الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ: انْعَمُوا صَبَاحًا، يَعْنِي بِذَلِكَ: نَعِمْتُمْ عِنْدَ الصَّبَّاحِ، وَهِيَ تَحِيَّةٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَيُّونَ بِهَا مُلُوكَهُمْ، وَفِيهَا لُغَتَانِ: إِحْدَاهُمَا انْعَمْ صَبَاحًا، وَالْآخَرُ: عِمْ صَبَاحًا، وَمِنَ اللُّغَةِ الْأُولَى قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ:
[الْبَحْر الطَّوِيل]
أَلَا انْعَمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي وَهَلْ يَنْعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي؟
وَمِنَ اللُّغَةِ الْأُخْرَى قَوْلُ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ الْعَبْسِيِّ:
[الْبَحْر الْكَامِل]
[ ٣ / ٨٥ ]
يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالْجِوَاءِ تَكَلَّمِي وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي
وَأَمَّا قَوْلُ شُرَيْحٍ: أَنَّهُمْ وَجَدُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فِي سَرَبٍ، فَإِنَّ السَّرَبَ هَا هُنَا، بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ، حَفِيرَةٌ تَكُونُ فِي الْأَرْضِ، يُقَالُ مِنْهُ: «انْسَرَبَ الْوَحْشِيُّ فِي سَرَبِهِ»، إِذَا دَخَلَ فِي جُحْرِهِ، وَالسَّرَبُ أَيْضًا، بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ الْمَاءُ يُصَبُّ فِي الْقِرْبَةِ الْجَدِيدَةِ أَوِ الْمَزَادَةِ، حَتَّى يَنْتَفِخَ السَّيْرُ، وَتَسْتَدَّ مَوَاضِعُ الْخَرَزِ، يُقَالُ مِنْهُ: سَرِبَ الْمَاءُ يَسْرَبُ سَرَبًا إِذَا سَالَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[الْبَحْر الْبَسِيط]
مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا الْمَاءُ يَنْسَكِبُ؟ كَأَنَّهُ مِنْ كُلًى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ
وَمِنْهَا أَيْضًا قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ:
[الْبَحْر الوافر]
بَلَى فَارْفَضَّ دَمْعُكَ غَيْرَ نَزْرٍ كَمَا عَيَّنْتَ بِالسَّرَبِ الطِّبَابَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ سَرَبَ سَائِلٌ وَأَمَّا السَّرْبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، فَمَعْنًى غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَالُ الرَّاعِي، كَالْإِبِلِ وَنَحْوِهَا، يُقَالُ مِنْهُ: أُغِيرَ عَلَى سَرْبِ الْقَوْمِ، إِذَا ذُهِبَ بِإِبِلِهِمْ، وَجَاءَ سَرْبُ بَنِي فُلَانٍ، إِذَا جَاءَتْ إِبِلُهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: «اذْهَبِي، فَلَا أَنْدَهُ سَرْبَكِ» يُرَادُ بِهِ: لَا أَرُدُّ إِبِلَكِ، كَانَتِ
[ ٣ / ٨٦ ]
الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَرَادُوا فِرَاقَهَا وَطَلَاقَهَا، يَعْنُونَ بِذَلِكَ: اذْهَبِي فَلَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، وَالسَّرْبُ أَيْضًا، بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، الطَّرِيقُ، يُقَالُ: «خَلِّ لَهُ سَرْبَهُ، يَعْنِي بِهِ طَرِيقَهُ» وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
خَلَّى لَهَا سَرْبَ أُولَاهَا، وَنَجْنَجَهَا مَخَافَةَ الصَّيْدِ حَتَّى كُلُّهَا هِيَمُ
وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» فَإِنَّهُ يُعْنَى بِقَوْلِهِ: " فِي سِرْبِهِ: فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ مَكْسُورُ السِّينِ مُسَكَّنُ الرَّاءِ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ وَاسِعُ السِّرْبِ، يُعْنَى بِهِ: أَنَّهُ رَخِيُّ الْبَالِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " مَرَّ بِي سِرْبٌ مِنْ قَطًا، وَظِبَاءٍ، وَنِسَاءٍ، فَإِنَّهُ بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ الْقَطِيعُ مِنْ ذَلِكَ يَجْمَعُ سُرُوبًا، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ الْإِيَادِيِّ: أَوْحَشَتْ مِنْ سُرُوبِ قَوْمِي تَعَارُ فَأرُومٌ، فَشَابَةٌ فَالسِّتَارُ بَعْدَمَا كَانَ سِرْبُ قَوْمِيَ حِينًا لَهُمُ النَّخْلُ كُلُّهَا وَالْبِحَارُ
[ ٣ / ٨٧ ]
يُقَالُ مِنْهُ: «سَرَّبَ عَلَى الْإِبِلِ»، يُعْنَى بِهِ: أَرْسَلَهَا قِطْعَةً قِطْعَةً، وَمَرَّتْ بِي سُرْبَةٌ مِنْ خَيْلٍ وَحُمْرٍ وَظِبَاءٍ، بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: «سِوَى مَا أَصَابَ الذِّئْبُ مِنْهُ وَسُرْبَةٌ، أَطَافَتْ بِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْجَوَازِلِ» وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ بَعِيدُ السُّرْبَةِ، فَإِنَّهُ يُعْنَى بِهِ: بَعِيدُ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي رَجَاءٍ: حَتَّى إِذْ بَلَغَ حَفَرَ عَدِيٍّ وَتَيْمٍ، أَرَادَ أَنْ يُسْرِعَ السَّيْرَ، فَأَرْذَى رِجَالًا، وَأَرْذَانِي فِيهِمْ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فَأَرْذَى رِجَالًا خَلَّفَهُمْ وَتَرَكَ الشُّخُوصَ بِهِمْ مَعَهُ، لِضَعْفِهِمْ،، وَعَجْزِهِمْ عَنِ السَّيْرِ مَعَهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِلنَّاقَةِ الَّتِي قَدْ ضَعُفَتْ عَنِ السَّيْرِ مِنَ الْهُزَالِ، وَالْجَهْدِ الَّذِي بِهَا، إِذَا تُرِكَتْ فَلَمْ تُسْتَتْبَعْ: " رَذِيَّةٌ، تُجْمَعُ: رَذَايَا، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ الْإِيَادِيِّ: وَعَنْسٍ قَدْ بَرَاهَا لَذَّةُ الْمَوْكِبِ، وَالشَّرْبِ رَذَايَا كَالْبَلَايَا، أَوْ كَعِيدَانٍ مِنَ الْقَضْبِ، وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ثُمَّ قَالُوا: " إِنَّا نَجْتَوِي الْمَدِينَةَ، فَإِنَّهُمْ عَنُوا
[ ٣ / ٨٨ ]
بِقَوْلِهِمْ: " نَجْتَوِي الْمَدِينَةَ، نَسْتَوْبِئُهَا، وَإِنَّمَا هُوَ نَفْتَعِلُ مِنَ الْجَوَى، وَالْجَوَى: فَسَادُ الْجَوْفِ مِنْ دَاءٍ يَكُونُ بِهِ " يُقَالُ مِنْهُ جَوِيَ فَلَانٌ فَهُوَ يَجْوَى جَوًى، مَقْصُورٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ:
[الْبَحْر الطَّوِيل]
أَيَا صَاحِبِي هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى هِنْدِ وَرِيحِ الْخُزَامَى غَضَّةً بِالثَّرَى الْجَعْدِ
وَهَلْ لِلَيَالِينَا بِذِي الرِّمْثِ رَجْعَةٌ فَتَشْفِي جَوَى الْأَحْشَاءِ مَنْ لَاعِجِ الْوَجْدِ
وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَجَاءَ الصَّرِيخُ يَصْرُخُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالصَّرِيخِ: الْمُسْتَغِيثَ، يُقَالُ: جَاءَ صَرِيخُ الْقَوْمِ، فَأَصْرَخَهُمْ بَنُو فُلَانٍ، يُرَادُ بِذَلِكَ: جَاءَ مُسْتَغِيثُهُمْ فَأَغَاثَهُمُ الْآخَرُونَ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿«مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ»﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٢] يَعْنِي بِهِ: «مَا أَنَا بِمُغِيثِكُمْ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُغِيثِيَّ»
[ ٣ / ٨٩ ]