هُمَا الْغُولُ وَالسِّعْلَاةُ حَلْقِيَ مِنْهُمَا مُخَدَّشُ مَا بَيْنَ التَّرَاقِي مُكَدَّحُ
[ ١ / ١٣٥ ]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: مُكَدَّحُ: مُؤَثَّرٌ، فِيهِ آثَارُ الْخُدُوشِ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ:
أَقَبَّ كَعَقْدِ الْأَنْدَرِيِّ مُعَقْرَبٍ حَزَابِيَةٍ قَدْ كَدَّحَتْهُ الْمَسَاحِلُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: قَدْ كَدَّحَتْهُ: قَدْ عَضَّضَتْهُ، فَأَثَّرَتْ بِهِ مِنْ عَضِّهَا إِيَّاهُ آثَارًا. وَإِنَّمَا يَصِفُ بِذَلِكَ عَيْرًا قَدْ كَدَّحَتْهُ الْمَعْيُورَاءُ، فَأَثَّرَتْ بِهِ آثَارًا. وَأَمَّا الْخُمُوشُ: فَنَحْوُ الْخُدُوشِ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْآخَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْخَامِشَةَ وَجْهَهَا، وَالشَّاقَّةَ جَيْبَهَا، يَعْنِي بِالْخَامِشَةِ وَجْهَهَا مَا وَصَفْتُ، يُقَالَ مِنْهُ: خَمَشَتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا تَخْمِشُ وَتَخْمُشُ خَمْشًا وَخُمُوشًا، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
[البحر الرجز]
خَمَشْنَ حُرَّا أَوْجُهٍ صِحَاحِ فِي السُّلُبِ السُّودِ وَفِي الْأَمْسَاحِ
[ ١ / ١٣٦ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمُزْعَةِ: الْقِطْعَةَ مِنَ اللَّحْمِ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: غَضِبَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ حَتَّى كَادَ أَنْفُهُ يَتَمَزَّعُ، يُرَادُ بِهِ: يَتَقَطَّعُ قِطَعًا. وَأَمَّا قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ: تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ، فَإِنَّهُ يَعْنِي: تَكَفَّلْتُ بِكَفَالَةٍ، يُقَالُ لِلْكَفِيلِ يَتَكَفَّلُ بِالْمَالِ عَنِ الْقَوْمِ: هُوَ كَفِيلٌ بِهِ، وَهُوَ حَمِيلٌ، وَضَمِينٌ، وَزَعِيمٌ، وَقَبِيلٌ، وَصَبِيرٌ. وَإِنَّمَا أَرَادَ قَبِيصَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ تَضَمَّنَ دِيَاتِ أَقْوَامٍ قُتِلُوا؛ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ عَشَائِرِ الْقَاتِلِينَ وَالْمَقْتُولِينَ؛ فَأَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا؛ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقْنِ دِمَاءِ الْفَرِيقَيْنِ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْجَائِحَةِ: الْمُصِيبَةَ تَنْزِلُ بِمَالِ الرَّجُلِ، وَالْآفَةَ تَحُلُّ بِهِ، فَيَهْلِكُ لِذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي أَصَابَهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْآخَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ، يَعْنِي بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِمَا أَهْلَكَتْهُ الْجَوَائِحُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ
[ ١ / ١٣٧ ]
أُصُولُ أَشْرِيَتِهَا غَيْرَ صَحِيحَةٍ، وَلَمْ يُهْلِكْهَا مُبْتَاعُوهَا، وَلَا هَلَكَتْ فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ قَبْضِهِمُوهَا، فَأَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنِ اجْتَاحَتِ الْجَوَائِحُ مَالَهُ الْمَسْأَلَةَ؛ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قِوَامًا مِنْهُ. والسِّدَادُ بِكَسْرِ السِّينِ: هُوَ مَا سَدَّ الْخَلَّةَ، وَكَذَلِكَ مَا سَدَّ خَلَلًا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ سِدَادٌ بِكَسْرِ السِّينِ، يُقَالُ مِنْهُ: هَذَا الشَّيْءُ سِدَادٌ مِنْ عَوْزٍ وَفَقْرٍ، وَاجْعَلْ لِقَارُورَتِكَ سِدَادًا، وَهُوَ الصِّمَامُ؛ لِأَنَّهُ يَسُدُّ رَأْسَهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ:
