في انقسام ألفاظ العارية إلى صريح وكناية
[م-٢٠٩٦] قال السيوطي: «اعلم أن الصريح وقع في الأبواب كلها وكذا الكناية، إلا في الخطبة فلم يذكروا فيها كناية بل ذكروا التعريض، ولا في النكاح فلم يذكروها للاتفاق على عدم انعقاده بالكناية. ووقع الصريح والكناية والتعريض جميعًا في القذف» (^١).
ومع وقوع ألفاظ الكناية في جميع الأبواب إلا أن الناس في الجانب التطبيقي أكثروا من ذكر الكنايات في بعض الأبواب دون بعض لهذا كان تناول الفقهاء لألفاظ الكنايات تبعًا لاستعمال الناس، لهذا نشط الفقهاء في التعرض للصريح والكناية في باب الطلاق أكثر منه في باب العارية، لأن الناس أكثروا من الكنايات في الطلاق دون العارية، وإن كانت العارية كغيرها تقبل الصريح والكناية، إذا علم ذلك نقول:
اختلف الفقهاء في قبول العارية لألفاظ الكناية على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء إلى تقسيم ألفاظ العقود والتصرفات إلى صريح وكناية، ومنها العارية (^٢).
_________________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٢٩٧).
(٢) قرة عين الأخيار تكملة رد المحتار (٨/ ٥٢٥)، المصباح المنير (ص: ٢٣٧).
[ ٢٠ / ٤٣٣ ]
جاء في العناية شرح الهداية: «وتصح بقوله: أعرتك؛ لأنه صريح فيه» (^١).
وقال الكاساني: «أما لفظ الإعارة فصريح في بابها » (^٢).
فقوله: (في بابها) يفهم منه أن لفظ العارية وإن كان صريحًا في بابه فقد تكون من ألفاظ الكنايات في غير باب العارية إذا لم يجد نفاذا في موضوعه، فلفظ العتق صريح في بابه، ولا نفاذ له إذا استعمل في الزوجة، فكان كناية عن طلاقها.
جاء في تحفة المحتاج: «ويظهر فيما اشتهر من استعمال لفظ العارية هنا أنه فيما لا تصح إعارته كناية؛ لأنه لم يجد نفاذا في موضوعه وفي غيره ليس كناية؛ لأنه صريح في بابه ووجد نفاذا في موضوعه» (^٣).
أما إذا وجد الصريح نفاذًا في بابه فلا يكون كناية عن غيره.
قال الزركشي في القواعد: «الصريح في إذا وجد نفاذًا في موضوعه لا يكون كناية في غيره، ومعنى وجد نفاذًا: أي أمكن تنفيذه وهذا كالطلاق لا يكون ظهارًا وفسخًا بالنية، وبالعكس، فلو قال: وهبت منك، ونوى الوصية، لا تكون وصية في الأصح؛ لأنه أمكن تنفيذه في موضوعه الصريح: وهو التمليك الناجز» (^٤).
_________________
(١) العناية شرح الهداية (٩/ ٦)، تبيين الحقائق (٥/ ٨٤)، الهداية شرح البداية (٣/ ٢٢٠)، حاشية ابن عابدين (٥/ ٦٧٨) و(٨/ ٣٨٥).
(٢) بدائع الصنائع (٦/ ٢١٤).
(٣) تحفة المحتاج (٥/ ٣٩).
(٤) المنثور في القواعد (٢/ ٣١١)، وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٢٩٥)، حاشيتي قليوبي وعميرة (٢/ ٤٠٣).
[ ٢٠ / ٤٣٤ ]
مثال ذلك: لو قال: أعرني دراهمك لأنفقها كانت قرضًا؛ لأن العبرة في العقود بمعانيها، وليست بألفاظها.
قال ابن الهمام في فتح القدير: «في عارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون والمعدود، إذ قد صرحوا في صدر كتاب العارية بأن من شرطها كون المستعار قابلا للانتفاع به مع بقاء عينه، وأن الأشياء المذكورة لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها فتعذر حقيقة الإعارة فيها فجعلناها كناية عن القرض» (^١).
وجاء في الإنصاف: «قال في الانتصار: لفظ العارية في الأثمان قرض، وقال في المغني والشرح: وإن استعارهما للنفقة فقرض» (^٢).
وفي قواعد ابن رجب: «لو أعاره شيئا وشرط عليه العوض فهل يصح أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يصح ويكون كناية عن القرض وفي التلخيص إذا أعاره عبده على أن يعيره الآخر فرسه فهي إجارة فاسدة غير مضمونة فهذا رجوع إلى أنها كناية في عقد آخر والفساد إما أن يكون لاشتراط عقد في عقد آخر، وإما لعدم تقدير المنفعتين» (^٣).
فصارت العارية وإن كانت صريحة في بابها إلا أنها في غير بابها تكون من الكنايات إذا لم يصح حملها على موضوعها، فصارت مرة كناية عن القرض، ومرة كناية في عقد الإجارة.
وفي المنثور في القواعد الفقهية: «قال: أعرتك حماري لتعير لي فرسك
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام (٩/ ١٤).
(٢) الإنصاف (٦/ ٧٨).
(٣) المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٣١٣).
[ ٢٠ / ٤٣٥ ]
فإجارة فاسدة غير مضمونة، وهذا تصريح بأن الإعارة كناية في عقد الإجارة، والفساد جاء من اشتراط العارية في العقد» (^١).
وإذا كانت الإعارة كناية في غير بابها، فإن القرض إذا استعمل في غير بابه كان كناية في العارية.
فإذا قال: أقرضتك هذا الثوب تلبسه يومًا واحدًا، أو أقرضتك هذه الدار تسكنها سنة، فالقرض صريح في باب القرض، لكنه إذا لم يجد نفاذًا في موضوعه كان كناية في غيره، فيكون هنا كناية في العارية، فدل على قبول العارية ألفاظ الكناية (^٢).
القول الثاني:
ذهب بعض الشافعية إلى أنه لا كناية للعارية لفظًا (^٣).
ذكره في تحفة المحتاج، ولم يقبله، جاء فيه: «ظاهر كلامهم أن هذه الألفاظ كلها ونحوها صرائح، وأنه لا كناية للعارية لفظًا وفيه وقفة، ولو قيل: إن نحو خذه، أو ارتفق به كناية - يعني في العارية - لم يبعد ولا يضر صلاحية خذه للكناية في غير ذلك» (^٤).
وهذا هو المتعين، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٣١٣).
(٢) انظر الفتاوى الهندية (٤/ ٣٦٣).
(٣) نهاية المحتاج (٥/ ١٢٤)، تحفة المحتاج (٥/ ٤١٨)، حاشية البجيرمي (٣/ ٩٩).
(٤) تحفة المحتاج (٥/ ٤١٨).
[ ٢٠ / ٤٣٦ ]