أما حكم الاستنجاء والاستجمار:
اتفق الأئمة الأربعة (^١) أنه يجب الاستنجاء أو الاستجمار (^٢) من كل خارج معتاد من السبيلين، كالبول أو المذي أو الغائط، هذا إن كان الخارج قدر الدرهم، ليتفق الأئمة الثلاثة مع أبي حنيفة القائل بالسنية في أقل من قدر الدرهم، المخالف فيه لباقي الأئمة القائلين بالوجوب إطلاقًا.
والدليل على وجوب الاستنجاء: أو وجوب إزالة النجاسة كما هي عبارة الحنفية:
١ - قوله تعالى: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُر) [سورة المدثر: ٥]، وهو يعم كل مكان ومحل من ثوب أو بدن، ولأن الاستنجاء بالماء هو الأصل في إزالة النجاسة.
٢ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنهُ) (^٣).
٣ - عن ابن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني في
أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثًا فأتيته بروثة
_________________
(١) الفقه الإسلامي (١/ ١٩٣)، مراقي الفلاح (١/ ٨٧)، منهاج الطالبين ص (١١ - ١٢)، نهاية المحتاج (١/ ١٢٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢) الروض المربع ص (٢٦)، منار السبيل (١/ ١٨).
(٢) وعبارة الحنفية هي وجوب إزالة النجاسة.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٧٧١) وأبو داود (٤٠) والنسائي (٤٤) والدارقطني (١: ٥٤) وقالَ: إسنادهُ حسنٌ صحيحٌ.
[ ٥٥ ]
فأخذهما، وألقى الروثة، وقال: (إنَّهَا رِكْسٌ) (^١).
٤ - وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) (^٢).
وفي رواية أخرى: (لقد نهانا أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) (^٣). وهذا نهي يفيد التحريم، وعكسه يقتضي الوجوب.
واتفق الأئمة الأربعة (^٤) على أن من نام أو خرجت منه ريح فليس عليه استنجاء، والدليل على ذلك:
١ - قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [سورة المائدة: ٦].
أي: إذا قمتم من النوم، ولم يؤمر بغيره، فدل على أنه لا يجب، ولأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة ههنا.
٢ - ولقوله ﷺ: (من اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فليس مِنَّا) (^٥).
_________________
(١) ركس: نجس. أخرجه أحمد (٣٩٦٦) والترمذي (١٧) وابن أبي شيبة (٤٢٤). قال محققوا المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأصله عند البخاري (١٥٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٢) وأحمد (٢٣٧٠٨) والنسائي (٤٩).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٢) وأبو داود (٧).
(٤) المراجع السابقة نفسها.
(٥) ذكره ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢/ ٣٨٤).
[ ٥٦ ]
أما حكم الاستبراء: فقد اختلف الأئمة الأربعة في حكمه (^١).
وهو: طلب براءة المخرج من أثر الرشح حتى يزول أثر البول، إما بالمشي أو التنحنح أو الاضطجاح على شقه الأيسر، أو غيره، بنقل أقدام وركض، ويكون الاستبراء بنتر وسلت خفيفين ثلاثًا، والنتر: جذبه، وندب أن يكون في كل منهما برفق، وذلك حتى يغلب على الظن نقاوة المحل من البول، ولا يتتبع الأوهام، فإنه يورث الوسوسة، وهي تضر بالدين.
واستبراء المرأة: أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها، والاستبراء عمومًا يختلف باختلاف الناس، والقصد أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء يخاف خروجه، ودليل طلب الاستبراء:
١ - عن ابن عباس: أن النبي ﷺ مَرْ بقبرين، فقال: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) (^٢).
٢ - عن الْحَسَنِ البصري ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ: (اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ البَوْلِ) (^٣).
_________________
(١) المراجع السابقة نفسها.
(٢) أخرجه البخاري (٢١٥) ومسلم (٢٩٢)
(٣) أخرجه هَنَّاد في (الزهد) ورواه ابن سمعون في (أماليه) ورواه سعيد بن منصور في (سننه). قال ابن حجر العسقلاني: رواته ثقات مع إرساله. (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ١/ ٣١٢)
[ ٥٧ ]