[البحر الكامل]
يَا خَالِ، أَنْتَ سِدَادُ مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ شَقَّتْ بَوَائِقُهُ عَلَى الْأَمْصَارِ
وَمِنْهُ: سِدَادُ الثَّغْرِ، إِذَا سُدَّ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرْجِيِّ:
[البحر الوافر]
أَضَاعُونِي، وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ
وَأَمَّا السَّدَادَ بِفَتْحِ السِّينِ: فَهُوَ الْقَصْدُ وَالْإِصَابَةُ، يُقَالُ مِنْهُ: إِنَّهُ لَرَجُلٌ مُسَدَّدٌ، إِذَا كَانَ يَعْمَلُ بِالسَّدَادِ. وَعَلَيْكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ بِالسَّدَادِ، يُرَادُ بِهِ الْقَصْدُ. وَكَذَلِكَ الْقِوَامُ بِكَسْرِ الْقَافِ: مَصْدَرُ أَقَامَ أَمْرَ الرَّجُلِ، مِنْ كِفَايَةٍ
[ ١ / ١٣٨ ]
تُقِيمُ عَيْشَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ. وَالْقَوَامُ، بِفَتْحِ الْقَافِ: الْقَصْدُ وَالْعَدْلُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَوِي الْحِجَى: ذَوِي الْعَقْلِ وَالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ وَالْحَقِّ، يُقَالُ مِنْهُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَقَامَ بِالْمَكَانِ وَلَزِمَهُ: حَجَا بِهِ يَحْجُو حُجُوًّا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
بِرُبُضِ الْأَرْطَى وَحِقْفٍ أَعْوَجَا فَهُنَّ يَعْكُفْنَ بِهِ إِذَا حَجَا
عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُونَ الْفَنْزَجَا
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يَأْتِينَا بِالْأَحَاجِي، فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحِجَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحَاجِيَ مَا يُعَايَا بِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: حَاجَيْتُ فُلَانًا مَا فِي يَدِي: إِذَا عَايَيْتُهُ بِهِ، أَيُّ شَيْءٍ مِنْهَا، وَذَلِكَ مِنِ امْتِحَانِ الْعَقْلِ بِالْمُعَايَاةِ
[ ١ / ١٣٩ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَحْجِ بِذَاكَ، فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُ: أَخْلِقْ بِهِ أَنْ يَكُونَ، وَأَحْرِ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ سُحْتٌ يَا قَبِيصَةُ، يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسُّحْتِ: الْحَرَامَ الَّذِي يُهْلِكُ آكِلَهُ وَيَسْتَأْصِلُهُ هَلَاكًا، بِأَكْلِهِ إِيَّاهُ وَإِفْسَادِهِ دِينَهُ. وَأَصْلُ السُّحْتِ: كَلْبُ الْجُوعِ، يُقَالُ مِنْهُ: فُلَانٌ مَسْحُوتُ الْمَعِدَةِ، إِذَا كَانَ أَكُولًا لَا يُلْفَى أَبَدًا إِلَّا جَائِعًا. وَإِنَّمَا قِيلَ لِآكِلِ الْحَرَامِ: هُوَ يَأْكُلُ السُّحْتَ؛ لِشَرَهِهِ إِلَى أَكْلِ ذَلِكَ، وَأَخْذِهِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، كَشَرَهِ الْمَسْحُوتِ الْمَعِدَةِ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ، يُقَالُ مِنْهُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وَأَسْحَتَهُ، لُغَتَانِ مَحْكِيَّتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَيَسْحَتَكُمْ) وَ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ بْنِ غَالِبٍ:
[البحر الطويل]
وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْمَالِ إِلَّا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ
