تبين مما سبق أن الجمهور حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة هي: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.
ذلك أن النهي عن الغسل في الماء الراكد فيه إرشاد إلى مصلحة المحافظة على الماء وعدم تقذيره على الناس.
قال النووي -﵀- (^١): «قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يُكره الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا … وهذا كله على كراهة التنزيه» (^٢).
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: «أن المقصود: التنزه عن التقرب إلى الله سبحانه بالمستقذرات» (^٣).
قيل: العلة: تقذير الماء على الناس.
وقيل: لئلا يصير الماء مستعملًا، فيفسد الانتفاع به على غيره.
الحكم على القرينة:
الذي يظهر أن قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد هنا قرينة معتبرة؛ لمناسبة
_________________
(١) هو: يحيى بن شرف بن مُرّي بن حسن الحزامي الحراني النووي الشافعي، أبو زكريا محيي الدين، وُلد بنَوى سنة ٦٣١ هـ، كان حافظًا فقيهًا زاهدًا، له تصانيف كثيرة وجليلة منها: «المنهاج»، «المجموع شرح المهذب»، «التبيان: في آداب حملة القرآن»، «شرح صحيح مسلم» وغيرها كثير، تُوفي سنة ٦٧٦ هـ. يُنظر: فوات الوفيات (٤/ ٢٦٥)، طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٩٥).
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٩).
(٣) إحكام الأحكام (١/ ٧٣).
[ ٦٠ ]
التعليل بالاستقذار لمعنى الإرشاد إلى المصلحة، ولكونه موافقًا لما جاءت به الشريعة من الأمر بالنظافة. أما التعليل بمصير الماء مستعملًا فضعيف مردود بما بينه الصحابي بأنه لا يُمنع التناول منه. والله أعلم.
قال ابن تيمية -﵀-: «نهيه عن الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل وهذا قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره؛ لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملا» (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦).
[ ٦١ ]