أول من ألَّف كتابًا على شرط صحة السند هو الإمام مالك بن أنس رحمه ألفَّ كتاب الموطأ، فالموطأ أول تأليف ظهر في الإسلام، وقد قيل: إن عبد الملك ابن جريج المكي أول من ألَّف، ولعل كتاب ابن جريج لم يتم أو لم يظهر، وليس البحث عن تحقيق كون كتاب ابن جريج أول كتاب ألف أو كون الموطأ أول كتاب ألَّف بكبير الجدوى، وقال بعض العلماء: ألفَّ مالك الموطأ بالمدينة، وألَّف
[ ٧٤ ]
ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهُشيم بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدرَي أيهم سبق.
وأيًّا ما كان ذلك فإن أول كتاب هو الآن موجود ومروي عند أهل العلم هو كتاب الموطأ (وقد اختلفت الأمصار في طريقة تدوين الأثر قوةً وضعفًا)، وكان أهل المدينة أوثق أهل الأمصار طريقة وأعلمهم بسنة رسول الله - ﷺ -؛ لأنها دار الإسلام ومهبط الوحي، وبها كان أعيان الصحابة الذين لم يشغلهم عن العلم شاغل، فكانت المدينة مرجع علماء الأمصار الإسلامية في تلقي السنة، وكانت سمعة الواحد من أهل الحديث تزيد، وعلمه ينضج بمقدار ما يحصل له من الأخذ عن علماء المدينة، ومرجع شروط الصحة عند أهل الحديث ثلاثة شروط:
الأول: تحقق أمانة الراوي فيما رواه، وتندرج تحت هذا شروط عدالة الراوي وسلامته من الابتداع.
الثاني: تحقق عدم الالتباس والاشتباه عليه، وإلى هذا ترجع شروط قوة تمييز الرواة ليعلم تباعدهم عن التدليس ويقظتهم من الغفلة.
الثالث: تحقق مطابقة ما يروونه للثابت من أمر النبي - ﷺ -، وإلى هذا ترجع شروط الترجيح عند التعارض.
والشرطان الأولان يتعلقان بصحة السند، والثالث يتعلق بصحة المعنى، وقد نظروا في الأسباب الحاملة على وضع الحديث فوجدوا أنها افتراء، أو نسيان، أو غلط، أو ترويج، أو تفاخر، فبنوا أصول الضبط على منع هذه الأسباب.
فأما الكذب فهو شر الأسباب وأسخفها؛ لأنه يؤذن بالاستخفاف بالشريعة لا سيما بعد العلم بالحديث الصحيح، وهو قول النبي - ﷺ -: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، ودفع هذا السبب بتوخي أحوال الرواة والفحص عن عدم التهم وديانتهم ونقد ظواهرهم وبواطنهم فلا يقبل مجهول العدالة باطنًا -وهو المستور على الأصح- ولا يقبل المجهول باطنًا وظاهرًا بإجماع.
وأما النسيان والغلط فهما يعرضان للراوي وهما متقاربان؛ فالنسيان كأن يشتبه عليه المعلوم فينسى أن يكون روى عن غير ثقة فينسبه إلى ثقة، والغلط أن يغير اللفظ أو نحو ذلك، ويتفاوت الناس فيهما بتفاوت قوة الذهن، ودفعهما بتوخي أهل
[ ٧٥ ]
الضبط من الرواة الذين جُربوا المرة بعد المرة وأعيدت عليهم الأحاديث وقلبت لهم فثبتوا فيها وأتوا بها على وجوهها مع تجربة حفظهم ويقظتهم.
ومن هذا النوع أن يروي الراوي الحديث بالمعنى فيغير المعنى بتغيير اللفظ.
وهذا القسم أشد الأقسام خطرًا؛ لأن الناس عرضة للنسيان والغلط؛ ولأنه إذا وقع من أهل العدالة تلقته الناس عنهم فشاع بينهم، فلذلك كانت العناية بصرف الهمة إلى تمحيص هذا النوع أوكد وأولى؛ ولذلك قال النبي - ﷺ -: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه».
وأما الترويج، فهو متابعة ما يرغب فيه الطالبون مما ليس بمفيد كمالًا في الرواية.