يَعْنِي بْالْمُسْحَتِ: الَّذِي قَدِ اسْتُؤْصِلَ هَلَاكًا؛ بِإِفْسَادِهِ إِيَّاهُ، وَمَحْكِيٌّ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ لِلْحَالِقِ إِذَا حَلَقَ: اسْحَتْ شَعْرَهُ، تَعْنِي بِهِ: اسْتَأْصِلْهُ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ
[ ١ / ١٤٠ ]
: لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ: لِيُكَثِّرَهُ، وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ: مَنْ سَأَلَ عَنْ غِنًى مِنْ غَيْرِ فَاقَةٍ لِيُكَثِّرَ بِمَسْأَلَتِهِ مَالَهُ، لَا لِيَسُدَّ بِهِ فَاقَتَهُ. وَالثَّرَاءُ بِالْمَدِّ: كَثْرَةُ الْمَالِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ:
[البحر الطويل]
يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ
وَأَمَّا الثَّرَى بِالْقَصْرِ: فَإِنَّهُ التُّرَابُ الْمُبْتَلُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦]، وَيُقَالُ: بَدَا ثَرَى الْمَاءِ مِنْ أَعْطَافِ الْخَيْلِ، إِذَا عَرِقَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
يُذَدْنَ ذِيَادَ الْخَامِسَاتِ وَقَدْ بَدَا ثَرَى الْمَاءِ مِنْ أَعْطَافِهَا الْمُتَحَلِّبِ
يُقَالُ مِنَ الْمَقْصُورِ مِنْ ذَلِكَ: ثَرَّى فُلَانٌ التُّرَابَ، فَهُوَ يُثَرِّيهِ تَثْرِيَةً، وَذَلِكَ إِذَا بَلَّهُ، وَمِنَ الْمَمْدُودِ: أَثْرَى فُلَانٌ فَهُوَ يُثْرِي إِثْرَاءً. وَيُقَالُ: ثَرَى بَنُو فُلَانٍ بَنِي فُلَانٍ، إِذَا كَثَرُوهُمْ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ. وَيُقَالُ: هُوَ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَثَرَاءٍ، يُرَادُ بِالثَّرْوَةِ: الْعَدَدُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا فَلْيَجْزِ بِهِ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ
[ ١ / ١٤١ ]
: «فَلْيَجْزِ بِهِ»: فَلْيُكَافِ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّاسِ: جَزَى اللَّهُ فُلَانًا عَنْ فُلَانٍ خَيْرًا، يُعْنَى بِهِ: أَثَابَهُ اللَّهُ وَكَافَاهُ عَنْهُ، عَلَى فِعْلِهِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «هَالِعٌ»: جَازِعٌ، يَجْزَعُ صَاحِبُهُ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي الْحُقُوقِ مَخَافَةَ الْفَاقَةِ وَالْإِقْتَارِ. وَوَصَفَ بِالْهَلَعِ الشُّحَّ - وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الشَّحِيحِ - كَمَا قِيلَ: لَيْلٌ نَائِمٌ، وَنَهَارٌ صَائِمٌ، يُرَادُ بِهِ: يُنَامُ فِي هَذَا، وَيُصَامُ فِي هَذَا، فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: شُحٌّ هَالِعٌ، أَنَّهُ يَهْلَعُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]، قِيلَ: ضَجُورًا، وَقِيلَ: جَزُوعًا. وَالْهَلَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ: أَشَدُّ الْجَزَعِ وَأَقْبَحُهُ، يُقَالُ مِنْهُ: هَلِعَ فُلَانٌ يَهْلَعُ هَلَعًا وَهُلُوعًا. وَأَمَّا الْجُبْنُ الْخَالِعُ: فَهُوَ الْجُبْنُ الَّذِي يَخْلَعَ فُؤَادَ صَاحِبِهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ عِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ. وَإِنَّمَا وَصَفَهُمَا ﷺ بِأَنَّهُمَا شَرُّ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ خَلَائِقِهِ؛ لِأَنَّ الشُّحَّ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى كُلِّ عَظِيمَةٍ، مِنْ مَنْعِ حُقُوقِ اللَّهِ ﷿ الَّتِي أَوْجَبَهَا فِي مَالِهِ كَالزَّكَاةِ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَدَاءِ مَا يَلْزَمُهُ لِلنَّاسِ مِنَ الدُّيُونِ، وَلِأَهْلِهِ مِنَ النَّفَقَاتِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى السَّرَقِ وَغَصْبِ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ، وَخِيَانَتِهِمْ فِيمَا اتَّمَنُوهُ عَلَيْهِ، وَأَشْبَاهِ
