فأجاب بقوله: لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي ﷺ انتسبا غير صحيح لأنه لو كان صحيحا لآمنوا بمحمد ﷺ، فإن إيمانهم بمحمد ﷺ إيمان بالمسيح عيسى ابن مريم ﵊، لأن الله - تعالى - قال:) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ «١)،
_________________
(١) سورة الصف، الآية (٦) .
[ ١٠٨ ]
ولم يبشرهم المسيح عيسى ابن مريم بمحمد ﷺ، إلا من أجل أن يقبلوا ما جاء به لأن البشارة بما لا ينفع لغو من القول لا يمكن أن تأتي من أدنى الناس عقلا، فضلا عن أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولو العزم عيسى ابن مريم، ﵊، وهذا الذي بشر به عيسى ابن مريم بني إسرائيل هو محمد ﷺ، وقوله:) فلما جاءهم بالبيانات قالوا هذا سحر مبين (. وهذا يدل على أن الرسول الذي بشر به قد جاء ولكنهم كفرو به وقالوا هذا سحر مبين، فإذا كفرو بمحمد ﷺ فإن هذا كفر بعيسى ابن مريم الذي بشرهم بمحمد ﷺ، وحينئذ لا يصح أن ينتسبوا إليه فيقولوا إنهم مسيحيون، إذ لو كانوا حقيقة لآمنوا بما بشر به المسيح ابن مريم لأن عيسى ابن مريم وغيره من الرسل قد أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، كما قال الله - تعالى) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم
[ ١٠٩ ]
رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه «١)
قال) أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢) والذي جاء مصدقا لما معهم هو محمد ﷺ، لقوله - تعالى:) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم «٣) .
وخلاصة القول أن نسبة النصارى إلى المسيح عيسى ابن مريم نسبة يكذبها الواقع، لأنهم كفروا ببشارة المسيح عيسى ابن مريم ﵊ وهو محمد ﷺ، وكفرهم به كفر بعيسى ابن مريم، ﵊.
٩٣. سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول (فلان
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (٨١) ..
(٢) سورة آل عمران، الآية (٨١)
(٣) سورة المائدة، الآية (٤٨) .
[ ١١٠ ]
المغفور له) و(فلان المرحوم)؟ .
فأجاب بقوله: بعض الناس ينكر قول القائل (فلان المغفور له، وفلان المرحوم) ويقولون: إننا لا نعلم هل هذا الميت من المرحومين المغفور لهم أو ليس منهم؟ وهذا الإنكار في محله إذا كان الإنسان يخبر خبرا أن هذا الميت قد رحم أو غفر له، لأنه لا يجوز أن نخبر أن هذا الميت قد رحم، أو غفر له بدون علم قال الله - تعالى-:) ولا تقف ما ليس لك به علم «١) لكن الناس لا يريدون بذلك الأخبار قطعا، فالإنسان الذي يقول المرحوم الوالد، المرحومة الوالدة ونحو ذلك لا يريدون بهذا الجزم أو الأخبار بأنهم مرحومون، وإنما يريدون بذلك الدعاء أن الله - تعالى - قد رحمهم والرجاء، وفرق بين الدعاء والخبر، ولهذا نحن نقول فلان ﵀، فلان غفر الله له، فلان عفا الله عنه، ولا فرق من حيث اللغة العربية بين قولنا (فلان
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٣٦) .
[ ١١١ ]
المرحوم) و(فلان ﵀) لأن جملة (﵀) جملة خبرية، والمرحوم بمعنى الذي رحم فهي أيضا خبرية، فلا فرق بينهما أي بين مدلوليهما في اللغة العربية فمن منع (فلان المرحوم) يجب أن يمنع (فلان ﵀) .
على كل حال نقول لا إنكار في هذه الجملة أي في قولنا (فلان المرحوم، وفلان المغفور له) وما أشبه ذلك لأننا لسنا نخبر بذلك خبرا ونقول إن الله قد رحمه، وإن الله قد غفر له، ولكننا نسأل الله ونرجوه فهو من باب الرجاء والدعاء وليس من باب الإخبار، وفرق بين هذا وهذا.