لأن العدل قامت عليه السماوات والأرض وأمر به الله رسوله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠)، وهذا من العدل.
وقلنا «الشاملة» لعموم التكليف بها أقوالا وأفعالا زمانا ومكانا وأشخاصا.
[ ١ / ٢٣٦ ]
فالواجب العدل في الخطاب السياسي عموما، وفي التقييم، أو الخصومة، أو الأعمال، والتصرفات، والخدمات، والمقاضاة؛ لقوله تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: ١٥٢).
ويجب العدل شرعا مع المخالفين والمعارضين السياسيين والخصوم ولو كانوا معاديين (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: ٨).
أي: لا يحملكم البغض والخصومة لقوم على ألا تعدلوا معهم.
والعدل لا يختص بحال أو زمن أو مكان، بل هو عام في الأحوال المختلفة: سلما، وحربا، وأمنا، وخوفا.
وعموم المكان يشمل سائر المناطق الجغرافية.
فالعدل المناطقي الانتقائي محرم، وهو أن يخص به منطقة دون غيرها.
فتشملهم دون غيرهم خدمات الدولة من تعليم، وتأهيل، وبنية تحتية كطرق ورعاية صحية وخدمات الكهرباء والهاتف والمياه، والتعيين القيادي العسكري والمدني.
فهذا ونحوه من العدل المناطقي الذي يترتب عليه ظلم عام. وتعامل الدولة مع الشعب على أساس جغرافي مناطقي عمل لا تقره الشريعة؛ لأنه جور وحيف وفيه مفاسد جمة.
ويجب العدل بين الناس أمام القضاء والنظام والقانون، فإنما هلكت الأمم لإقامة الحق على أناس وترك آخرين «إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه» (١).
والعدالة في الدرجات الوظيفية، والخدمات، والحماية، وتكافؤ الفرص.
ويعطى كل ذي حق حقه، ويتعامل مع كل من خالف في الدين من الكفار أهل الكتاب والمشركين بالعدل (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
وبالمثل إن اعتدى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا
_________________
(١) - تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٣٧ ]
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤)، وفتح باب العفو (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
وتكافؤ الفرص أمام الشعب هو من القسط والعدل المطلوب على العموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (النساء: ١٣٥)، وهذا عام فشمل تكافؤ الفرص.
فلا يشرع استئثار فئة بفرص التعليم والابتعاث والخدمات والرعاية والوظيفة والمناصب القيادية، وتسهيلات استثمارية ومالية، بل المشروع العدل بين أفراد الشعب بذلك.
وواجب أن تعدل الدول في الأجور والرواتب لموظفيها بما يتناسب مع ضروريات المعيشة وحاجياتها بتوسط.
والراتب إن لم يف بأشد الضروريات وهو الغذاء واللبس والدواء فهو غبن فاحش، وهو في العقود محرم، ويلزم -حينئذ- أجرة المثل؛ ولأنه نوع من الانتهازية للحاجة والفقر، وهو خلق مذموم لا ترضاه الشريعة؛ ولأنه يفتح باب الفساد الإداري وأخذ الرشوة وترك الإتقان والإبداع والإخلاص بالعمل وغير ذلك، ودفع المفاسد واجب، ومن وسائلها العمل بسياسة عدالة الأجور (١).