ذهب الجمهور إلى أن النهي يُحمل على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارفَ له القرائنُ التالية:
القرينة الأولى: فِعل الصحابي للمنهي عنه.
ذلك أنه إذا فعل الصحابي المنهي عنه ولم يُنكر عليه، فإن ذلك يُعد قرينة على أن النهي ليس للتحريم.
القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.
قال النووي -﵀-: «… وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه» (^٤).
جاء في (الفواكه الدواني): «(ويُكره صباغ الشعر) الغير الأسود (بالسواد) لغير مقتضى شرعي، ولما كانت الكراهة قد تكون محمولة على التحريم قال: (من غير تحريم)،
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (١٥٧).
(٢) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٤).
(٣) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥)، نيل الأوطار (١/ ١٥٥).
(٤) المجموع (١/ ٢٩٤).
[ ١٦٢ ]
بل لمجرد التنزيه» (^١).
والعلة: التنزيه عن حصول التلبيس (^٢)؛ لذهاب اللون الأول جملةً بالتسويد.
جاء في (الفواكه الدواني): «إنما كُره الصِّباغ بالسواد دون غيره؛ لأن فيه صرف لون إلى لون مع ذهاب الأول، بخلاف نحو الحناء؛ فإن الأول لم يذهب جملة، وإنما تغير، فلا يتلبس الشَّيْب على أحد باحمراره أو اصفراره» (^٣).
الحكم على القرينة:
قرينة فِعل الصحابة للمنهي عنه مع عدم نقل الإنكار، قرينة قوية للدلالة على أن النهي ليس للتحريم، لكنه اُورد عليها احتمال أن صنيعهم كان للجهاد وإرهاب العدو، والاحتمال يضعف الاستدلال.
وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد معتبرة، تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولعلها قد تكون معتبرة هنا لمعنى التنزيه وخوف الوقوع في التلبيس والخداع.
وبما أن بعض القرائن محتملة الاعتبار، فيكون القول بالكراهة فيه قوة، وكذلك أدلة القول بالتحريم قوية، والله تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) (٢/ ٣٠٧).
(٢) عون المعبود (١١/ ١٧٢).
(٣) (٢/ ٣٠٨).
[ ١٦٣ ]