[ ١ / ١٤٢ ]
ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُمَلُّ تَعْدَادُهَا، وَأَنَّ الْجُبْنَ الْخَالِعَ يَصُدُّ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ مِنْ جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَيَدْعُو إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، حَذَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمَأْمُورِ أَوِ الْمَنْهِيِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «لَا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلَاهُ يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ مَا عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ، إِلَّا دُعِيَ لَهُ شُجَاعًا يَتَلَمَّظُ، فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالشُّجَاعِ: نَوْعًا مِنَ الْحَيَّاتِ، وَهِيَ مِنْ عِظَامِهَا وَخِبَاثِهَا، وَإِيَّاهُ عَنَى الرَّاجِزُ بِقَوْلِهِ:
[البحر الرجز]
قَدْ سَالَمَ الْحَيَّاتُ مِنْهُ الْقَدَمَا الْأَفْعُوَانَ وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «يَتَلَمَّظُ»، فَإِنَّ التَّلَمُّظَ: التَّمَطُّقُ وَتَكْرِيرُ الْعَضِّ وَالْقَضْمِ، يُقَالُ مِنْهُ: مَا ذَاقَ فُلَانٌ الْيَوْمَ لَمَاظًا، وَلَا مَضَاغًا، وَلَا قَضَامًا، وَلَا أَكَالًا، إِذَا لَمْ يَذُقْ شَيْئًا
[ ١ / ١٤٣ ]
وَأَمَّا قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِعْوَزَيْنِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمِعْوَزَيْنِ: ثَوْبَيْنِ خَلَقَيْنِ، وَالْمَعَاوِزُ: جَمْعُ ذَلِكَ، وَهِيَ الْخُلْقَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَهِيَ الْأَسْمَالُ، وَالْأَخْلَاقُ، وَالْأَطْمَارُ وَالْأَهْدَامُ، وَالشَّبَارِقُ، وَالشَّرَاذِمُ، وَالشَّمَاطِيطُ. وَأَمَّا قَوْلُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ: فَاضْطَرَّهُ النَّاسُ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - إِلَى سَلَمَةٍ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسَّلَمَةِ: شَجَرَةً تُدْعَى بِهَذَا الِاسْمِ لَهَا شَوْكٌ، وَإِيَّاهَا عَنَى الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:
صَاحَ الْغُرَابُ بِمَهْ بِالْبَيْنِ مِنْ سَلَمَةْ
وَكَذَلِكَ السَّمُرَةُ: شَجَرَةٌ تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ تَكُونُ بِالْبَوَادِي. وَأَمَّا قَوْلُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعِنْدَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ تَذُبُّ عَنْهُ، وَهِيَ مَوْشُومَةُ الْيَدَيْنِ، كَانُوا وَشَمُوهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ وَشْمَ الْيَدِ: تَغْرِيزُ ظُهُورِهَا بِالْإِبْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْحَدِيدِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ نُقُوشًا، ثُمَّ يُحْشَى مَوَاضِعُ التَّغْرِيزِ نَؤُورًا لِيُخَضِّرَهَا أَوْ يُسَوِّدَهَا، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ
[ ١ / ١٤٤ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، فَالْوَاشِمَةُ: فَاعِلَةُ الْوَشْمِ، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: السَّائِلَةُ الْوَاشِمَةَ أَنْ تَشِمَهَا، وَمِنَ الْوَشْمِ الَّذِي وَصَفْتُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ فِي صِفَةِ ثَوْرٍ وَحْشِيٍّ:
[البحر البسيط]