فالترويج يكون لترويج المذهب والنحلة أو لترويج المقصد، وإنما كان الترويج سببًا للوضع؛ لأن المُروَّج قد يقتنع بوقوع الحديث على وفق مطلبه فتصرفه موافقته لمراده عن نقده وتمحيصه، فإذا انضم إلى الترويج شيء من التساهل في الرواية ومن ضعف العدالة كان خطرًا.
ومن الترويج ما يسمى بالتدليس مثل تدليس الأسماء بان يعطيّ شخصًا اسم شخص آخر تشبيهًا؛ كأن يقول: حدثني مالك بن أنس، ويريد البصري الخارجي، وسمع سحنون رجلًا يحدث عن ابن نافع، فقال له: أنت أدركت ابن نافع، فقال: أردت الزبيري ولم أرد الصائغ، فوبَّخه سحنون، وقال: «ماذا يظهر بعدي من العقارب».
ومنه ما قاله الحافظ أبو عُمر في التمهيد: أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه وأخذ عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه بالواسطة ممن ترضى حاله أو لا ترضى، فهذا مؤذن بأنه ما حذف الواسطة إلا لنقص تخيله فيه، غير أنه إذا كان من أهل الضبط اغتفر له ذلك، فدفع هذا هو ضبط تاريخ الرواة ومن لقي منهم غيره، ومن لم يلقه ومقابلة ذلك بروايات أقرانه، مع التوخي في ألفاظ التحديث مثل الفرق بين سمعت فلانًا وبين عن فلان.
وأما التفاخر فهو اعتناء الراوي بإشهار مروياته حبًّا للمحمدة، ويكون بأمور منها: الإكثار من الرواية، ومنها: الاعتناء بتخريج الغريب، أي: الذي لا يعرف، ومنها: الولع بمحسنات الحديث وكل ذلك وإن كان لا يقتضي كذبًا إلا أنه قد يجر
[ ٧٦ ]
إلى التساهل في الرواية لتكميل ما به المفاخرة؛ لأن الولع بذلك يصير هوَّى ومحبةً.
فكان مالك ﵀ شديد النقد في هذه الأنواع كلها ونافذ البصر بسد مواقع الخلل والتهمة فيها.
فأما نحو السبب الأول وهو الكذب فقد بالغ في نقد الرجال من ثلاث جهات: جهة العدالة، وجهة أصالة الرأي وتمييز المرويات، وجهة اتباع السنة، قال سفيان ابن عيينة: رحم الله مالكًا ما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدًا يقوم مقام مالك في ذلك، وقال أحمد بن صالح: ما أعلم مالكًا روى عن أحد فيه شيء، والمحدثون وغن قبلوا رواية أهل البدع في الاعتقادات؛ إذ كانوا يحرَّمون الكذب إلا أن مالكًا اشترط في ذلك أن لا يكون ذلك الراوي داعية لمذهبه؛ لأن ذلك يوجب له تهمة.
وأما نحو السببين الثاني والثالث وهما النسيان والغلط فقد اشترط مالك ﵀ في الرواية أن يكون الراوي من أهل العلم والمعرفة، ابن وهب قال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء.
وشدد في نقل الحديث بالمعنى، فقال: لا ينبغي للمرء أن ينقل لفظ النبي - ﷺ - إلا كما جاء، وأما لفظ غيره فلا بأس بنقله بالمعنى، نعم رخص في زيادة مثل الواو والألف في الحديث والمعنى واحد.
وأما نحو السببين الرابع والخامس وهما الترويج والتفاخر فإن مالكًا ﵀ أخذ الحيطة لذلك بأمرين: بتزييف ما كانوا يصنعون، والحذر مما يودعون، ففي المقام الأول لم يهتم بشيء من التصنع والتحسين في طرق الرواية، فكان يكرر ما يقوله لهم أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: «إذا أخذتم في الساذج تكلمنا معكم، وإذا أخذتم في المنقوش قمنا عنكم»، وقيل له: إن فلانًا يحدثنا بالغريب، فقال: مالك من الغريب نفر، وقال له بعضهم: ليس في كتابك غريب، فقال: سررتني.