في اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثاني عشر، يبقى الحاج في منى، فإذا كان الزوال رمى الجمرات الثلاث كما رماها بالأمس، مبتدئًا بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، فالوسطى، فجمرة العقبة.
فإذا انتهى من الرمي فهو بالخيار: إن شاء تأخّر ويبقى في منى يومه هذا،- وبات فيها ليلة الثالث عشر، ورمى الجمرات من الغد على نحو ما رماها في هذا اليوم.
وإن شاء تعجل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] .
قال كثير من السلف: يريد أن المتعجل والمتأخر يغفر له، ويذهب عنه الإثم الذي كان عليه قبل حجه
[ ٩٩ ]
إذا حجَّ فلم يرفث ولم يفسق، ويرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ .
وقال الطبري: قال بعض العلماء: معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق، فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه في نفره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره.
والأفضل للحاج أن يؤخر النفر إلى اليوم الثالث، فيبيت في منى ليلة الثالث عشر فإذا كان وقت الزوال من ذلك اليوم رمى الجمرات الثلاث، وذلك اقتداء بالنبي ﷺ فإنه لم يتعجل بل بقى. بمنى في اليوم الثالث عشر ورمى الجمرات بعد الزوال، ثم ارتحل قبل أن يصلى الظهر ﵊.
وقد رخص ﵊ للناس في التعجل، فمن رمى الجمرات في اليوم الثاني عشر بعد
[ ١٠٠ ]
الزوال، وأراد النفر جاز له ذلك، لكن يجب عليه أن يخرج من منى قبل غروب شمس ذلك اليوم، فمان غربت عليه الشمس وهو بمنى لزمه المبيت، ورمي الجمار من الغد. لكن لو أراد الحاج أن يتعجل، وغربت عليه الشمس دون اختياره، كأن يتأخر بسبب زحمة السيارات أو نقل الأثاث أو نحوهما، فإنه لا يلزمه التأخر؛ لأن تأخره إلى الغروب بغير اختياره، وقد شرع في التعجل.
أيها الحاج الكريم: إذا خرج الحاج من منى وأتم أعمالَ حجه، وأراد أن يعود إلى بلده، وجب عليه واحد من واجبات الحج، وهو طواف الوداع، ولا يسقط هذا الطواف إلا عن المرأة الحائض أو النفساء، فإنه لا وداع عليهما.
ويدل لذلك قول ابن عباس ﵄ في الصحيحين: "أُمِرَ الناسُ أن يكون آخرُ عهدهم
[ ١٠١ ]
بالبيت، إلا أنه رخص للمرأة الحائض ".
ويطوف طواف الوداع سبعة أشواط خول البيت.
وإن كان الحاج لم يطف طواف الإفاضة للحج وأخره إلى حين خروجه، جاز له أن يطوف طوافًا واحدًا يجزئه عن طواف الإفاضة وطواف الوداع، لكن يشترط أن ينوي ذلك قبل ابتداء الطواف، لقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه.
وطواف الإفاضة ركن، وطواف الوداع واجب، فيدخل الأصغر في الاكبر.
فإن طاف طوافًا واحدًا للوداع ولم ينو طواف الإفاضة لم يجزئه.
كما لا يجوز للحاج أن يقدم طوافَ الوداع على رمي الجمار، كما يفعل بعض الناس من الطواف ضحى ذلك اليوم، ثم يرمون الجمار بعد الزوال، ثم يعودون إلى بلدانهم، فإن هذا مخالف لقوله عليه
[ ١٠٢ ]
الصلاة والسلام:"لا ينفرنّ أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت" رواه مسلم.
ولأن ذلك كان فعل النبي ﷺ، فإن آخر أعمال الحج التي فعلها قبل أن يعود إلى المدينة أنه طاف طواف الوداع.
والخير كل الخير في اتباع سنته ﵊، والحرص على التأسي به في أقواله وأفعاله، حتى ينال الأجر من الله تعالى، وحتى يحج الحجة الصحيحة، وقد أمر ﵊ بالإقتداء به، وكان كلما أدى عملا من أعمال الحج، قال: "لتأخذوا عني مناسككم ". رواه مسلم.
فإذا طاف طواف الوداع، لا يجوز له أن يبقى في مكة، ولا أن يتشاغل بشيء، إلا ما يتعلق بأمر سفره من شراء بعض ما يحتاجه في الطريق، أو كان ينتظر بقية رفقته المسافرين معه.
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا، أنه إذا طاف طواف
[ ١٠٣ ]
الوداع، فلا يفعل ما يفعله المبتدعة من الرجوع إلى الخلف من داخل المسجد الحرام حتى يصل إلى الباب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا وَلَّى لا يقف، ولا يلتفت، ولا يمشي القهقهرى. كما لا يقف عند الباب كثيرًا، أو يتلفظ بأذكار يودع فيها البيت، فإن هذا كله من البدع ".
ثم ليجتهد المسلم بعد أن مَنَّ الله عليه بختام أعمال الحج، ويَسَّر له ذلك أن يجتهد ويكثر الدعاء لله تعالى بالقبول، فإن من تقبّل الله منه حجه عاد إلى أهله سليمًا من الذنوب والسيئات، وهذا بغية كل مسلم.
وقد كان السلف ﵏ يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رده.
وقد روي عن على ﵁ أنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعوا
[ ١٠٤ ]
قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
وقال فضالة بن عبيد ﵁: لأن أكون أعلم أن الله قد تقتل مني مثقال حبة من خردل، أحب إليّ من الدنيا وما فيها.
اللهم إنا نستغفرك لذنوبنا، ونستهديك لمراشد أمورنا، ونستجيرك من شرور أنفسنا، ونتوب إليك فتب علينا، يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، يا عظيم العفو، يا حسن التجاوز، يا واسع المغفرة، يا كريم الصفح، تقبل منا أعمالنا، وتقبل من حجاج بيتك الحرام، واجعل حجهم مبرورًا، وذنبهم مغفورًا، وسعيهم مشكورًا.
[ ١٠٥ ]