أَمَّا السَّرَاةُ فَمِنْ دِيبَاجَةٍ لَهَقٍ وَبِالْقَوَائِمِ مِثْلُ الْوَشْمِ بِالْقَارِ
وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
[البحر الكامل]
أَوْ رَجْعُ وَاشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُهَا كِفَفًا تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا
وَأَمَّا قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: فَكَانَ أَهْلُ الْمَاءِ قَدْ أَصَابَهُمْ خَمْصٌ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْخَمْصِ: الْأَزْلَ وَالشِّدَّةَ وَالْمَجَاعَةَ، وَالْخُمُوصَةُ: ضُمُورُ الْبَطْنِ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الضَّامِرَةِ الْبَطْنِ: خُمْصَانَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ:
[البحر البسيط]
خُمْصَانَةٌ فُنُقٌ دُرْمٌ مَرَافِقُهَا كَأَنَّ أَخْمَصَهَا بِالشَّوْكِ مُنْتَعِلُ
[ ١ / ١٤٥ ]
وَذَلِكَ مِمَّا يُمْدَحُ بِهِ النِّسَاءُ، وَمِنَ الْخَمْصِ أَيْضًا قَوْلُ مَيْمُونٍ الْآخَرُ:
[البحر الطويل]
تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاءً بُطُونُكُمْ وَجَارَاتُكُمْ غُبْرٌ يَبِتْنَ خَمَائِصَا
يَعْنِي بِالْخَمَائِصِ: الْمَهَازِيلَ الضَّامِرَاتِ الْبُطُونِ مِنَ الْجُوعِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]، يَعْنِي بِالْمَخْمَصَةِ: الْمَجَاعَةَ، وَهُوَ الْمَفْعَلَةُ مِنَ الْخَمْصِ. وَأَمَّا قَوْلُ لَبِيدٍ: وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَبَقِيتُ فِي قَوْمٍ شِرَارٍ أَرْدِيَاءَ، خَلَفُوا أَهْلَ الْفَضْلِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنْ شِرَارٍ خَلَفُوا خِيَارًا كَانُوا قَبْلَهُمْ قَالُوا: خَلَفَهُمْ خَلْفُ سُوءٍ، بِتَسْكِينِ اللَّامِ مِنَ الْخَلْفِ، وَإِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ خِيَارٍ خَلَفُوا خِيَارًا قَالُوا: خَلَفَهُمْ خَلَفٌ صَالِحٌ، بِفَتْحِ اللَّامِ مِنَ الْخَلَفِ. وَمِنَ الْخَلْفِ بِسُكُونِ اللَّامِ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، وَمِنَ الْخَلَفِ بِفَتْحِ اللَّامِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
[البحر البسيط]
بَانَ الشَّبَابُ وَأَمْسَى الشَّيْبُ قَدْ أَزِفَا وَلَا أَرَى لِشَبَابٍ ذَاهِبٍ خَلَفَا
[ ١ / ١٤٦ ]
وَأَمَّا قَوْلُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ: فَأُتِيَ بِأَرْبَعَةِ أَرْغِفَةٍ، وَقَصْعَةٍ فِيهَا مَرِيسٌ، فَإِنَّ الْمَرِيسَ: فَعِيلٌ مِنَ الْمَرْسِ، أَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا قِيلَ لِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ، وَلِلْمَجْرُوحِ جَرِيحٌ، وَإِنَّمَا عَنَى بِالْمَرِيسِ: الشَّيْءَ الْمَمْرُوسَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ عَسَلٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ سَمْنٍ، يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ مَرَسَ فُلَانٌ الْعَسَلَ فِي الْقَصْعَةِ، إِذَا صَفَّاهُ فِيهَا مِنْ شَهْدِهِ، وَمَرَسَ التَّمْرَ فِي السَّمْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَدْ جَرَّبَ الْأُمُورَ وَعَالَجَهَا: قَدْ مَارَسَ الْأُمُورَ وَضَارَسَهَا، كَمَا قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
[البحر الوافر]
وَضَارَسْتُ الْأُمُورَ وَضَارَسَتْنِي فَلَمْ أَعْجِزْ، وَلَمْ تَضْعُفْ قَنَاتِي
وَمِنَ الْمَرْسِ أَيْضًا قَوْلُهُ:
[البحر الطويل]
بَنُو الْحَرْبِ مَا يُلْفَى بِنَبْعَةِ عُودِهِمْ إِذَا امْتَرَسَتْ فِيهِ الْأَكُفُّ، صُدُوعُ
[ ١ / ١٤٧ ]