الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: لَوْ أَنَّا صُمْنَا بَقِيَّةَ شَهْرِنَا فَإِنَّ الشَّهْرَ قَدْ تَسَعْسَعَ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «قَدْ تَسَعْسَعَ» قَدْ أَدْبَرَ وَمَضَى أَكْثَرُهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِكُلِّ مَا وَلِي وَأَدْبَرَ وَدَنَا فَنَاؤُهُ: «قَدْ تَسَعْسَعَ»، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْيَسِيرُ: «قَدْ سَعْسَعَ، وَتَسَعْسَعَ، وَعَسْعَسَ»، وَمِنْ قَوْلِهِمْ «تَسَعْسَعَ» قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
يَا هِنْدُ مَا أَسْرَعَ مَا تَسَعْسَعَا وَلَوْ رَجَا تَبْعَ الصِّبَا تَتَبَّعَا
وَذَلِكَ مِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ: «سَعْسَعَ اللَّيْلُ وَالْإِنْسَانُ»، إِذَا أَدْبَرَ كِبَرًا، وَدَنَا انْقِضَاءُ أَيَّامِهِ، وَذَلِكَ عَنِيَ رُؤْبَةُ بِقَوْلِهِ: «يَا هِنْدُ مَا أَسْرَعَ مَا تَسَعْسَعَا»، يَقُولُ: مَا أَسْرَعَ مَا أَدْبَرَ وَدَنَا مِنَ الْفَنَاءِ. وَأَمَّا مِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ: «عَسْعَسَ»، فَقَوْلُ عِلْقَةَ بْنِ قُرْطٍ:
[البحر الرجز]
حَتَّى إِذَا الصُّبْحُ لَهُ تَنَفَّسَا وَانْجَابَ عَنْهَا لَيْلُهَا وَعَسْعَسَا
[ ١ / ١٦١ ]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «عَسْعَسَ»: أَدْبَرَ، وَبِهَذِهِ اللُّغَةِ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: " رَأَيْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَصُومُ فِي السَّفَرِ حَتَّى أَذْلَقَهَا أَوْ قَالَ: أَذْرَقَهَا السَّمُومُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «أَذْلَقَهَا» هَزَلَهَا، وَجَهَدَهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: «سَهْمٌ مُذَلَّقٌ»، إِذَا كَانَ مُحَدَّدًا، يُقَالُ مِنْهُ: «ذَلَّقْتُ السَّهْمَ، وَأَذْلَقْتُهُ» إِذَا حَدَدْتُهُ، «وَذَلَقَ السَّهْمُ يَذْلُقُ ذَلْقًا»، إِذَا صَارَ حَدِيدًا، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: «ذَلَقَ السَّهْمُ»، قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
حَجَرِيَّةٍ كَالْجَمْرِ مِنْ سَنِّ الذَّلَقْ
يُكْسِينَ أَرْيَاشًا مِنَ الطَّيْرِ الْعُتُقْ
[ ١ / ١٦٢ ]