوليد: «قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» (١). ومثل جواز الوصية للوارث، فإنه مخالف للحديث المتواتر: «ألا لاوصية لوارث». ومثل إقرار الربا القليل أو الفائدة في حدود (٧ %) فإنه مخالف للآيات القرآنية الدالة دلالة قطعية على تحريم الربا: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة:٢٧٥/ ٢]، ومثل تسوية المرأة بالرجل في الميراث فإنه معارض صراحة للنص القرآني: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء:١١/ ٤].
ومخالفة الإجماع: مثل الحكم بحرمان الجد من الميراث إذا اجتمع مع الإخوة مع أن الصحابة أجمعوا ضمنًا على ضرورة إرث الجد، وإنما اختلفوا في أنه: هل يرث جميع المال ويحجب الإخوة، أم أنه يرث مع الإخوة. ومثل الحكم بعدم ضرورة القسمة بين الزوجات في بعض الأحوال، فإنه مخالف للإجماع على أن العدل في القسمة واجب. ومثل الحكم بالقرائن في إثبات جريمة الزنا، فإنه مخالف للإجماع والنص القرآني القاطع.
ومخالفة القواعد: مثل لها القرافي بالمسألة السُّريجية (نسبة لأحمد بن سريج الشافعي المتوفى سنة ٣٠٦هـ) وهي أن يقول الزوج: «إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا» فلا يقع الطلاق عند ابن سريج، وتابعه فيه ابن تيمية وابن القيم (٢)، لأن الطلاق الصادر منه لم يصادف محلًا له. فلو حكم حاكم بإقرار الزواج عملًا بهذا الرأي فينقض حكمه - عند المالكية - لمخالفته القواعد، لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع المشروط، فإذا لم يجتمع الشرط مع المشروط لايصح أن يكون في الشرع شرطًا (٣).
هذا والوصية لوارث مخالفة للقواعد أيضًا مثل قاعدة
_________________
(١) نيل الأوطار: ٢٥/ ٦.
(٢) أعلام الموقعين: ٢٦٣/ ٣ وما بعدها.
(٣) ومن أمثلة مخالفة قواعد الشريعة عند الشافعية: بيع المعاطاة أو المراضاة، فهو مصادم لأصل شرعي ــ في رأيهم ــ وهو كون الرضا المشروط في البيوع والتجارات معبرًا عنه بالإيجاب والقبول اللفظيين.
[ ١ / ١٢٣ ]
(درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقاعدة (الحكم يتبع المصلحة الراجحة) والمصلحة الراجحة في الإبقاء على روابط الأسرة على أساس من المحبة والتعاون وصلة الرحم.
ومخالفة القياس الجلي: مثل قبول شهادة النصراني، فإن الحكم بشهادته ينقض، لأن الفاسق لا تقبل شهادته، والكافر أشد منه فسوقًا وأبعد عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس، فينقض الحكم لذلك، ولقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥]، وهو رأي المذاهب الأربعة، إلا الحنابلة فقد أجازوا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿أو آخران من غيركم﴾ [المائدة:١٠٦/ ٥].
لكني أرى أن الأسباب المعنوية والاجتماعية والظروف الخاصة والتعصب الذي كان موجودًا في التاريخ بين المسلمين وغيرهم هو الذي أدى إلى رفض قبول شهادة غير المسلمين، أما الآن وقد عاش المسلمون مع غيرهم في صعيد واحد، واتصلوا اتصالًا وثيقًا مع بعضهم، فلا مانع من قبول شهادتهم على المسلمين للضرورة. وقد جرى العمل على ذلك في البلاد الإسلامية.