مما سبق تبين أن بعض الفقهاء حمل النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.
وذلك أن النهي عنها فيه إرشاد وتنزيهٌ عن النجاسة المحتملة في آنيتهم.
وعلة النهي: الاستقذار؛ لكونهم لا يجتنبون النجاسة (^٣)، وهذه علة لا توجب التحريم.
_________________
(١) المحجم بالكسر: الآلة أو القارورة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص. يُنظر: الصحاح تاج اللغة (٥/ ١٨٩٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب الأكل في آنية أهل الكتاب والمجوس والطبخ فيها (٥/ ٦٤٩) برقم: (٣٨٣٩)، والحديث أصله في الصحيحين، وقد سبق في أول المبحث.
(٣) يُنظر: المغني (١/ ٦٢)، المجموع (١/ ٢٦٤).
[ ٩١ ]
قال ابن قدامة -﵀- في (المغني): «أقل أحوال النهي الكراهة، ولأنهم لا يتورعون عن النجاسة، ولا تسلم آنيتهم من أطعمتهم، وأدنى ما يؤثر ذلك الكراهة» (^١).
الحكم على القرينة:
الذي يظهر أن القول بالكراهة وإعمال القرينة لذلك، يكون في حال عُلم استعمالهم لها في النجاسة، ويؤيد ذلك جواب الفقهاء عن الحديث: بأن المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود.
أما مسألة البحث هنا: فهي في حكم استعمال آنيتهم مطلقًا مع جهالة حالها: فالذي يظهر ضعفُ القرينة هنا؛ لمعارضتها للأصل -الطهارة والإباحة- المؤيَّد بآية المائدة المبيحة لطعامهم، وطعامهم إنما يُقدم في آنيتهم، فدل على حِل الجميع، وأحاديث أَكْله -ﷺ- من طعامهم في آنيتهم تؤكد ذلك، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) (١/ ٦٢).
[ ٩٢ ]