دليل النهي:
عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ (^٢) قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى (^٣) فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ (^٤) (^٥).
صورة المسألة: لو مر إنسان بطريق يسلكه الناس أو ظِلٍّ يستظلون به، وأراد قضاء الحاجة فيه، فهل يجوز له ذلك أو لا؟
_________________
(١) الاقتصار على البول هنا اعتمادًا على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، والمراد به: قضاء الحاجة، وذكر النووي -﵀- أنه يُراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ حيث قال في (المجموع) (٢/ ٨٧): «وسواء البول والغائط، وإنما اقتصر المصنف على البول اختصارًا وتنبيهًا للأدنى على الأعلى».
(٢) أصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السب والدعاء، ولعن الله الشيطان: أبعده عن الخير والجنة، واللَّعَّانَانِ: أي: الأمران الجالبان للعن، الباعثان للناس عليه؛ فإنه سبب للعن مَنْ فعله في هذه المواضع. يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٢٥٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٥).
(٣) يتَخَلَّى: الخلاء هو المكان الذي تُقضى فيه الحاجة، سُمي بذلك؛ لكونه يُتخلى فيه، أي: ينفرد، والتخلي مأخوذ من الخلاء، وهى عبارة عن الستر والتفرد لقضاء الحاجة والحدث. يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ٧٦)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٤)، تاج العروس (٣٨/ ١٥).
(٤) الظل الذي يستظل به الناس ويتخذونه مقيلًا ومناخًا، ومثل الظل: الشمس أيام الشتاء. يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٢٧٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣). قال الخطابي في (معالم السنن) (١/ ٢٢): «ليس كل ظل يحرم القعود للحاجة تحته؛ فقد قعد النبي -ﷺ- لحاجته تحت حايش من النخل، وللحايش لا محالة ظل، وإنما ورد النهي عن ذلك في الظل يكون ذرىً للناس ومنزلًا لهم».
(٥) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال (١/ ٢٢٦) برقم: (٢٦٩).
[ ١٠١ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في النهي الوارد في الحديث: هل هو للتحريم أو الكراهة، على قولين:
القول الأول: يحرم قضاء الحاجة في طريق الناس والظِّلِّ الذي ينتفعون به.
وهو قول عند الشافعية (^١)، والمذهب عند الحنابلة (^٢).
القول الثاني: يُكره قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم:
وهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، وقول عند الحنابلة (^٦).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^٧).
وجه الاستدلال: أن الآية جاءت بالمبالغة في التحذير من أذية المؤمنين بأي وجه من وجوه الأذى من قول أو فعل (^٨)، وقضاء الحاجة في طرق الناس ومواطن تجمُّعهم وانتفاعهم: فيه أذية للمسلمين بتنجيس واستقذار هذه المواطن، وجاءت الآية بالوعيد لمن آذاهم، والوعيد دليل التحريم (^٩).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (^١٠).
_________________
(١) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٧).
(٢) يُنظر: المغني (١/ ١٢٢)، الفروع (١/ ١٣٢)، كشاف القناع (١/ ٦٣).
(٣) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣)، حاشية الطحطاوي (ص: ٥٣).
(٤) يُنظر: الذخيرة (١/ ٢٠١)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).
(٥) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٧).
(٦) يُنظر: الفروع (١/ ١٣٢)، الإنصاف (١/ ١٩٨).
(٧) سورة الأحزاب: الآية (٥٨).
(٨) يُنظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٣٢٤)، فتح القدير، للشوكاني (٤/ ٣٤٨).
(٩) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٦٢).
(١٠) سبق تخريجه: ص (٩٨).
[ ١٠٢ ]
الدليل الثالث: حديث معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارد، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» (^١).
وجه الاستدلال: أن ظاهر الأحاديث يدل على تحريم التخلِّي في طرق الناس وظِلِّهم؛ لما فيها من أذية المسلمين بإبطال منفعتهم، ولأنها تجلب لعن الناس على فاعلها (^٢).
الدليل الرابع: أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ» (^٣).
وجه الاستدلال: دل الحديث على استحقاق مَنْ يؤذي المسلمين اللعنة منهم، واللعن دليل التحريم (^٤).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بالكراهة بحديثي أبي هريرة ومعاذ -﵃-.
وجه الاستدلال: أن النهي عن قضاء الحاجة في مواطن انتفاع الناس يُحمل على الكراهة؛ لوروده في باب التنزيه والآداب (^٥).
يمكن أن يُناقش: بأن الوعيد على مَنْ فعل ما فيه أذية للمسلمين وكونها جالبة للعن الناس، قرائن تؤكد أن النهي على الأصل وهو التحريم.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم.
أسباب الترجيح:
_________________
(١) سبق تخريجه: ص (٥٠).
(٢) يُنظر: المفهم (١/ ٥٢٤)، الفروع (١/ ١٣٢)، نيل الأوطار (١/ ١١٢).
(٣) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (٣/ ١٧٩) برقم: (٣٠٥٠) وانفرد به، حسّن إسناده الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٠٤).
(٤) يُنظر: سبل السلام (١/ ١٠٩).
(٥) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٤٠).
[ ١٠٣ ]
١ - قوة أدلة هذا القول، وسلامتها من المعارض الراجح.
٢ - أن الإسلام جاء بالحث والترغيب في إماطة الأذى عن طريق المسلمين، وعليه يكون تعمد وَضْع الأذى في طريقهم ومواطن انتفاعهم من أعظم المناهي الشرعية؛ لما فيه من الضرر، وقد عُدت من الكبائر (^١).
قال القرطبي -﵀- في (المفهم): «يُفهم من هذا: تحريم التخلِّي في كل موضع كان للمسلمين إليه حاجة: كمجتمعاتهم، وشجرهم المثمر، وإن لم يكن له ظلال وغير ذلك» (^٢).